سكان يعودون لمدينة غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي، فبراير 2025 (رويترز) بأقلامهم سكوت أتران – أنخيل غوميز: ما تطلعات أهل غزة by admin 28 فبراير، 2025 written by admin 28 فبراير، 2025 15 حرب وحشية أضعفت شعبية “حماس” لكنها جعلت السلام مع إسرائيل أكثر صعوبة اندبندنت عربية / سكوت أتران – أنخيل غوميز سكوت أتران هو الشريك المؤسس لـ”آرتيس إنترناشيونال” وزميل باحث مميز في مركز “الطابع المتغير للحرب” بجامعة أكسفورد. أنخيل غوميز هو زميل بارز في “آرتيس إنترناشيونال” وأستاذ علم النفس في الجامعة الوطنية للتعليم عن بعد في مدريد. في الأسابيع التي تلت وقف إطلاق النار الهش الذي توصلت إليه إسرائيل و”حماس” في الـ19 من يناير (كانون الثاني) واتفاق تبادل الأسرى، برزت إلى الواجهة مسألة مستقبل غزة وسكانها البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة، إذ أدت الحرب إلى تحويل جزء كبير من غزة إلى خراب، فدمرت مدارسها ومستشفياتها وبنيتها التحتية المدنية وبيئتها إلى حد كبير، وأصبح عدد هائل من سكانها بلا مأوى مناسب. كما أن التهديد المستمر بانهيار وقف إطلاق النار أجج الهلع اليومي من وقوع مزيد من الدمار. وعلى رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب طرح أفكاراً خيالية حول “استيلاء” الولايات المتحدة في نهاية المطاف على غزة وترحيل سكانها بصورة دائمة، فإن القوى الخارجية لم تحرز تقدماً كبيراً في وضع استراتيجية للحكم والأمن في القطاع حالياً. ومن الغريب أن أهل غزة أنفسهم غائبون عن هذا النقاش، مع أنه من المنطقي افتراض أن أكثر من 15 شهراً من الصراع المدمر غيرت تصورات المدنيين العاديين في القطاع حول مستقبلهم، ورؤيتهم لأرضهم، ومن ينبغي أن يحكمهم، وما يعتبرونه المسارات الأكثر معقولية وترجيحاً لتحقيق السلام. وبالنظر إلى الثمن الباهظ الذي دفعوه نتيجة أفعال “حماس” في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، قد يتوقع أن يرفض أهل غزة أن تقودهم الحركة، مفضلين قيادة بديلة. وعلى نحو مماثل، قد يتوقع المراقبون الخارجيون أنه بعد كل هذه المعاناة، سيكون سكان غزة أكثر استعداداً لتقديم تنازلات في شأن تطلعاتهم السياسية الكبرى في مقابل تلبية احتياجاتهم الإنسانية الأكثر إلحاحاً. لكن في الواقع، أظهر استطلاع أجريناه في غزة في أوائل يناير (كانون الثاني)، قبل فترة وجيزة من سريان وقف إطلاق النار، صورة أكثر تعقيداً. وأعدت مؤسسة “آرتيس إنترناشيونال” البحثية Artis International ومركز “الطابع المتغير للحرب” بجامعة أكسفورد Oxford University’s Changing Character of War Centre هذا الاستطلاع، ثم نفذه “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية Palestinian Center for Policy and Survey Research (PSR). ومن خلال استخدام بيانات إحصائية وجمع معلومات من عينة من الأشخاص في الملاجئ بناء على مواقع منازلهم الأصلية من أجل ضمان التنوع الجغرافي، شمل الاستطلاع 500 مقابلة أجريت وجهاً لوجه مع