لوحة للرسام السوري عادل داؤد (صفحة الرسام - فيسبوك) ثقافة و فنون أناشيد بين المونولوغ والاختزال في “خريطة تحترق” by admin 29 January، 2026 written by admin 29 January، 2026 64 جعفر العلوني يبتدع فضاء شعريا لغويا حافلا بالصور والاستعارات الغرائبية اندبندنت عربية / سامر محمد إسماعيل ينهل جعفر العلوني من توليف لافت للصور والاستعارات والرموز، ويعتمد في ذلك بعداً تصويرياً يشتقه من قصيدة تدمج بين المونولوغ وتقنيات الاختزال والتكثيف. روافد لنص عمل عليها الشاعر، في كل مرة كان يتهجى نمطاً لقصيدته المتمردة. حفيف لغوي ينداح كحوار مع الذات، ثم لا يلبث أن يتحول لمساءلة جدلية مع الأبراج السماوية. محاولة تضع الشعري في إزاء الغرائبي، والأسطوري كبعد عبثي للكائن وتحولاته، فيما يتخذ الشاعر نبرة خافتة كأسلوب لصياغة الأبيات والمقاطع، تؤلف جميعها ما يشبه أربعة أناشيد. لا يقتفي الشاعر في “خريطة تحترق” ذاكرة ايقاعية معينة، إضافة إلى أنه لا يقتبس شكلاً فنياً محدداً، بل يتوجس من سؤال الشعر نفسه، فالشعر لديه “صديق الموت” أو قل صنوه: “آه أيها الشعر، لقد جاء عصري/ وأنا الآن أمشي برفقة الموت”. الصور والاستعارات والتراكيب التي يوظفها مترجم كتاب “تاريخ الأدب الإسباني في القرن الـ20” تقودنا إلى بنية من شفافيات النفس ولواعجها. أسئلة الذات في مواجهة ثنائية الوجود والعدم: “أصدقائي/ لا زمان يجمعنا، لا مكان يضمنا/ من الغريب/ من يجهل خطواتي/ رجل المسافات يعود الآن وفي فمه طعم الموت والحياة”. عبارات تصل إلى ذرى درامية، لكن الشاعر يحرص في كل مرة ألا يتمحور نصه حول الذات. يتبدى ذلك في قصيدة “توقعات الأبراج للإنسان العربي”، وهي نص يتضافر فيه التقابل والتضاد، جنباً إلى جنب مع الرؤيا والإيقاعات الداخلية. أوراق سرية الكتاب الجديد (دار الساقي) يأخذنا النشيد الثاني من “خريطة تحترق” إلى تصوير كواكب وأفلاك تتخذ أشكال “حيوانات تلتمع وتختفي”، ثم تسير وتدور وتسبح: “هذه أوراق سرية/ فيها ما كتبته الأبراج عن ذلك الكائن الذي يسمى الإنسان العربي/ لست أنا من قالها/ بل ناقل وترجمان”. من هنا يمتزج تعدد الأصوات مع نبرة يشوبها التطير من مصير إنسان هذه المنطقة، فيختط الشاعر بتراكيبه وإشاراته تفسيراً شعرياً لتمثلات مجرة درب التبانة. يقرأ جعفر إحداثيات القبة السماوية كفوهة لجحيم منتظر. يفسر النور المنبعث من النجوم الميتة كتنبؤات لما سيأتي من أهوال، ففي مقطع “برج الحمل” يقول: “خلقت كي تذبح أو تساق للذبح/ في خريطة تحترق أطرافها تقاد كبشاً إلى طقوس الشواء”. يمضي الشاعر بعدها إلى اللعب الحر مع قصائد من كلاسيكيات الشعر العربي. فتحضر أبيات للمتنبي في أكثر من موضع: “أيها القتل الذي يلبس قناع الموت”. جملة تأتي تعويضاً لبيت المتنبي الشهير: “إذا ما تأملت الزمان وصرفه/ تيقنت أن الموت نوع من القتل”، ثم في مقطوعة “برج الثور” نقرأ أيضاً: “هل يمكن أن يكون الثور قناعاً؟/حياتك نطح، ومع ذلك لا تنطح إلا الهواء/ السهام من كل صوب/ أسوى الروم خلف ظهرك روم”. ومثلما يلجأ الشاعر هنا إلى التناص مع أشعار أبي الطيب، يعود ويوظف قول المعري المشتق من كتابه “الفصول والغايات”، ففي مقطوعة “برج الجدي” نقرأ: “يذكرك الحظ بما قاله أسلافك/ صروف الأيام تريك الجدي على الثدي”. امرؤ القيس يتناغم أيضاً مع هذا التناص: “من المرايا والأبراج/ من ليل أرخى سدوله، وموج كمثل البحر”. الشاعر والمترجم جعفر العلوني (صفحة فيسبوك) تأخير وتقديم في صدر البيت وعجزه يقودان الشاعر إلى النهل أيضاً من فكرة أفلاطونية عن حنين الكائن إلى نقصانه، الكائن الذي يبحث عن نصفه الآخر في اكتمال هيئة “برج الجوزاء”: “واسع وله أجزاء، إنه متناقض، إنه توأم، ويقال في البدء كان العناق، وانفصل الإنسان عن الإنسان/ ضاع توأمك أيها الجوزاء أو قتل. لا فرق، من كان ومن سيكون”. هكذا لا ينفك صاحب “خريطة تحترق” عن التذكير أن “الشعر هو هرب من الأنا وليس تعبيراً عنها” كما يقول الشاعر الأميركي ت. س. إليوت (1888-1965)، ما يدفع المؤلف قدماً لتوظيف عناصر كالتورية والتضمين والتناص، إضافة إلى الاقتباس والسخرية من واقع الأشياء وتجانسها المريب، إذ يحيلنا النص في مقطوعة “برج السرطان” إلى ورم خبيث في كبد السماء: “في انقسام الخلية، في الورم الخبيث والحميد/ تتوغل وتنتشر/لا علاج لك إلا بالبتر/ كيف يحيا إنسان بلا رأس؟ ولماذا تتراكم في فمك الكلمات الساكنة في رؤوس أخرى؟”. أقنعة وأصوات كذلك نلاحظ استخدام تقنيتي الأقنعة وتعدد الأصوات مراراً لإنتاج نص موشوري مركب ومتعدد الدلالات، فتحضر في الكتاب أسطورة الخلق البابلية ورحلة عشتار إلى العالم السفلي لاستعادة حبيبها تموز من برزخ الأموات. كأن الكون هنا يستعيد أساطيره الأولى، منابع الخيال الأثيرة عن أنوثة لا تعيش إلا في أحضان عرشها السحري الغامض: “من منازل النجوم والكواكب/ نزلت عشتار الأرض متيمة بتموز، تبحث عنه في أعماقها/ ولما دخلت الأرض التي لا يعود منها من يدخلها/ لم يعد النبات يلقح النبات/ ذبل الشجر ولم تعد الحيوانات تشعر بالحرارة/ […] لا حرية بعد اليوم إلا في الاغتصاب”. وينزع صاحب كتاب “الأصوات المرتعشة” إلى نوع آخر من التناص في قصيدة “هكذا أروي حياتي لنفسي”. النشيد الثالث من كتاب “خريطة تحترق” يتكئ على التداعي الحر لأشعار يتشابك فيها الشخصي مع الكوني، ويتجلى من خلال سبكها اللغوي صدقها الفني لاستقراء الذات والعالم. إطار ملحمي لقصيدة تطل على مرايا النفس ومتاهاتها، ولعلها تذكرنا بأسلوبية كتاب “أغنية نفسي” للشاعر الأميركي وولت ويتمان (1819-1892): “كانت تسمي مسامات جسدي وتتنزه معها/ هكذا جعلتني أسقط في حب نفسي”. تورية لقصيدة دائرية في حركتها، تصاعدية في هذيان درامي يقترب في مواضع عديدة من مساءلة العالم وظواهره الخفية المبهمة. 44 مقطوعة في هذا النشيد تنجز مسافتها مع الأشياء والكلمات، وتوجز سيرتها عن الفقد والهجران ومطارح الترك والتخلي: “لا أكتب لك، لا أكتب للعالم/ لا أكتب لي/ أكتب كي أموت وأعيش/ أكتب كي أعثر على مخرج للطوارئ/ هكذا أروي حياتي لنفسي”. النشيد الرابع والأخير في هذه المجموعة الشعرية حمل عنوان: “تحولات آلية”، إذ يفتتح العلوني المقطوعة الأولى من هذا النشيد بعبارة التوحيد: “ألف لام هاء/ آلة أم إله؟”. اثنا عشر حرفاً تختصر شهادة “لا إله إلا الله”، وأتت هنا في سياق صراع الآلهة القديمة مع الآلة العمياء. الخروج من عصر العبادات إلى عصر الخضوع التام للتكنولوجيا الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي: “وجهي شاشة/ جسدي آلة/ ولا ذاكرة لي إلا في فضاء العشوائية الصلبة/ ها هي يدي تصير فأراً آلياً/ وها أصابعي لوح أبجدي معدني/ موج لا شطآن له إلا في قرارة الآلة”. عبثاً يتحصل الشاعر على النسخة الأصلية من نفسه في هذا العماء الرقمي، وعبثاً يبحث عن ضالته على سطح مكتب ذاكرته المزدحمة بالملفات والنبضات الإلكترونية، فالداخل “مدنس بنصوص وكتب وأنظمة برمجية”، والخارج “محروس بكاميرات تجسس تسهر على كل شيء”. هكذا يعيش المرء على هامش هذه النفايات التي أحالت المجتمع إلى صفحات ويب ومدونات شخصية، وإلى مواقع إنترنت وشبكات إلكترونية. العالم أمسى في نظر الشاعر “ارتباطاًت تشعبية ومحركات بحث ونظام ملفات لا مرئية تسكنها فيروسات تختبئ وراء تشريعات ودساتير وآيات غيبية: “أوه ما أبشع ما خلقت أيها الإنسان/ أين أمضي بنفسي؟”. المزيد عن: شاعر سوري ديوان أناشيد صور شعرية الغرائبية إسبانيا الترجمة المونولوغ 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post ساطع نور الدين يكتب عن: إسناد إيران..كتهديد أخير لشيعة لبنان next post شريط لاصق على هاتف نتنياهو يثير التساؤلات You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026