قاف وسين في لوحتين من الأكريلك ورقائق الذهب (خدمة المعرض) ثقافة و فنون مهى سلطان تكتب عن : سمير الصايغ في رحلة الحروف وجمالياتها المتعددة by admin 3 يونيو، 2025 written by admin 3 يونيو، 2025 153 تجربة حروفية هي قرينة أسلوب الفنان وصيرورته وعوالمه الداخلية اندبندنت عربية / مهى سلطان ضوء وألوان وبريق ذهب وفضة تشع كلها في لوحات الفنان والشاعر ابن الـ 80، سمير الصايغ، في معرضه الجديد المقام في غاليري صالح بركات – بيروت، متوجاً مسارات طويلة من التقصي والمزاولة والتمتع والتأمل والتجريب والاختزال والتبسيط والإشارة والإيحاء والتلميح التي ترسم العلاقة الوطيدة بين الحرف وحركة أنامل الصايغ حين تخطه بالقصب والريشة والحبر والألوان، وبكل ما ينطق بالهوى والشغف والافتتان. ثمة تطورات جذرية تمر بها التجربة الحروفية للصايغ في مداها الجمالي، وثمة دوماً ولادات جديدة مقرونة بالتأثيرات البصرية التي تبدو أساسية في لوحاته، إنها الحروف وزينتها التي ترتسم على صفحات العمر حتى غدت قرينة أسلوب الفنان وجزءاً من صيرورته، ومكوناً من مكونات علاقته بالفراغ والعوالم الداخلية والأصول الروحية في اكتشاف الوجود بوصفه امتداداً للعالم المادي. الفنان سمير الصايغ مع إحدى لوحاته (خدمة المعرض) التجريد يعادل الصورة الشعرية التي تنطوي عليها مادة الخيال، والتجريد في الوقت عينه هو موسيقى الحرف وآفاقه المتحررة والمنفتحة على الحركة الغرافيكية واحتمالاتها القصوى وتنوعاتها حتى تبلغ ذروتها في التلاعب الحر بالحرف شكلاً ومضموناً، مظهراً وحلة، إذ يتجلى التباين ما بين المد والدمج والإدغام والشدة والليونة والتلاشي والذوبان، وفي هذا المسار يتبدى الاتجاه الروحي كحال اندماج وتآخ وحرية فنية، مقروناً بشجاعة الغوص في أسرار المادة وتحولاتها. لغة الاختزال والتبسيط تحاكي لوحات الصايغ في تشكيلاتها الحروفية المتنوعة وألوانها الصافية تيارات التجريد في “مدرسة نيويورك”، وصولاً الى فن العلامة والكتابة الأوتوماتيكية وما هو أبعد في تأملات “الزن” Zen، وذلك في مفارقات مدهشة حيث تتلاقى الدروب ما بين الفكر الغربي الذي نراه متشحاً بعباءة شرقية مستمدة من جماليات فن الخط العربي، ولا سيما الكوفي المربع والنسخ والديواني، وهو فن تجريدي بالأساس، إذ يجمع في أنواعه ما بين الهندسة والفكر الرياضي ومبادئ الحركة وتقاطعاتها ومراياها ومزاياها البصرية، وهكذا نجد حروف الصايغ وكلماته متجسدة في لوحات، بمختلف القياسات وبينها لوحات جدارية، خرجت من نطاق التدوين الى حيز الرؤية وتأويلاتها من خلال التقنيات اللونية الباهرة في تناغماتها وتناقضاتها وزخارفها، ولا سيما حين يترصع الأسود بنقاط الذهب ويتزين الرمادي بالفضة. تجريد حروفي بأسلوب الحد القاسي (خدمة المعرض) في لوحات الصايغ كثيراً ما تتقاطع السطوح اللونية كي تبرز الحافات قاطعة في حدودها، غير أن ما يبدو لنا أنه تجريد “الحد القاسي” (Hard Edge) في التجريد الأميركي، قد لا يكون سوى مقطع من عبارة بالمربع الكوفي، وما يرتسم أمامنا من فن حركي (Action painting) قد يكون منبثقاً