أهل غزة، من بينهم 248 امرأة و252 رجلاً، تتراوح أعمارهم بين 18 و83 سنة، وكان هامش الخطأ أربع نقاط مئوية. لقد وجد الاستطلاع أنه على رغم تراجع شعبية “حماس” بصورة حادة منذ الأشهر الأولى للحرب، فإن البدائل الحالية للحركة تحظى بدعم أقل، مما يفتح المجال أمام “حماس” لاستعادة نفوذها في غزة مجدداً. إضافة إلى ذلك، عززت الحرب التزام أهل غزة بالأهداف السياسية المتطرفة بدلاً من أن تضعفه، في حين أدت إلى تراجع التأييد لحل الدولتين. وربما كان الأمر الأكثر لفتاً للنظر هو أن الاستطلاع أظهر أن أهل غزة لا يزالون يحتفظون بقيم أساسية قوية مرتبطة بهويتهم الفلسطينية والدينية وتعلقهم بأرضهم، وهي قيم يعتزمون التمسك بها حتى لو تطلب ذلك تضحيات شخصية كبيرة. وبينما تواجه الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون والدوليون واقع غزة ما بعد الحرب، فإن نتائج الاستطلاع قد تتحدى الافتراض القائل إن أي تحرك نحو السلام مع إسرائيل يمكن أن يتحقق من دون تلبية بعض هذه القيم الأساسية، أو في الأقل الاعتراف بها رمزياً. ثغرات الحوكمة في أحد الأسئلة الرئيسة في الاستطلاع، طلب من المشاركين اختيار الحل الذي يرونه مقبولاً وواقعياً من بين الحلول المحتملة للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. قبل اندلاع الحرب في غزة، أظهرت البحوث أن غالبية واضحة من الفلسطينيين في غزة كانت تؤيد حل الدولتين، بينما فضل 20 في المئة فحسب الحل العسكري الذي قد يؤدي إلى تدمير دولة إسرائيل. وفي استطلاع يناير، انخفضت نسبة المؤيدين لحل الدولتين إلى أقل من النصف، فبلغت 48 في المئة، بينما فضلت نسبة مماثلة تقريباً، تبلغ 47 في المئة، حلاً قائماً على زوال دولة إسرائيل. أما الخيار الثالث، وهو إقامة دولة ديمقراطية ثنائية القومية يتمتع فيها العرب واليهود بحقوق متساوية، فاعتبره خمسة في المئة فقط مقبولاً وواقعياً. علاوة على ذلك، على رغم أن 48 في المئة رأوا أن التقسيم حل مقبول وواقعي، فإن 20 في المئة فقط أيدوا حل الدولتين وفقاً لقرارات الأمم المتحدة على أساس حدود عام 1967. أما بقية المؤيدين لحل التقسيم ففضلوا حلول الدولتين التي تشمل “حق العودة” لذرية اللاجئين الفلسطينيين إلى منازلهم داخل إسرائيل (17 في المئة)، أو العودة لخطة تقسيم فلسطين التي وضعتها الأمم المتحدة عام 1947 (11 في المئة). ومن بين الذين أيدوا إنهاء دولة إسرائيل، البالغة نسبتهم 47 في المئة، فضلت غالبية واضحة إقامة دولة موحدة تخضع للشريعة الإسلامية وتسمح بوجود اليهود، ولكن من دون منحهم حقوقاً كاملة (27 في المئة)، بينما دعت مجموعة أصغر إلى ترحيل المهاجرين اليهود وأحفادهم من إسرائيل والأراضي الفلسطينية (20 في المئة)، ولكن ليس اليهود الذين عاش أسلافهم في المنطقة قبل الصهيونية. علاوة على ذلك، أظهر الاستطلاع كيف تغيرت آراء أهل غزة تجاه “حماس”، فقبل السابع من أكتوبر 2023 أظهرت استطلاعات الرأي أن شعبية “حماس” كانت في تراجع مستمر منذ فترة. وكان هذا التراجع نتيجة عوامل عدة، من بينها