الجمعة, مايو 1, 2026
الجمعة, مايو 1, 2026
Home » إمرسون والمسافة الأميركية بين الأخلاق والازدهار

إمرسون والمسافة الأميركية بين الأخلاق والازدهار

by admin

 

يناقش الشاعر والمفكر مسألة الضمير في بلاده: من فضيلة الاجتماع إلى معيار الحضارة

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب

ليست مصادفة أن النخبة المثقفة الواعية في الولايات المتحدة الأميركية، التي لا تزال تتمسك بما تعتبره القيم المؤسسة لهذه الأمة، تعتبر أفكار الشاعر والمفكر رالف والدو إمرسون مرجعها الأساس، معبراً عنه في أقوال مأثورة تدخل حتى في نطاق اليومي. وليست مصادفة أن نجد هذه النخبة في طليعة كل تحرك غاضب واحتجاجي كلما بدرت من السلطات الأميركية تصرفات لا تمت بصلة إلى ما تحمله الأمة الأميركية من تلك الأفكار المؤسسة.

في هذا المعنى، قد يصح القول إن إمرسون يشكل ما يشبه الضمير الحي لوعي أميركي لا يريد أن ينهار أمام أية عدوانية، أو أي استخدام سيئ للسلطة، أو أية انعزالية اجتماعية، أو أية سياسة فضائحية. إمرسون، في هذا المعنى هو نقيض حرب فيتنام، ونقيض ووترغيت، ونقيض كل ضروب العدوانات التي تمارس في السياسة الخارجية الأميركية، ناهيك بأنه في الوقت نفسه النقيض الأساس لكل أنواع السياسات الرجعية التي تتخذ في الداخل الأميركي.

والحقيقة أن إمرسون لم يصل إلى هذا الموقع الفكري بمفرده، أو بكتاباته وحدها، بل كذلك عبر تيار فلسفي كان من مؤسسيه وترعرع فيه فترة طويلة من حياته، وهو المسمى النزعة التجاوزية، تلك النزعة التي انتشرت في أوساط مثقفين نخبويين خلال العقود الأولى من القرن الـ19.

إرث إمرسون الفكري ووصيته الأخيرة

إن في إمكان القارئ، بالطبع، أن يعثر على ما نعنيه من أفكاره في ثنايا أشعار إمرسون وكتاباته النثرية، التي تراوحت ما بين التأملات والدراسات الاجتماعية والبحوث المقربة من الفلسفة، لكنه، أي القارئ، يمكنه أيضاً أن يكتفي بقراءة الكتاب الأخير الذي أصدره إمرسون في حياته، وعنوانه “المجتمع والعزلة”، ليجد نفسه أمام منظومة فكرية إنسانية ـ اجتماعية تبدو في نهاية الأمر متكاملة، حتى وإن كنا نعرف أن الكتاب يتألف، في الأصل، من دراسات عدة كان سبق لإمرسون أن نشرها في مناسبات متنوعة وعلى مدى عقود من السنين. غير أنها، في الحقيقة، حين جمعت هنا إلى جانب بعضها بعضاً، أخذت بسرعة مذاقاً آخر، وبدت وكأنها وصية نهائية لفكر شاعر كان همه الأساس في حياته وفكره نشر القيم.

في كتابه الأخير هذا تبدو اهتمامات إمرسون متنوعة، إذ تتناول الدراسات عدداً من القضايا والمسائل المتراوحة بين الفكر الصرف وقضايا الثقافة ودورها في المجتمع، غير أن ما ينظم كل هذه الأفكار إنما هو دراسة أساسية، هي التي أعطت الكتاب عنوانه.

وفي هذه الدراسة عبر الكتاب عن أقصى درجات الاهتمام بالشأن الاجتماعي، ولا سيما بالمسألة الأساس التي قامت عليها الأمة الأميركية: اللقاء الاجتماعي، إذ، حتى ولو كنا نعرف أن “اعتزال شؤون العالم الخارجي وعدم التدخل في شؤون الأمم الأخرى، ولو لإنقاذها، كانا مبدئين قامت عليهما نزعة أميركية عامة نعرف أنها، لو ظلت كما هي خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية في القرن الـ20، لكان العالم يرزح اليوم تحت ربقة النازية والنزعة العسكرية، كلنا نعرف هذا، فإننا نعرف أيضاً أن اللقاء الاجتماعي هو الأرضية الأساس التي قامت عليها أميركا، مما مكنها خلال قرون قليلة من اجتذاب ملايين المواهب وأصحاب الكفاءات الآتين من شتى أنحاء العالم”.

إذاً، ما يحاول إمرسون أن يشرحه في الدراسة التي نتحدث عنها إنما هو “فضيلة الاجتماع” – كي نستخدم تعبيراً خلدونياً بامتياز.

“المجتمع والعزلة” في طبعته الأصلية (أمازون)

بين العزلة والتفاعل: معضلة الإنسان الدائمة

إن ما يحاول إمرسون أن يرصده في هذه الدراسة إنما هو الخيار المطروح بصورة دائمة أمام الإنسان بين عزلة تفقر الكائن عبر حرمانه من الاحتكاك والتوافق مع الآخر، وهذين العنصرين اللذين من البديهي القول إنهما يضمنان لهذا الكائن الحركة والفعل، وبين نزعة اجتماعية يحدث لها كثيراً أن تتحول بسرعة إلى خواء وتشتت. أما بالنسبة إلى إمرسون، فليس ثمة أدنى شك في أن الحل المثالي يكمن في “الصحة العقلية” وفي نزاهة أو تكامل المبادئ التي، إذ تصاغ في عمق أعماق ذواتنا، نجد في النسيج الاجتماعي نفسه الأرضية الصالحة والامتداد الطبيعي الذي يمكنها أن تزدهر فيه وتتطور.