من انسياب حرف السين الذي خرج من سطور الشعر والقوافي ليتموج في الريح، وقد تكون الحروف مجرد صور افتراضية مقلوبة في مرآة، ويذهب التشكيل الى النسيج حين تسعى الريشة إلى غزل الخطوط الرأسية أو العرضية، فتبدو كشرائط سجادة أو مشربية تغطي تربيعات القاف من دون أن تحجبها، بأسلوب يحاكي خداع الفن البصري (Optical Art). وسمير الصايغ كرحالة بين ثقافات الشرق والغرب عايش زهوة الحروفية لدى فناني الحداثة العرب الكبار، وواكبها كفنان وناقد فني، وجال وكتب في مؤلفاته العديدة عن القيمة الجمالية للخط العربي ومقاماتها في الفنون الإسلامية، وقد استطاع عبر تجاربه الممتدة على مدى عقود أن يتخطى التقاليد الأصولية للموروث النصي والمفاهيم الحداثية السائدة في ذلك الوقت نحو أسلوبه الخاص المتحرر، في دمج فلسفة التجريد الاسلامي مع مذاهب التجريد الكبرى التي ظهرت في مرحلة ما بعد الحداثة في الغرب، ولا سيما مبدأ الاختزال والتبسيط الهندسي الكامن في المينيمال آرت (Minimal art)، وهذا الاختزال الذي ميز نتاج الصايغ في غالبية تراكيبه ولوحاته وإنشاءاته بصفاتها المعمارية يعادل مفهوم البلاغة، على اعتبار أن محاولة إظهار البنية الهندسية والبنية اللغوية الصوفية هي محاولة تأويلية ينعكس فيها الحضور بالغياب، فقد اشتغل الصايغ كثيراً على “الأقلي” في اللغة الوصفية التي تعتمد على السالب والموجب وجمع المتقابلات: القبض والبسط والجمع والتفريق كذلك الانتقال من النقطة الى الخط ومن مقام إلى مقام في التعبير عن الساكن والمتحرك. سين وأسرار الدائرة والمربع (خدمة المعرض) من هذا الامتداد يجيء المعرض الحالي حاملاً بين جنباته مجموعة واسعة من أعماله التي تعود لما يزيد على عقد من الزمن، ليؤكد مرة أخرى البعد الاختباري العميق في مشروعه الفني، المشروع الذي كرسه كواحد من المجددين في إعادة بعث الجماليات الكامنة في الحرف، مستنداً إلى ما يمتلكه من طواعية وتحول دائم وقدرة فريدة على التجدد والتألق والديمومة في مواجهة الزمن وتحولاته. ولئن كانت اللغة عموماً كإسقاط فني وإنساني خروجاً عن الذات في توجهها نحو الآخر، كما يقول الفيلسوف الوجودي موريس مرلو بونتي، فإنها أداة لتحقيق المستخفي من الوجود عبر التدوين، إذ إن أسلوب الخط هو إنسانية الخطاط نفسه، والصايغ له أسلوبه الخاص ومحاكاته التي تستنبط منطقها من كيفية تحقيق الفنان إنسانيته من طريق الفكر ومن طريق الفن المقرون بالشعر والحب كصلة روحانية بين الأرضي والسماوي، وبين الفراغ المطلق وهندسة الحرف ونقاوة التأمل وسكون الأحوال والارتجال والنظام. في حدائق الحروف خطوط رأسية وأفقية متقاطعة في فضاء خوارزمي (خدمة المعرض) رحلة سمير الصايغ هي الطريق نحو الكلمة حين تكون في فضاء الغيب، وهي أيضاً رحلة انتقال الحرف إلى الزيح بجماله البسيط وسماته البصرية الدالة على المعنى اللغوي في خفائه المستتر، والصايغ ضليع بأسرار الحروف وأبعادها الصوفية كمنبع للخيال، وله طريقته في بناء اللوحة كعمل فني متصل بالشكل واللون والتأليف والايقاع، وفي حدائق الحروف التي يتنزه فيها الصايغ يتفرد حرف