تدهور الظروف المعيشية وعدم إحراز تقدم في وعود الحركة بالمقاومة المسلحة ضد إسرائيل والسعي إلى إقامة دولة فلسطينية. وكما زعم مدير “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية” خليل الشقاقي، فإن الهجوم الذي شنته حركة “حماس” في أكتوبر ربما كان محاولة للخروج من الوضع السياسي القائم الذي بات لا يطاق بالنسبة إليها. خلال الأشهر الأولى من الحرب، تحسنت مواقف أهل غزة تجاه “حماس“. في مارس (آذار) 2024، أظهر استطلاع بين سكان غزة أجراه “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية” أن دعم سيطرة “حماس” على القطاع ارتفع إلى أكثر من 50 في المئة، بزيادة قدرها 14 نقطة مئوية مقارنة بفترة ما قبل السابع من أكتوبر 2023. في ذلك الوقت، كان معظم سكان غزة يعتقدون أن “حماس” ستستمر في السيطرة على القطاع وأنها تحقق انتصاراً في الحرب ضد إسرائيل. لكن بحلول يناير 2025، وبعد تصفية القيادة العليا لـ”حماس” واستمرار الدمار في غزة، تراجع هذا الدعم مرة أخرى. ثم أظهر استطلاعنا في يناير أن “حماس” لم تعد تحظى إلا بدعم خمس سكان غزة، وهو انخفاض حاد مقارنة باستطلاع مارس. ومع ذلك، كان الدعم للفصائل السياسية الأخرى، بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية، أقل من ذلك حتى. في الواقع، عندما طلب من سكان غزة اختيار قيادة فلسطينية من بين الخيارات الحالية المتاحة، كان ردهم الأكثر شيوعاً هو أن أياً من هذه القيادات لا يمثل الشعب تمثيلاً حقيقياً. والواقع أن أهل غزة يعتقدون أن القيادة الإسرائيلية تمثل الإسرائيليين بصورة أفضل بكثير مما تمثل القيادة الفلسطينية شعبها. باختصار، يكشف الاستطلاع عن فراغ في القيادة الفلسطينية تسعى “حماس” إلى ملئه بسرعة، على رغم ضعفها. وكما أشار بعض المحللين، فإن عملية إعادة ترسيخ “حماس” لنفوذها تعززت بسبب غياب خطة بديلة لحكم الفلسطينيين قابلة للتطبيق من إسرائيل أو الولايات المتحدة، إضافة إلى حديث إدارة ترمب عن اقتراح كثيراً ما دافعت عنه الأوساط اليمينية المتطرفة في إسرائيل، وهو “ترانسفير” أو “ترحيل السكان”. وبحسب الشقاقي، فإن معظم سكان غزة يعتقدون أن “حماس” لم تنتصر في الحرب. ويضيف: “مع ذلك، يبدو أنهم لا يجدون بديلاً أفضل”. القوة الداخلية قد يخفي غياب الدعم القوي لـ”حماس” حقيقة أعمق تتعلق بالدور الذي تلعبه الحركة في غزة. وفق نتائج استطلاعنا، فعلى رغم إدراك سكان غزة للأزمة في القيادة السياسية الفلسطينية، إلا أن غالبية السكان لا تزال ملتزمة بالمبادئ السياسية لـ”حماس”، مثل تطبيق الشريعة باعتبارها القانون السائد في البلاد، وحق اللاجئين الفلسطينيين وذريتهم في العودة لمنازلهم التي فقدوها عند قيام إسرائيل عام 1948، والسعي إلى تحقيق السيادة الوطنية للفلسطينيين. في الواقع، نحن نقيس هذا الالتزام من خلال الطلب من المشاركين في الاستطلاع تحريك دائرة صغيرة (تحمل علامة “أنا”) إلى موضع يؤكد بصورة أفضل علاقتهم بدائرة كبيرة تمثل قيم أو مجموعة، ويعتبرون “منصهرين” مع تلك القيم أو المجموعة عندما