الجمعة, مارس 13, 2026
الجمعة, مارس 13, 2026
Home » روبرت أ. بايب يكتب عن: هل يصب التصعيد في مصلحة إيران؟

روبرت أ. بايب يكتب عن: هل يصب التصعيد في مصلحة إيران؟

by admin

 

ربما تورطت الولايات المتحدة وإسرائيل في ما يفوق قدرتهما على الاحتمال

اندبندنت عربية / روبرت أ. بايب

روبرت أ. بايب هو أستاذ العلوم السياسية ومدير مشروع الأمن والتهديدات بجامعة شيكاغو ومؤلف كتاب “القصف لتحقيق النصر: القوة الجوية والإكراه في الحرب”.

أظهرت الساعات الأولى من عملية “ملحمة الغضب“، وهي الهجوم العسكري المشترك الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، مدى القدرات الاستثنائية التي بلغتها الحروب الدقيقة الحديثة. فأسفرت الضربات الأميركية والإسرائيلية عن مقتل المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي، مع قادة كبار في الحرس الثوري الإسلامي ومسؤولين استخباراتيين بارزين، في ما وصفته واشنطن والقدس بأنه ضربة حاسمة تستهدف شلّ بنية القيادة في طهران وزعزعة استقرار النظام.

لكن خلال ساعات فقط، تبدد الأمل في أن تؤدي هذه الضربات الدقيقة التي استهدفت تصفية القيادة إلى احتواء الحرب أو الحد من نطاقها. فردّت إيران بإطلاق مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، ليس نحو إسرائيل وحسب، بل عبر منطقة الخليج أيضاً.

وسرعان ما انعكست هذه التطورات على الأسواق العالمية، إذ قفزت أسعار العقود الآجلة للنفط مع شروع المتداولين في تسعير احتمال حدوث اضطراب طويل الأمد في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

لا يمكن اعتبار الضربات الإيرانية مجرد أعمال انتقامية متفرقة أو ردود فعل يائسة من نظام يحتضر، بل هي تمثل استراتيجية تصعيد أفقي تهدف إلى تغيير رهانات الصراع من خلال توسيع نطاقه وإطالة أمده. وتتيح هذه الاستراتيجية للطرف الأضعف تعديل حسابات خصم أقوى. ونجح هذا الأسلوب في الماضي، على حساب الولايات المتحدة. ففي فيتنام وصربيا، واجه خصوم واشنطن التفوق الساحق للقوة الجوية الأميركية بتصعيد أفقي، مما أدى في الحالة الأولى إلى هزيمة أميركية، وفي الحالة الثانية إلى إحباط أهداف الحرب الأميركية وإطلاق أسوأ موجة من التطهير العرقي في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وتخلق ضربات تصفية القيادة، على وجه الخصوص، حوافز قوية للتصعيد الأفقي: فعندما ينجو نظام ما من خسارة قائده، يتعين عليه أن يثبت بسرعة قدرته على الصمود من خلال توسيع نطاق الصراع. وعلى رغم أن الولايات المتحدة وجّهت ضربات موجعة للغاية لإيران، فإنه يتعين عليها أن تحسب حساب تداعيات الرد الإيراني. وإلا فقد تجد نفسها تفقد السيطرة على الحرب التي بدأتها.

آفاق بعيدة

يحدث التصعيد الأفقي عندما تقوم دولة بتوسيع النطاق الجغرافي والسياسي للصراع بدلاً من تكثيفه عمودياً داخل ساحة قتال واحدة. وهو خيار استراتيجي جذاب بصورة خاصة للأطراف الأضعف في صراع عسكري. فبدلاً من محاولة هزيمة خصم أقوى في مواجهة مباشرة، يعمد الطرف الأضعف إلى مضاعفة ساحات الأخطار، جاذباً دولاً إضافية وقطاعات اقتصادية وجماهير داخلية إلى دائرة الصراع. فلا تستطيع إيران هزيمة الولايات المتحدة أو إسرائيل في مواجهة عسكرية تقليدية. ولا تحتاج إلى ذلك. فهدفها هو اكتساب نفوذ سياسي أكبر.

