"مايكل"... فيلم يلمّع أسطورة ويدفن الحقيقة ثقافة و فنون “مايكل”… فيلم يلمّع أسطورة ويدفن الحقيقة by admin 1 مايو، 2026 written by admin 1 مايو، 2026 14 سيرة ذاتية منقوصة لأبرز المغنين عبر التاريخ من إخراج الأميركي أنطوان فوكوا اندبندنت عربية محمد غندور مدير المراسلين @ghandourmhamad السينما تكذب بطريقتين: بما تظهره، وبما تختار ألا تظهره. فيلم “مايكل” للمخرج أنطوان فوكوا ينتمي إلى الفئة الثانية، التي تثير ضجيجاً يتجاوز حدود الشاشة. لا يروي قصة نجم فحسب، بل يكشف بصورة لا إرادية عن آليات صناعة الأساطير في عصر تتشابك فيه حقوق الملكية الفكرية مع الإرث الأخلاقي، وتتداخل فيه مصالح ذوي الفنان مع استقلالية العمل الإبداعي. يقترح الفيلم على المشاهد صفقة ضمنية: أن يتعلق بموهبة استثنائية، في مقابل أن يغض طرفه عن كل ما قد يكدر صورتها. ومن حق المشاهد أن يقبل هذه الصفقة أو يرفضها، لكنه لا يملك في الحالتين أن يتجاهلها. ما يجعل “مايكل” مادة نقدية خصبة بامتياز ليس فقط ما يقوله، بل ما يصمت عنه بعناية مدروسة. والصمت في السينما، شأنه شأن الصمت في الأدب والسياسة، له وزن ومعنى وتداعيات. حين يصل فيلم سيرة ذاتية إلى عام 1988 ومن ثم يتوقف ملوحاً بجزء ثان، فهو لا يفصح عن ضغط إنتاجي أو قرار فني بقدر ما يفصح عن تصميم واع على تأجيل المواجهة مع الجزء الأكثر إشكالية من تلك الحياة. هذا التأجيل هو الموضوع الحقيقي للفيلم، وإن لم يكن موضوعه المعلن. من غاري إلى العالم تنطلق أحداث “مايكل” من منزل عائلة جاكسون في مدينة غاري بولاية إنديانا عام 1966، في مشهد يضع المشاهد أمام بؤرة الصراع الجوهري في حياة النجم: أب استبدادي يجسده بتفوق الممثل كولمان دومينغو، يرى في أبنائه ورقة رابحة في مواجهة قسوة الحياة العمالية، وطفل استثنائي يحمل موهبة يصعب احتواؤها. جوزيف جاكسون في الفيلم شخصية مركبة من الوحشية والطموح، يضرب ابنه بالحزام ويدفعه إلى الشهرة بالقدر ذاته من العنف. وحين يرفع الستار عن المايكل الطفل، الذي أدى دوره بإجادة ملاحظة الممثل جوليانو فالدي، يجد المشاهد نفسه أمام سردية مألوفة: العبقرية المولودة من الألم. لقطة من الفيلم (مواقع التواصل) تتسارع الأحداث بعد ذلك، إذ لا يضيع الفيلم وقته في استكشاف مراحل التحول الداخلية، بل يقفز من محطة إلى أخرى بمنطق الحوليات: موتاون، وكوينسي جونز (كيندريك سامبسون)، وصعود مايكل المنفرد، ومعركة MTV الشهيرة، وحريق إعلان بيبسي. كل ذلك مقدم بإيقاع يشبه الفيديو كليب أكثر مما يشبه الدراما الإنسانية العميقة، المحطة الأكثر إثارة درامياً تبقى تحرر مايكل من سيطرة والده، حين يستعين بالمحامي الشاب جون برانكا (مايلز تيلر)، في مشاهد تكتسب حيوية لافتة حين يدخل مايكل مايرز بأداء ساخر محكم في دور رئيس شركة الأسطوانات وولتر يتنيكوف. أما الجزء الأساس من الفصل الثاني فينيط بالممثل جعفر جاكسون، ابن شقيق المغني الراحل، مهمة حمل الفيلم على عاتقيه، مما ينجز معظمه بكاريزما أخاذة في مشاهد الأداء الموسيقي، بينما تبدو الشخصية أمام