يضعون أنفسهم في مركز الدائرة الكبيرة تماماً. وتشير النتائج من الدراسات السابقة، سواء في ساحات القتال في ليبيا وأوكرانيا أو في الحروب الثقافية في الولايات المتحدة، إلى أن أولئك الذين يظهرون اندماجاً كاملاً يعتبرون تلك القيم أو المجموعة جزءاً لا يتجزأ من هويتهم. يعد الاندماج مؤشراً موثوقاً على الاستعداد للتضحية من أجل مجموعة أو قضية أكبر، وهناك مؤشر آخر للتضحية بالنفس، وهو عندما تصبح القضية الجماعية “قيمة مقدسة”. وسواء كانت القيم المقدسة دينية أم علمانية، مثل الله أو الوطن، فهي غير قابلة للمساومة، بصرف النظر عن الأخطار المادية أو المكاسب أو التكاليف أو العواقب. وعندما يجتمع الاندماج مع القيم المقدسة، ينتج من ذلك ما يعرف بـ”الفاعلين المتفانين” المستعدين للتضحية بكل شيء، بما في ذلك حياتهم وأحبائهم والتخلي عن مصالحهم الشخصية بالكامل. على سبيل المثال، بين عامي 2015 و2017، أجرينا سلسلة من الدراسات في العراق حول مجموعات مثل تنظيم “داعش”، والمسلحين الأكراد الانفصاليين التابعين لحزب العمال الكردستاني، والبيشمركة الكردية، أو القوات العسكرية التابعة لكردستان العراق، التي واصلت القتال على رغم تكبدها خسائر كبيرة. ووجدنا أن الأعضاء المندمجين في هذه المجموعات يميلون إلى إظهار درجة عالية من الاستعداد للتضحية بأنفسهم من أجل القيم التي يعتبرونها مقدسة، وهي سمة منحت هذه الجماعات قوة روحية تفوقت بصورة كبيرة على مواردها المادية مثل الأسلحة أو القوى البشرية أو الدعم اللوجستي أو مدة التدريب العسكري. الحرب عززت التزام أهل غزة بالأهداف السياسية المتطرفة ينطبق هذا الأمر أيضاً على سكان غزة بعد 15 شهراً من الحرب، لقد كشفت نتائج استطلاع يناير عن أن سكان القطاع يظهرون درجة عالية من الانتماء الجماعي للهوية الفلسطينية [التماهي الجماعي مع الهوية الفلسطينية]، ويعرب كثيرون منهم عن استعدادهم لتقديم تضحيات شخصية مكلفة من أجل تحقيق أهداف محددة مثل تطبيق الشريعة الإسلامية باعتبارها القانون السائد، وحق اللاجئين وذريتهم في العودة لمنازلهم التي فقدوها عند قيام إسرائيل عام 1948، والسعي إلى تمتع الفلسطينيين بالسيادة الوطنية. وبالنسبة إلى كل من هذه القيم الأساسية، كلما زاد استعداد المشاركين لتقديم تضحيات مكلفة من أجلها، قل استعدادهم لصنع السلام مع إسرائيل. لقياس نظرة أهل غزة إلى قوتهم الجسدية والروحية مقارنة بمجموعات وطنية أخرى، استخدم الاستطلاع نهجاً سبق أن طبق في دراسات استقصائية على العراقيين والأوكرانيين والقوات المسلحة الأميركية، ومجموعات أخرى. عرض على المشاركين في الاستطلاع جسدين متجاورين شبه عاريين وضع على رأس كل منهما علم وطني، ويمكن تكبير أو تصغير حجم الجسدين وعضلاتهما باستخدام شريط تمرير [أداة ضبط وتحكم يسمح تحريكها بتغيير حجم الأجساد والعضلات]. ثم طلب منهم تحريك شريط التمرير لتقييم “القوة الجسدية” و”القوة الروحية” النسبية لكل مجموعة وطنية. وفي استطلاعنا، طلب من أهل غزة مقارنة أنفسهم بالإسرائيليين والأميركيين