تتبع استراتيجية التصعيد الأفقي مساراً واضح المعالم. أولى خطواته كانت إظهار إيران قدرتها على الصمود. فقد سعت الضربات الأميركية التي استهدفت تصفية القيادة إلى شلّ الجيش الإيراني، غير أن رد طهران الواسع الذي جاء خلال ساعات من مقتل المرشد الأعلى وعدد من كبار القادة، بعث رسالة واضحة مفادها بأن بنية القيادة لا تزال قائمة وأن القدرات العملياتية لم تنهَر.

ثانياً، وسّعت إيران الصراع إلى ما هو أبعد بكثير من أراضيها، محققة ما يسميه الباحثون “مضاعفة الانكشاف”. فبدلاً من حصر الرد الإيراني في إسرائيل وحدها، شنت إيران ضربات أو استهدفت مواقع في تسع دول أخرى في الأقل.

إن ضربات تصفية القيادة تخلق حوافز قوية للتصعيد الأفقي

ثالثاً، حوّلت إيران الصراع إلى قضية سياسية عبر ضرباتها. فأسفر ردها عن إغلاق مطارات، واحتراق ممتلكات تجارية، ومقتل عمال أجانب، وتعطل أسواق الطاقة والتأمين. واضطر قادة دول الخليج إلى طمأنة المستثمرين الأجانب والسياح. وهكذا انتقلت الحرب من ساحات القتال إلى مجالس إدارات الشركات وقاعات البرلمانات. وفي الولايات المتحدة أثار اتساع نطاق الحرب قلق أعضاء في الكونغرس. ومع اتساع رقعة الحرب وتداخل آثارها الاقتصادية والسياسية، دخلت أطراف عدة إلى الصراع، لكل منها مصالح مختلفة ومن دون تنسيق فعلي بينها، مما يجعلها جميعاً قادرة على دفع مسار التصعيد في اتجاهات قد تتجاوز سيطرة واشنطن.

أما البعد الأخير لاستراتيجية إيران، فهو عامل الوقت. فكلما طال شعور دول متعددة بالضغط، زاد احتمال أن تؤدي السياسات داخل الدول الإقليمية وفي ما بينها إلى تصعيد الصراع. وفي غياب نسخة مشابهة لحلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط، أو وجود جنرال أميركي واحد يدير العمليات العسكرية فعلياً لمصلحة جميع الدول التي تستهدفها إيران، يزداد خطر حدوث تشابك في الحسابات وسوء في التنسيق. فقد طرح مسؤولون أميركيون، على سبيل المثال، فكرة تأجيج تمرد عرقي داخل المناطق الكردية في إيران للمساعدة في استهداف الحرس الثوري. لكن هذا قد يثير ردود فعل من العراق وسوريا وتركيا، وهي دول لن ترحب بتمرد كردي قوي في المنطقة.

وعززت وزارة الخارجية الإيرانية هذا المنطق علناً، إذ وصفت وابل الصواريخ بأنه رد مشروع ضد جميع “القوى المعادية” في المنطقة. وهذا التعبير وسع نطاق المسؤولية عن الهجوم على إيران ليشمل ما هو أبعد من إسرائيل والولايات المتحدة، ويطاول المنظومة الإقليمية الأوسع المتحالفة مع واشنطن في الخليج. وعلى رغم اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للدول المجاورة في الخليج من الهجمات، فإن تنصيب مرشد أعلى جديد موالٍ للحرس الثوري يشير إلى أن هذه الخطوات تكتيكية وليست دليلاً على نية طهران التخلي عن استراتيجية التصعيد الأفقي. وفي جوهر الأمر، فإن التصعيد الأفقي الذي تنتهجه إيران هو استراتيجية سياسية. فهو يخاطب مباشرة الجمهور الذي تسعى إيران إلى إقناعه: الشعوب المسلمة في أنحاء المنطقة التي قد لا تكون منسجمة أيديولوجياً مع إيران، لكنها في الغالب تكن مشاعر سلبية تجاه إسرائيل.