الكاميرا خارج المسرح أقرب إلى ملاك خجول منه إلى إنسان حقيقي. نقاط الضعف السينما لا تكذب دائماً بما تقوله، بل تكذب أحياناً بما تختار أن تتجاهله. “مايكل” يمثل حالة دراسية في ما يمكن تسميته “الحذف الأيديولوجي”، أي الإسقاط المنهجي لعناصر من شأنها أن تقوض صورة الشخصية المركزية أو تعقدها، بما يتجاوز مساحة الراحة التي رسمها صانعو الفيلم سلفاً. أبرز هذه الغيابات طبعاً، غياب أية إشارة إلى الاتهامات الموثقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال التي لاحقت جاكسون طوال التسعينيات وما تلاها. هذا الإسقاط ليس قراراً فنياً بريئاً، لأن الفيلم نفسه يحشو مشاهده بلقطات تظهر ميل مايكل إلى رفقة الأطفال، من زيارات المستشفيات إلى المحادثات في متجر الألعاب إلى حمل لعبة “تويستر” إلى البيت. هذه المشاهد لا يمكن مشاهدتها بسذاجة كاملة، وصانعو الفيلم يعرفون ذلك. إنهم يقدمونها بوصفها دليلاً على براءة روح طفولية مجروحة، لكنهم يعرفون أن جزءاً من الجمهور سيقرأها قراءة مغايرة، ومع ذلك يواصلون. هذا الغموض المتعمد ليس جرأة فنية، بل هو نوع من المراوغة الأخلاقية. لكن الفيلم يغيب عنه كثير مما لا يمس الاتهامات أصلاً، ثمة غياب شبه تام للحياة العاطفية والجنسية لمايكل، لا يقر الفيلم بوجودها ولا يقر بغيابها، فتبقى الشخصية معلقة في فضاء اللاجنس المريح. لا نعرف شيئاً عن علاقاته بنجوم عصره، لا تحالفات ولا تنافسات ولا صداقات حقيقية. يشير العمل عابراً إلى مخاوف مايكل من أن “الله ربما يمنح الأفكار لبرينس” بنبرة فكاهية خفيفة، لكنه لا يستكشف البتة ما يعنيه أن تكون أسطورة بين الأساطير. مع إخوته (مواقع التواصل) الثروة الهائلة التي راكمها يومأ إليها من دون أن تستكشف، فلا نرى كيف شوهت علاقاته أو أعادت رسم حدود عالمه. وحين يمر الفيلم على حريق إعلان بيبسي الشهير الذي كاد يودي بحياة جاكسون ويعتقد على نطاق واسع أنه كان نقطة التحول نحو إدمان المسكنات، يكتفي بتصوير المشهد باعتباره لحظة تعاطف إنساني مع المرضى الآخرين، من دون أن يلمح إلى ما أشعله ذلك الحريق في الداخل. الخلل العميق مع ذلك ليس في غياب هذه التفاصيل وحده، بل في الفلسفة السردية التي تنتجها غياباً بعد غياب: يقرر الفيلم سلفاً من هو مايكل جاكسون، ثم يبني حججه لتأكيد هذا القرار المسبق. الشخصية لا تكتشف نفسها أمام المشاهد، بل تقدم له جاهزة، صافية، مكتملة الملامح كأيقونة مرسومة لا كإنسان يتشكل. التلميع بدلاً من الحقيقة ما يميز “مايكل” بين أفلام السير الذاتية المحابية، هو الدرجة غير المسبوقة من التشابك بين جهات الإنتاج والشخصية المصورة. مؤسسة إدارة إرث جاكسون لم تكن منتجاً تنفيذياً صامتاً بالمعنى المألوف، بل كانت طرفاً فاعلاً في تشكيل المنتج النهائي: دفعت تكاليف إعادة تصوير مشاهد بعينها، وأصرت على حذف مقاطع تتعلق بالاتهامات استناداً إلى بنود تسوية قانونية سابقة تحظر تصوير أحد المتهمين المذكورين. هذا يعني أن الخط الفاصل بين الفيلم بوصفه عملاً فنياً والفيلم بوصفه أداة لإدارة الإرث قد انهار بصورة