والإيرانيين. واعتبر المشاركون أن الفلسطينيين أقوى بكثير روحياً مما هم عليه جسدياً، وكان ذلك يتناقض مع الطريقة التي ينظرون بها إلى إسرائيل والولايات المتحدة، وحتى حليفهم المفترض إيران، إذ اعتبروا أن قوتهم الجسدية تفوق قوتهم الروحية. واستطراداً، يظهر سكان غزة ميلاً واضحاً إلى النظر إلى الصراع مع إسرائيل من منظور ديني أكثر منه سياسي، باعتباره صراعاً لتحرير المسلمين من الاضطهاد اليهودي. لكن معتقد الفلسطينيين الديني لا يعني بالضرورة عدم التسامح مع المجموعات الأخرى. على سبيل المثال، في استطلاع أجري عام 2016 بين الشباب المسلمين الفلسطينيين، وجدنا نحن وزملاؤنا أن كثيرين منهم كانوا يميلون إلى إعطاء قيمة أكبر لحياة الفلسطينيين مقارنة بحياة اليهود الإسرائيليين. ومع ذلك، عندما طلب منهم مقاربة الموضوع من منظور العدل الإلهي، قيموا حياة الفئتين بصورة أكثر تساوياً. بدا أن إيمانهم بالله يعزز رؤية أوسع وأكثر شمولية للحياة البشرية، مع الاعتراف بالقيمة الأخلاقية للمسلمين وغير المسلمين على حد سواء حتى وسط صراع طويل الأمد. ومع ذلك، عندما يصبح الدين مرتبطاً بأجندة اجتماعية وسياسية حازمة يفترض أنها مقدسة عند الله أو “حزبه” يصبح المعارضون لهذه الأجندة والحزب أعداء لله، مما يجعل من الأسهل شيطنتهم وقتلهم. ففي استطلاع يناير، اعتبر أقل من واحد في المئة من سكان غزة أنفسهم “غير متدينين”، بينما صنف 67 في المئة أنفسهم على أنهم “متدينون إلى حد ما”، و31 في المئة على أنهم “متدينون حقاً”. وكان ما يقرب من ثلث المشاركين الذين صنفوا أنفسهم على أنهم “متدينون حقاً” هم الأكثر التزاماً بسيادة فلسطين وحق العودة، والأكثر استعداداً لتقديم تضحيات كبرى، بما في ذلك القتال والموت، من أجل تحقيق هذه الأهداف. وكانت هذه الفئة أيضاً الأكثر دعماً ربما لتطبيق الشريعة وقيادة “حماس” لغزة والفلسطينيين بصورة عامة. واعتبر “المتدينون حقاً” و”المتدينون إلى حد ما” على حد سواء أن الإسرائيليين أقل إنسانية بصورة ملاحظة من الفلسطينيين، واختبر الاستطلاع ذلك من خلال مطالبة المشاركين بتحديد مكان الفلسطينيين والإسرائيليين على سلم قياس بصري يتراوح من شكل يشبه القرد، إلى جسم منحن لا يسير بصورة منتصبة، وصولاً إلى شكل إنسان يقف في وضعية مستقيمة تماماً. وتشير دراسات من الصين وأوروبا والهند وأميركا الشمالية وغيرها إلى أنه كلما كان الشكل المختار أقل إنسانية، ربط المشاركون الخصم بالانحطاط الأخلاقي والتهديدات والأفعال العنيفة، وزادت بالتالي رغبتهم في استخدام العنف ضده. ثمن السلام من المهم الإشارة إلى أن الالتزامات الدينية والسياسية ليست العامل الحاسم بالنسبة إلى معظم سكان غزة، فعلى رغم أن الغزيين بغالبيتهم يعتبرون أن القيم الأساسية المرتبطة بكونهم فلسطينيين تشكل جوهر هويتهم، إلا أن أقلية صغيرة تعتبر هذه القيم غير قابلة للتفاوض. على سبيل المثال، يرى 30 في المئة فقط من سكان غزة أن حق العودة يشكل جزءاً من هويتهم غير قابل للتفاوض، بينما ينظر 20 في المئة فقط إلى الشريعة