مفاجأة مدوية

بالتأكيد، ليست عملية “ملحمة الغضب” المرة الأولى التي تتصرف فيها الولايات المتحدة انطلاقاً من افتراضها بأن التفوق الساحق في القوة الجوية يمكن أن يفرض على الخصم انهياراً سياسياً سريعاً. وكشفت حرب الولايات المتحدة في فيتنام عن حدود هذا الافتراض.

بحلول عام 1967، كانت الولايات المتحدة ألقت على فيتنام الشمالية كمية من القنابل تعادل ثلاثة أضعاف ما استخدمته خلال الحرب العالمية الثانية. وكانت عملية “الرعد المتدحرج” التي أطلقت عام 1965 صممت لكسر إرادة هانوي وتدمير قدرتها على خوض الحرب. وكانت واشنطن تتمتع بتفوق جوي ساحق وبسيطرة واضحة على وتيرة التصعيد، مما جعل فيتنام الشمالية عاجزة عن مجاراة الولايات المتحدة ضربة بضربة مع اتساع نطاق الحرب. وبحلول خريف عام 1967 كانت القوة الجوية الأميركية دمرت إلى حد كبير مراكز الاتصالات والبنية العسكرية والصناعية التي كان يعتقد بأن القوة العسكرية لفيتنام الشمالية تعتمد عليها.

لكن بعد بضعة أشهر فقط، في يناير (كانون الثاني) عام 1968، شنت قوات فيتنام الشمالية والفيتكونغ هجمات منسقة على أكثر من 100 مدينة وبلدة في جميع أنحاء فيتنام الجنوبية. واقتحمت مجمع السفارة الأميركية في سايغون، وخاضت معارك استمرت لأسابيع في مدينة هوي. وضربت عواصم الأقاليم في وقت واحد. وعلى رغم أن هذا الهجوم كان مكلفاً للقوات الشيوعية، فإنه حطم التصور القائل إن النصر الأميركي والفيتنامي الجنوبي بات وشيكاً.

بعد ذلك بوقت قصير أعلن الرئيس الأميركي ليندون جونسون أنه لن يترشح لإعادة انتخابه. وبدأت ثقة الرأي العام بإدارة الحرب تتآكل. وتغيّر المسار السياسي للحرب، حتى مع بقاء القوة النارية الأميركية مهيمنة.

ولم يكُن الدرس المستفاد أن القصف فشل من الناحية التكتيكية، بل إن هانوي صعدت أفقياً، فوسعت نطاق الصراع إلى ما هو أبعد من ساحات القتال الريفية لتدخله إلى مدن فيتنام الجنوبية ومراكزها السياسية الحساسة، محولة المواجهة العسكرية إلى اضطراب سياسي على مستوى البلاد، ومعيدة تشكيل الحسابات السياسية داخل واشنطن. ففي فيتنام، لم تخسر الولايات المتحدة أية معركة، ولكنها مع ذلك خسرت الحرب.

حين تخطئ الضربات الدقيقة أهدافها

بعد ثلاثة عقود، اعتمد حلف شمال الأطلسي على نظرية مختلفة للقوة الجوية في صراع كوسوفو. فعملية “القوة المشتركة للحلفاء” عام 1999 التي كان مخططاً لها في الأصل كحملة جوية لمدة ثلاثة أيام لضرب 51 هدفاً في العاصمة الصربية بلغراد ومحيطها، ركزت على الضربات الدقيقة ضد الأصول العسكرية الصربية وأهداف القيادة. وتوقع القادة الغربيون حملة سريعة وناجحة، إذ كان يفترض أن يضعف النظام، إن لم يسقط، حتى إن القنابل سقطت على مقر إقامة الرئيس الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش.