كاملة، وهو انهيار يستحق أن يحسب عند أي تقييم جمالي أو أخلاقي للعمل. الأكثر إثارة في هذه المعادلة أن جون برانكا، المحامي الذي يصوره الفيلم بطلاً ذكياً محرراً لمايكل من براثن والده، هو نفسه المنفذ لوصية جاكسون وأحد المنتجين التنفيذيين للفيلم. فالشخصية التي تمثل الوجه “الإيجابي” لعلاقة مايكل بالعالم الخارجي، يؤديها في الواقع شخص له مصلحة مباشرة في أن تبدو تلك الصورة جميلة. هذا ليس مجرد تضارب مصالح عارض، بل نموذج كامل لما يمكن أن نسميه “السيرة الذاتية المدارة”، إذ يعيد أصحاب الإرث كتابة التاريخ من الداخل بأدوات فنية مقنعة. الأمر يمتد إلى ما هو أدق: الفيلم يسهم في تشويه حقائق موثقة، إذ يوحي في أكثر من مشهد بأن مايكل جاكسون أشرف على كوريغرافيا فيديو “Beat It” بصورة شاملة، وهو ما تعارضه وقائع الإنتاج الموثقة. كما تكاد مساهمات كوينسي جونز الإنتاجية العبقرية التي أعادت تعريف الصوت الشعبي في مطلع الثمانينيات تختزل في حضور ثانوي عابر، بينما كان دوره في ألبومات “أوف ذا وول” و”ثريلر” و”باد” محورياً إلى حد يصعب مناقشته مهنياً. تقليص الآخرين شرط ضمني لتضخيم البطل الأوحد، وهذا نمط مألوف في سينما التلميع، لكنه نادراً ما يمارس بهذه الجرأة الهادئة. سينما السيرة الذاتية أفلام السير الذاتية (Biopic) نوع سينمائي يقف منذ نشأته على عتبة متوترة بين حاجتين متعارضتين: الاحتفاء بحياة إنسانية استثنائية من جهة، والتحقيق النقدي في تناقضاتها من جهة أخرى. ولأن هذين الهدفين نادراً ما يتعايشان بسلام، فإن السائد في هذا النوع هو الانحياز التدريجي إلى الأول على حساب الثاني. يلاحظ الباحث روبرت أ. روزنستون أن أفلام السيرة الذاتية تميل بصفة بنيوية إلى تبسيط الدوافع وتحويل الشخصية إلى رمز يقرأ بسهولة، متخلصة من التعقيد الذي يجعل الحياة الحقيقية مقلقة ومثيرة في آن واحد. “مايكل”… فيلم يلمّع أسطورة ويدفن الحقيقة في العقد الأخير تحديداً، باتت هذه الإشكالية أكثر حدة مع تنامي ظاهرة ما يمكن تسميته “البايوبيك الموسيقي الممسرح”، أي تلك الأفلام التي تستمد شرعيتها من إعادة تقديم الأداء الحي لنجم موسيقي بصورة تقترب من الاستحضار الحرفي. “بوهيميان رابسودي” (2018) كان النقطة التأسيسية لهذه الموجة: حقق الفيلم نجاحاً تجارياً باهراً على رغم إقصائه معظم الجوانب الإشكالية من حياة فريدي ميركوري وعلاقته بمرض الإيدز وتحولاته الجنسية بعيداً من أي عمق. “إلفيس” لباز لورمان اختار بدوره الانبهار البصري المبهر بديلاً عن الإجابة عن الأسئلة الحقيقية حول شخصية بريسلي، و”مجهول كامل” (2024) لجيمس مانغولد آثر السرد الوقائعي المسالم على حساب ما يجعل ديلان شخصية ملتبسة وبالغة التعقيد. ما يجمع هذه الأفلام على رغم اختلافها الظاهري، منطق السوق الذي يقف وراءها: حقوق الموسيقى في يد ذوي الفنانين أو مؤسسات تمثلهم تمثيلاً انتقائياً، وهذه الحقوق ليست مجرد ورقة مساومة مالية، بل شرطاً وجودياً لصنع الفيلم أصلاً. حين تبنت تجارب مستقلة التفافاً على هذا الشرط، كأفلام أنجزت عن ديفيد بوي وجيمي