بعد هذا التأكيد الواضح، الذي قد يبدو لكثيرين أشبه بالبديهية، يتضمن الكتاب دراسة أخرى تسير على المنوال نفسه، ولو في مجال آخر. هذه الدراسة هي تلك المعنونة “الحضارة”، وفيها يبدو من الواضح أن المؤلف إنما يريد أن يبرهن أن المعيار الوحيد الذي يسمح بالحكم على قيمة مختلف الشعوب إنما هو معرفة نمط الإنسان الذي تلده هذه الشعوب، أو كل شعب منها.

إذاً، بالنسبة إلى إمرسون، ليست تعداد السكان ولا مساحة الأرض ولا الثروة، ولا حتى الازدهار الاقتصادي لدى أمة من الأمم، يمكن أن تكون صالحة كمعيار يستخدم لقياس أهمية هذه الأمة أو قيمتها، بل درجة تطورها الذهني ونموها الأخلاقي، وهذان البعدان اللذان لا يعود التطور التقني سوى وسيلة لنشرهما والتشديد عليهما. إذاً، فإن أساس الحضارة، إذ ننظر إليها من هذه الزاوية، يصبح محدداً في سياق واحد: إنه الأخلاق والعدالة والحرية.

المنزل مرآة القيم الفردية والاجتماعية

في دراسة ثالثة في الكتاب نفسه عنوانها “الحياة المنزلية”، يقول لنا إمرسون إن المنزل والحياة العائلية يجب النظر إليهما باعتبارهما تعبيراً عن الشخصية المعنوية/ الأخلاقية للفرد: “فالمنزل يجب ألا يوفر، كما هي الحال في معظم الأحيان، وسائل راحة وديكوراً يعيش الفرد مرفهاً ضمنها عيشاً برجوازياً مدنياً راقياً، بل يتعين على المنزل أن يكون مركزاً يفتح ذراعيه لاستقبال الآخرين، مضيفاً علواً بالتآلف والتعاطف الإنسانيين. على المنزل أن يكون شهادة على ذوق صاحبه، من الناحية الثقافية ومن ناحية المواقف والقيم”.

ويؤكد دارسو فكر إمرسون وحياته أن هذه الدراسة بالذات كانت واحدة من أقرب دراساته إلى قلبه، وأنه كتبها ونقحها مرات عدة، وكان ينصح بقراءتها كل من يسأله نصحاً أو توجيهاً فكرياً.

وتمتاز هذه الدراسة، إلى موضوعها هذا، وكما هي حال دراسات عدة يضمها هذا الكتاب، تناولها بالدراسة أموراً مثل “الفن” و”الفصاحة” و”الشأن الرفيع” و”الكتب” و”النوادي” و”الأعمال والأيام” و”النجاح” و”الشيخوخة”، بقوة صياغتها النظرية، حتى وإن كان كثر قد استخدموا هذا البعد النظري تحديداً ليقولوا إن الصياغة عامة، وقد تصلح لأي زمان ومكان، ما يبعدنا، في رأيهم، من الخصوصية الأميركية التي كان إمرسون يتوخى أن تميز كتاباته في زمن كانت القيم الأميركية لا تزال تصاغ فيه. ومهما يكن من أمر، فإن نقاداً أكثر إنصافاً رأوا في هذه الدراسات “نبضاً أخلاقياً عميقاً” ينتمي بكل تأكيد إلى عالم إمرسون الذي عبر عنه شعراً ونثراً في كل النصوص التي كتبها على مدى نصف قرن في الأقل.

نزوع إلى الفكر الفلسفي “التجاوزي”

ولد رالف والدو إمرسون عام 1803 في بوسطن لأب كان قسيساً ينتمي إلى كنيسة التوحيد المعمدانية، لكن رالف، ما إن صار في سن الشباب، حتى ابتعد عن تلك الكنيسة ليبدأ المساهمة في صوغ الفكر الفلسفي “التجاوزي”، وذلك عبر كتابه الأول “الطبيعة”. ومنذ ذلك الحين، لم يهدأ إمرسون، لا جغرافياً، حيث نراه ينتقل بين مناطق عدة من العالم، بما فيها الشرق الأوسط، ولا كتابياً، حيث راح يكتب الشعر والنثر والفلسفة والتأملات الأدبية الخاصة. وهو الذي كان قد تخرج في جامعة هارفرد في الثامنة عشرة من عمره، وارتبط بصداقات أوروبية مع كولردج وجون ستيوارت مل، وخصوصاً مع توماس كارلايل، الذي ظل صديقاً له حتى آخر حياته.

ورحل إمرسون عن عالمنا عام 1882، في سنته الـ79، حيث كان يعيش منذ فترة طويلة في مدينة كونكورد بولاية ماساتشوستس.

المزيد عن: رالف والدو إمرسون حرب فيتنام فضيحة ووترغيت

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00