لكن بدلاً من ذلك، أمرت بلغراد 30 ألف جندي صربي بالاندفاع إلى كوسوفو، مما أجبر أكثر من مليون مدني من ألبان كوسوفو، أي نحو نصف سكان الإقليم، على مغادرة الإقليم. ووضع هذا النزوح الحكومات الأوروبية تحت ضغط شديد واختبر تماسك “الناتو”. ولم تكن الولايات المتحدة والحلف يمتلكان ما يكفي من القوة الجوية التكتيكية، ناهيك عن القوات البرية، لوقف حملة التطهير العرقي واسعة النطاق. وعلى مدى أسابيع، بينما كانت القوات الصربية تدفع المدنيين إلى الخروج من كوسوفو، ناقش “الناتو” خيارات التصعيد. وفي النهاية حشد قوة برية قوامها نحو 40 ألف جندي لشن هجوم كبير لاستعادة كوسوفو. وعند هذه المرحلة فقط، وبعد 78 يوماً من الأزمة المتواصلة، والضغط الدبلوماسي من روسيا (حليف صربيا القديم)، والتهديد بغزو من “الناتو”، تنازل ميلوشيفيتش.

انتهت أزمة كوسوفو بنتيجة ناجحة بالنسبة إلى “الناتو”، ولكن ليس بسرعة، وليس من خلال استخدام الضربات الدقيقة وحدها. فقد كان الصمود السياسي وإدارة التحالف عاملين حاسمين. وفي الحالتين، أي في القصف المكثف في فيتنام وفي الضربات الدقيقة ضد صربيا، أحدثت القوة الجوية صدمة واضطراباً، لكنها لم تحدد النتائج السياسية تلقائياً. فوسّع الخصوم نطاق الصراع أو أطالوا مدته من خلال تبني التصعيد الأفقي. ويبدو أن إيران الآن تطبق هذا الدرس في منطقة الخليج.

وسائل طهران وأهدافها

يحمل الرد الإيراني أهدافاً سياسية واضحة. فطهران تعمل على ترسيخ سردية تقدم فيها أفعالها باعتبارها مقاومة لحملة أميركية-إسرائيلية تسعى إلى فرض الهيمنة الإقليمية. ومن خلال هذا الخطاب تحاول دق إسفين بين قادة دول الخليج وشعوبهم، وهو شرخ مرشح للاتساع كلما طال أمد الصراع.

وتستفيد إيران أيضاً من نقاط الاختناق الاقتصادية، إذ يمر ما يقارب خُمس شحنات النفط العالمية عبر مضيق هرمز. وتشير بيانات الشحن الأولية إلى أن حركة الملاحة عبر المضيق انخفضت نحو 75 في المئة منذ بدء الحرب. وحتى أي شكل جزئي من التعطيل المستدام، من خلال ضربات صاروخية أو حوادث بحرية أو ارتفاع كلف التأمين، يمكن أن يحدث تداعيات عالمية فورية، مما يؤجج المخاوف في شأن التضخم ويزيد الضغوط السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وأوروبا. ولا يتطلب أي من هذه الأهداف انتصارات في ساحة المعركة، بل يتطلب ببساطة قدرة إيران على الصمود.

كلفة الوقت

لا يقتصر التصعيد الأفقي على ضرب نطاق أوسع من الأهداف وحسب. فآثاره الأعمق تتمثل في تغيير كيفية إدراك الخصم للأخطار. فخلال حرب قصيرة، تقاس الأخطار بعدد الطلعات الجوية ومعدلات الاعتراض. أما في صراع طويل الأمد، فإن الأخطار تمتد إلى المجال السياسي. فالحرب المطوّلة تفرض خيارات صعبة.