الإسلامية بهذه الطريقة، و15 في المئة فقط يعتقدون الشيء نفسه عن السيادة الوطنية. ومع ذلك، رأى المشاركون في الاستطلاع أن حتى قضية السيادة الوطنية كانت أكثر أهمية بكثير من الحفاظ على سلامة الأسرة وأمنها، وهي نتيجة تتماشى مع نتائج استطلاعات سابقة أجريت على المقاتلين الأكثر التزاماً من مؤيدي “داعش” ومعارضيها خلال فترة سيطرتها القصوى في العراق بين عامي 2015 و2016. وقد يكون هناك استنتاج أوسع يمكن استخلاصه من هذه النتائج حول التزام الغزيين العميق روحانياً بالقيم الأساسية الفلسطينية، ففي دراسات مماثلة أجريت في أماكن أخرى، تميل الجماعات التي ترى نفسها ضعيفة جسدياً ولكن قوية روحياً إلى أن تكون أكثر عدوانية أو تطرفاً وأكثر استعداداً لمواصلة القتال، حتى في مواجهة عدو أقوى منها بكثير. وهي تعتبر استعدادها للتضحية بالنفس بمثابة ميزة تجعلها تتفوق على خصومها. وهذه السمة مشتركة بين الجماعات المتطرفة، مثل مقاتلي ومؤيدي “داعش” أو حزب العمال الكردستاني، لكنها موجودة أيضاً لدى آخرين قد يكونون على الدرجة نفسها من التفاني وعلى استعداد للتضحية بأنفسهم من أجل الديمقراطية أو السلام (كما هو الحال لدى نسبة أصغر بكثير من السكان في غزة). بالنسبة إلى الغزيين بصورة عامة، فإن الاستعداد للتضحية بأنفسهم من أجل تحقيق أهداف مشتركة على رغم المدى الذي بلغته هذه الحرب القاسية، يشير بقوة إلى أنه من المستبعد أن يتخلوا عن نضالهم في مقابل مجرد الحصول على الأمن الشخصي والعائلي. وهذا يثير تساؤلات حول الخطط الدولية المختلفة “لليوم التالي” في قطاع غزة، التي تفترض على ما يبدو أن توفير السلامة الشخصية وسبل العيش، من خلال وقف الأعمال العدائية وتسليم المساعدات والخيام والاحتياجات الأساسية، من شأنه أن يحقق الاستقرار في القطاع حتى في غياب حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. ولتقييم نظرة سكان غزة إلى فرص تحقيق السلام في المستقبل، قيم الاستطلاع توقعاتهم في شأن السيناريوهات التي أيدها قادة فلسطينيون في الماضي، بمن في ذلك مسؤولو “حماس”. قبل سنوات من هجوم السابع من أكتوبر 2023، أجرى أحدنا (أتران) مقابلات عدة مع قادة “حماس”، شملت عام 2006 لقاء مع رئيس الوزراء في غزة آنذاك إسماعيل هنية، الذي شغل في ما بعد منصب رئيس المكتب السياسي إلى أن اغتالته إسرائيل العام الماضي، وفي عام 2009 مع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي آنذاك في دمشق، وفي عام 2013 مع موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي، في القاهرة. في كل من هذه اللقاءات، أبدى القادة استعداداً لقبول هدنة طويلة الأمد أو حتى سلام مع إسرائيل. وذكر استطلاعنا في يناير المشاركين بهذه التصريحات، مشيراً إلى أن هؤلاء القادة ربطوا عموماً هدنة أو سلاماً أطول أمداً بعودة إسرائيل لحدود عام 1967، وإقامة “توازن قوى” مع إسرائيل يكون مدعوماً دولياً، والاعتراف بحق العودة. ثم طرح الاستطلاع سؤالاً حول أي من السيناريوهات الثلاثة، الهدنة أو السلام أو مزيد