الألف برمزيته الوحدانية، فهو “أصل الحروف” بتعبير ابن عربي، ويأتي مفرداً مستقيماً بلا انحناء ويبتدئ به اسم الجلالة، والشكل العمودي لحرف الألف يفسر في الفكر الصوفي كرمز للعلو والسمو والاستقامة، في إشارة إلى الطريق المستقيم نحو الله، والألف تعد وحدة قياس أساس في الخط العربي التي بنى عليها ابن مقلة مسألة التناسب في البناء الجمالي للحروف. والرحلة في المعرض تبدأ بالأزرق الذي لوّن به الصايغ قارباً من “الألف” الراسية على بحر الوجود في منظر يمتد فيه الأفق نحو السماء، ورأى قوام “الألف” ممتشقاً كشجرة، ومرة رآه عموداً موثوقاً إلى جسد القديس سمعان العمودي في استعارة شعرية لاهوتية، و”الألف” بين المربع هي حجاب من طلاسم تخطها زيوح اللون، ويرتسم اسم الجلالة في لوحات ثلاثية مطلية بالأبيض يكتنفها الذهبي، مكونة من خطوط مستقيمة متوازية وغير متساوية في استبعاد للأقواس والمنحنيات، تقرؤها العين على أنها نبضات القلب وخفقان الروح. يتفنن الصايغ بالنقطة ويحتفل بها بشكلها الدائري والنجمي والتربيعي، ثم نراه ينقلب على انضباطه الهندسي القاسي ليتحرر من القيود، فيبدو الانفعال ظاهراً في حركة الريشة وهي تمرح اللون بطريقة الطرد والتمويه الشبيهة بحركة العاصفة ودورانها، وفي سلسلة “هو وهي” رسائل حب يكتبها الصايغ في عبارات الود والجوى والوجد، وهذه العبارات التي يجسدها على هيئة صروح عالية يتقاطع فيها الفارغ والملآن، فتبدو الخطوط مثل حزوز ومضائق وزيوح لامعة، وهي الأشكال المثلى في تبسيطها الأقلي. وهكذا تتحول الحروف الى شبكة زيوح، رأسية أو متقاطعة كمتاهة، داخل لوحات عبارة عن مربعات صغيرة مثل ألواح الأجهزة الالكترونية والديجيتال ذات البنى الخوارزمية بأبعادها الرياضية، فالحروف في لوحات الصايغ هي أكثر من مجرد عناصر تشكيلية، إنها جوهر التجربة ومرآة تأمل في الوجود، وجسر يصل بين البصر والبصيرة، والروح والمادة، والماضي كإرث جمالي والحاضر كمختبر بصري. المزيد عن: الحروفيةالفن التشكيليالخطالتحديثالجمالياتالحرف العربيالتجريدالتأملالصوفيةالإشاراة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post مارغريت ووكر: مرافعة أدبية ضد العبودية next post غريتا غاربو “تنطق” للمرة الأولى في فيلم يوجين أونيل You may also like “نظام المال” رواية الصدمة الغربية ازاء العولمة الاقتصادية 12 مارس، 2026 معجم أدباء اليمن يسمو فوق صراعات السياسة 12 مارس، 2026 فاروق يوسف العائد يقف على أطلال البلاد الأم 12 مارس، 2026 أميركي يكتب التاريخ “الحقيقي” للاشتراكية: الأبطال بشر أيضا! 11 مارس، 2026 عبده وازن يكتب عن: عندما يمثل العربي “الآخر”... 11 مارس، 2026 لطفية الدليمي الكاتبة الطليعية في السرد والنقد والترجمة 11 مارس، 2026 جنون العنف في رواية بارغيس “البرتقال الآلي” وفيلم... 11 مارس، 2026 دراما “القافر”… إنسانية الفقد والهوية في قرية عمانية 11 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: ذبح الطرائد في لوحتين... 11 مارس، 2026 شوقي بزيع يكتب عن: أي دور للكتّاب والمبدعين... 11 مارس، 2026