كما أن حرباً طويلة ستعيد تشكيل السياسة الأميركية، إذ يمكن للضربات المفاجئة الدقيقة التي تستهدف قادة الخصم أن تحشد الدعم خلف الرئيس الأميركي، ولو موقتاً، مع أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن معظم الأميركيين يعترضون بالفعل على الحرب على رغم مرور ما يقارب أسبوعين فقط على بدايتها. وإن حرباً إقليمية طويلة ومرهقة، تتسم بارتفاع أسعار الطاقة ووقوع خسائر بشرية أميركية وأهداف غير واضحة، ستثير قلقاً في الداخل. وقد أبدت شريحة كبيرة من الائتلاف السياسي للرئيس دونالد ترمب حذراً من التورط في الشرق الأوسط، واتهمت قادة الولايات المتحدة بالتصرف وفق ما تمليه إسرائيل. وكلما طال أمد العمليات العسكرية الأميركية، ازداد احتمال اتساع الانقسامات داخل قاعدة ترمب نفسها.

ومن الممكن أن تتبع ذلك توترات عبر الأطلسي. فالحكومات الأوروبية معرضة بشدة لتقلبات الطاقة وضغوط الهجرة. وإذا ما صعدت واشنطن في وقت تسعى العواصم الأوروبية إلى كبح الصراع، قد يتباعد الطرفان، إذ يحاول الأوروبيون إبقاء أنفسهم على مسافة من الحرب. وكما أظهرت تجربة كوسوفو، فإن وحدة التحالف تتطلب إدارة سياسية مستمرة. وستجد الولايات المتحدة صعوبات هائلة في مواصلة حملة قصف طويلة إذا قررت الدول الأوروبية تقييد استخدام أراضيها للعمليات اللوجستية ورحلات تزويد الطائرات بالوقود جواً. وتشعر المملكة المتحدة بالفعل بعدم الارتياح إزاء السياسة القائمة منذ زمن التي تسمح للطائرات العسكرية الأميركية بتنفيذ عمليات انطلاقاً من الإقليم البريطاني، دييغو غارسيا. وفي مقابل الدعم الأوروبي لحملتها ضد إيران، قد تضطر واشنطن إلى الالتزام بدرجة أكبر بالأهداف العسكرية الأوروبية في أوكرانيا، مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر إثارة غضب قاعدة حركة “ماغا” المؤيدة لترمب.

وأخيراً، فإن إطالة أمد الحرب يضاعف التهديدات اللامتماثلة. فمن المرجح أن يشهد صراع ممتد في الخليج تورط جهات فاعلة غير حكومية، خصوصاً إذا شاركت القوات البرية الأميركية لو بصورة محدودة. ومن المحتمل أن تعمد جماعات مسلحة جديدة أو قائمة بالفعل، ساعية إلى استغلال الغضب الإقليمي، إلى استهداف القادة الذين يظهرون انحيازاً واضحاً إلى العمليات الأميركية. وما بدأ بتبادل صاروخي بين دول قد يتطور إلى مشهد أوسع من العنف والاضطراب.

مفترق الطرق الاستراتيجي

إذا كانت استراتيجية إيران تقوم على توسيع نطاق الصراع وتسييسه، فإن الولايات المتحدة تواجه خياراً حاسماً. ويتمثل أحد المسارين في مضاعفة الجهد العسكري: إذ يمكن للولايات المتحدة أن تكثف حملتها الجوية من خلال إدخال قدرات جوية إضافية إلى المعركة لقمع قدرات الإطلاق الإيرانية، وتهيئة الظروف لفرض سيطرة جوية ممتدة ومراقبة واسعة على الأرض. وكما حدث عند فرض مناطق حظر الطيران على العراق خلال تسعينيات القرن الـ20، فإن مضاعفة الجهود لإعادة ترسيخ الهيمنة والسيطرة على التصعيد قد تعني فعلياً استراتيجية احتواء عسكري هجومي دائم وفرض سيطرة على المجال الجوي الإيراني، وهي استراتيجية قد تستمر لأعوام. وأدى اعتماد هذا النهج ذاته المتمثل في توسيع نطاق السيطرة الجوية والمراقبة، مع العراق في التسعينيات، إلى التمهيد للغزو البري الأميركي عام 2003. فالسيطرة الجوية الدائمة لا تفضي بالضرورة إلى السيطرة السياسية، ومن دون سيطرة سياسية أكبر ستظل إيران تشكل تهديداً محتملاً وجدياً للمصالح الأميركية، خصوصاً أن برنامجها النووي سيبقى قائماً بصورة أو بأخرى. وعلى هذا النحو، فإن سياسة تبدو للوهلة الأولى محدودة قد تجرّ الولايات المتحدة في الواقع إلى تورط عسكري أوسع.