من الحروب، يبدو الأكثر ترجيحاً للجيل القادم من الفلسطينيين. فقال نحو نصف المشاركين إنهم يتوقعون السلام، في حين توقع 44 في المئة منهم هدنة طويلة الأمد، ورأى سبعة في المئة منهم أن مزيداً من الحروب هو السيناريو الأكثر ترجيحاً. ومع ذلك، من بين نصف عدد المشاركين الذين توقعوا السلام، برزت مجموعتان متساويتان تقريباً في الحجم، الأولى تتوقع السلام كنتيجة للمفاوضات (24 في المئة)، والثانية تتوقع السلام كنتيجة لانهيار دولة إسرائيل (25 في المئة). أما المشاركون الذين توقعوا هدنة موقتة أو حرباً، فكانوا يعتقدون أن الإسرائيليين والفلسطينيين لن يتمكنوا من التوصل إلى سلام دائم، إما بسبب رفض الطرف الآخر للتنازلات المطلوبة أو لأن هذه التنازلات مؤلمة جداً بالنسبة إلى أحد الجانبين أو كليهما. لماذا يقاتلون من المفارقات أن صلابة تمسك سكان غزة بالقضية الفلسطينية قد تفتح المجال أمام تسويات لم تحظ بالاهتمام حتى الآن، فعلى سبيل المثال، ليس سراً أن “حماس” ملتزمة بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وحق العودة وتطبيق الشريعة الإسلامية، وهي جميعها أهداف يمكن تحقيقها من خلال إنهاء دولة إسرائيل. ومع ذلك، ألمح قادة “حماس” في الماضي إلى أنهم لا يعتبرون أن دولة فلسطين ذات سيادة “من النهر إلى البحر” وزوال دولة إسرائيل هما قيمتان مقدستان غير قابلتين للتفاوض. وتشير دراسات أجريناها من عام 2006 إلى عام 2013 إلى أن حتى حق العودة، على رغم اعتباره مقدساً، يمكن إعادة صياغته بحيث يظل غير قابل للتفاوض من حيث المبدأ وقابلاً للتفاوض من حيث التطبيق. قد تتطلب مثل هذه التسوية، على سبيل المثال، مبادرات رمزية ذات مغزى من الجانب الآخر، مثل اعتذار إسرائيلي صادق عن طرد الفلسطينيين من منازلهم وأراضيهم، وقبول إسرائيل بعودة عدد محدود من اللاجئين وذريتهم، وتقديم صورة من صور “الدية” أو التعويض المالي للضحايا أو ورثتهم، كنوع من التعويض التاريخي عن النكبة، وهي التهجير الجماعي للفلسطينيين أثناء تأسيس إسرائيل في عام 1948، لكن بحوثنا تظهر أيضاً أن الحوافز الاقتصادية أو العقوبات التي تهدف إلى إجبار الفلسطينيين (أو الإسرائيليين) على التخلي عن قيمهم الأساسية تأتي بنتائج عكسية على المجتمع ككل، مما يزيد من مقاومة اتفاقات السلام ودعم العنف. قد تكون إسرائيل أبعد من أي وقت مضى عن إحلال الهدوء في غزة بالطبع، من الممكن أن يكون قادة “حماس” الذين أدلوا بمثل هذه التصريحات انخرطوا في مناورة غير صادقة تهدف إلى تخفيف الضغط العسكري الإسرائيلي، مثلما زعم القادة الإسرائيليون. ومع ذلك، في استطلاعنا الأخير، أشار سكان غزة إلى أنهم مستعدون للنظر في تسوية لا تحقق بالكامل ما يعتبرونه الخيار الأكثر قبولاً وواقعية. فإنشاء توازن قوى يكفل عدم قدرة إسرائيل على نشر قوة عسكرية كافية للهيمنة على الأراضي الفلسطينية المعترف بها دولياً، هو هدف مادي قابل للتفاوض من شأنه أن يضمن الأمن المادي للفلسطينيين. وبالنسبة إلى سكان غزة الذين يعتبرون حق العودة قيمة مقدسة غير قابلة