هيندريكس من دون حقوق الموسيقى الأصلية، كانت النتائج على صعيد الحضور الجماهيري مخيبة بصرف النظر عن قيمتها الفنية أحيانًا. معنى ذلك أن الجمهور الواسع يطالب ضمنياً بالأغاني الأصلية لا ببدائلها، وهذا الطلب يمنح حراس الإرث قدرة ابتزاز ثقافية حقيقية. الظاهرة الأكثر إثارة للقلق النقدي هي أن نجاح هذه الأفلام تجارياً يرسخ قناعة لدى صانعي القرار بأن الجمهور لا يريد الحقيقة بل يريد الأسطورة المطولة، وهذه القناعة تعيد تشكيل ما ينتج لاحقاً في حلقة مغلقة: الجمهور يأتي ليرى ما يعرفه ويحبه مجسداً على الشاشة الكبيرة، وصانعو الفيلم يقدمون له هذا بالضبط من دون مخاطرة، وأصحاب الإرث يضمنون أن لا شيء يعكر جماله، والنقد وحده يبقى خارج هذه الدائرة المريحة يطرق الباب. “مايكل”، فيلم يقدم حجة قوية لصالح مايكل جاكسون الظاهرة الفنية، وهو في هذه الحدود منجز حقيقي. جعفر جاكسون في مشاهد الأداء الموسيقي يبلغ لحظات يصعب وصفها إلا بأنها تجاوزت المحاكاة إلى شيء أقرب إلى الاستحضار، وفوكوا كمخرج يمتلك من القدرة على تنظيم الإيهام البصري، مما يجعل هذه اللحظات ساحرة فعلاً. لكن حين ينتهي الفيلم ويعود المشاهد لنفسه، يجد أنه لم يقابل إنساناً حقيقياً، بل جلس أمام تمثال مصقول بعناية فائقة. المأزق الأعمق الذي يطرحه “مايكل”، مأزق ثقافي بالدرجة الأولى: كيف يتعامل العقل الجمعي مع إرث فنان بحجم جاكسون حين تتشابك موهبته مع اتهامات ذات صدقية ووثائق، ولم يحسم السجال حولها قانونياً وأخلاقياً على نحو يريح أحداً؟ يختار الفيلم أكثر الإجابات أماناً: لا يقول شيئاً، لكن الصمت في سياق بهذا الثقل ليس حياداً، هو موقف. وهو في هذه الحالة موقف يخدم مصالح القائمين على الإرث أولاً، والجمهور الذي يريد أن يقال له إن أيقونته كانت بريئة ثانياً، ولا يخدم الحقيقة التي تظل، كما دائماً، أكثر تعقيداً مما تستطيع أية شاشة أن تحتويها. ما يبقى بعد “مايكل” ليس صورة إنسان، بل صورة استثمار. والفرق بين الاثنتين بالضبط ما تعجز عنه السينما، حين تنزل عن عرش الفن لتجلس على كرسي المحامي. المزيد عن: مايكل جاكسون فيلم سيرة ذاتية ملك البوب غناء 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post بين الحصار والضربة: سيناريوهات التصعيد الأميركي ضد إيران You may also like محمود الزيباوي يكتب عن:نصب ملكي لهشام بن عبد... 30 أبريل، 2026 نص مغربي نادر من القرن الـ19 30 أبريل، 2026 مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟ 30 أبريل، 2026 مرصد الأفلام… جولة على أحدث عروض السينما العربية... 30 أبريل، 2026 البطل يتذكر ويسرد مطموراً تحت أنقاض المرفأ 30 أبريل، 2026 “القصر الكبير” يستعيد السنوات الأخيرة من مسار ماتيس 30 أبريل، 2026 لاسلو نمش يسترجع صفحة حالكة من ماضي المجر 29 أبريل، 2026 سيمفونية “جوبيتر”… ذروة الإبداع الموزارتي 29 أبريل، 2026 الحياة الانسانية ليست سلعة في سوق المقاولات الربحية 29 أبريل، 2026 ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث... 28 أبريل، 2026