أما البديل فهو إنهاء التدخل العسكري، إذ يمكن لواشنطن أن تعلن أن الأهداف قد “تحققت” وأن تخفض وجود قواتها الجوية والبحرية الضخمة التي حشدتها قرب إيران. وعلى المدى القصير، ستواجه إدارة ترمب انتقادات سياسية حادة بحجة أنها ربما لم تنجز المهمة بصورة تامة، غير أن هذه السياسة ستتيح للإدارة الانتقال إلى قضايا أخرى مثل تلبية الحاجات الاقتصادية في الداخل، والحد من التداعيات السياسية لقرارها بمهاجمة إيران.

وهكذا يقف ترمب أمام معضلة حقيقية: إما تحمّل كلفة سياسية محدودة الآن، أو مواجهة كلفة أطول أمداً وأكثر غموضاً لاحقاً. ولا يوجد مخرج سهل يضمن لواشنطن مكاسب سياسية صافية. فجميع الخيارات تنطوي على أخطار؛ فالضربة الأولى ربما حلت مشكلة تكتيكية، لكنها خلقت في المقابل مشكلة استراتيجية. لذلك قد يكون الخيار الأكثر حكمة هو قبول خسارة محدودة الآن بدلاً من المجازفة بخسائر أكبر مستقبلاً.

أظهرت الضربات التي استهدفت القيادة الإيرانية براعة تكتيكية، غير أن البراعة التكتيكية ليست استراتيجية. فالرد الإيراني، الواسع جغرافياً، والمعطل اقتصادياً، والمحسوب سياسياً، يهدف إلى إعادة تشكيل بنية الصراع. فمن خلال توسيع ساحة المواجهة وإطالة أمد الحرب، تسعى طهران إلى تحويل المواجهة من معركة قدرات عسكرية إلى معركة صمود سياسي.

وكما حدث في فيتنام، قد تفوز الولايات المتحدة في معظم المعارك. وكما حدث في صربيا، قد تنتصر في النهاية تحت ضغط متواصل. لكن العامل الحاسم في الحالتين لم يكُن الضربة الجوية الأولى، بل الحسابات السياسية لحرب آخذة في الاتساع.

ولم تبدأ المرحلة الحاسمة من هذه الحرب مع الضربة الأولى، بل مع الأزمة الإقليمية التي تلتها: تشغيل أنظمة الدفاع الجوي في عواصم عدة، وإغلاق المطارات، واضطراب الأسواق، وتعرض منظومة التحالفات للضغط. وما إذا كان هذا الصراع سيظل محدوداً أو سيتحول إلى انتكاسة استراتيجية طويلة الأمد للولايات المتحدة لن يتحدد بالصاروخ التالي، بل بمدى قدرة واشنطن على فهم الاستراتيجية التي تتكشف أمامها والرد عليها باستراتيجية لا تقل وضوحاً.

ترجمة عن “فورين أفيرز” 9 مارس (آذار)، 2026

المزيد عن: الحرب على إيران التصعيد الأفقي أسواق الطاقة مضيق هرمز القواعد العسكرية الأميركية مصير إيران فورين أفيرز ملحمة الغضب

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00