للتفاوض، لكنهم مع ذلك منفتحون على إعادة تأويله [إعادة صياغة المفهوم]، فإن الاعتراف الإسرائيلي بهذا الحق، حتى ولو كان رمزياً إلى حد كبير، قد يوفر إحساساً بالأمان للشعب الفلسطيني، من خلال الحفاظ على ما يعتبره الفلسطينيون غالباً القضية الجوهرية في الصراع، أي “الأرض والكرامة”. ومثل هذه البادرة، على رغم أنها لن تكون كافية بمفردها، إلا أنها قد تكون نقطة انطلاق نحو التفكير في السلام. وعلى النقيض من ذلك، يعتقد سكان غزة أن التخلي عن أرضهم، كما اقترح ترمب، يعني التوقف عن كونهم فلسطينيين. ومن دون استعداد إسرائيلي لتقديم بعض التنازلات في شأن القيم الفلسطينية الأساسية، واستعداد أميركي لفرض شروط اتفاق من هذا النوع، يشير الاستطلاع إلى أن سكان غزة سيواصلون القتال، في الأقل ما دام أن الأقلية الملتزمة من المتحمسين لا تزال قادرة على إلهام الناس لمواجهة صعاب هائلة تفوق التصور سعياً إلى إزالة دولة إسرائيل من الوجود، وسيرد الإسرائيليون حتماً بقوة تدميرية لا تضاهى. بعد شنها 15 شهراً من “الحرب الشاملة” وتحقيق عدد من أهدافها المادية المعلنة، قد تكون إسرائيل اليوم أبعد من أي وقت مضى عن إحلال الهدوء في غزة. ولا يعود ذلك فحسب إلى فشل تل أبيب في تقديم أية استراتيجية سياسية أو خطة قابلة للتطبيق لمستقبل فلسطيني، ودفعها الفلسطينيين إلى مزيد من التطرف سعياً إلى الانتقام لمقتل أقاربهم ودمار منازلهم. (يظهر استطلاعنا وجود ارتباط مؤكد بين التعرض للتهجير العائلي، وتفضيل إنهاء النزاع عسكرياً لا دبلوماسياً). في الواقع يعود ذلك أيضاً لأن سكان غزة، في الأقل الأكثر التزاماً بينهم، يعتقدون أن هويتهم ومكانتهم في العالم أصبحتا مهددتين أكثر من أي وقت مضى: وهو شعور لا يختلف كثيراً عن ذاك الذي ألهم تأسيس الدولة اليهودية، وعزز الإرادة القتالية الشديدة لدى شعبها. مترجم عن “فورين أفيرز”، الـ14 من فبراير (شباط) 2025 المزيد عن: فورين أفيرزقطاع غزةسكان غزةإسرائيلحل الدولتينحركة حماس 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post غموض يلف ظروف وفاة الممثل جين هاكمان وزوجته… وهوليوود تبثّ حزنها next post تفجيرات “البيجر” في لبنان: تفوق إسرائيلي وسط تصاعد الخلافات الداخلية You may also like رضوان السيد يكتب عن: «مقاومة»… لكنها لا تقاوم 28 فبراير، 2025 جو معكرون يكتب عن: إضطراب المكوّن الشيعي في... 27 فبراير، 2025 كاميليا انتخابي فرد تكتب عن: التقارب الروسي –... 27 فبراير، 2025 دلال البزري تكتب عن: حزب الله… نصر الله 27 فبراير، 2025 سونر چاغاپتاي يكتب من داخل المحادثات الأخيرة لحزب... 26 فبراير، 2025 نعومي نيومان تكتب عن.. عندما تلتقي الريفييرا مع... 26 فبراير، 2025 حازم صاغية يكتب عن: … فلنتحدّث بلا توقّف... 26 فبراير، 2025 منير الربيع يكتب عن:”إسرائيل الموسَّعة”.. لبنان وسوريا ضفة... 25 فبراير، 2025 بول شاوول يكتب عن: “كتابة الأنا” بين الأدب... 22 فبراير، 2025 جوناثان بيركشاير ميلر يكتب عن: كندا ليست سوى... 22 فبراير، 2025