بأقلامهمعربي هناء السعيد : عالم لا تُحتمل خفته by admin 23 مارس، 2020 written by admin 23 مارس، 2020 291 موقع كوة / هناء السعيد .. ( مصر ) . فى تأمل للعالم المُعلق بإذن أدق مخلوقاته .. إن معظم التغيرات التى اجتاحت الارض مؤخرًا غيرت الجغرافيا ، غيرت السياسات .. لكنها لم تغير فى قيم الإنسان ، لم تغير عيونه ، لم تغير ضميره .كان الإنسان فقط يغيره جلده الخارجى ، يغير قشرته ويستبدلها بغير التى تمرد عليها ، تغيير الظاهر هو الأسهل والأقل وجعًا ، أما انتزاع الأحشاء فقد قامت به ” الجائحة”. كوفيد -19 ” كورونا ” .. الألم الذى يمثل سطرًا واحد فى هذا المشهد المهيب الذى لا يمكن الاستهتار به ، ما وراءه يمنحنا رؤية للصورة كاملة ، التى ربما تراها مشرقة ووردية ..ربما . تعلمت من” هيجل ” أن التاريخ يعرف إلى أين يذهب ، وأنه ذاهب لا محالة لكمال البشرية ، قائد الإنسان لكماله القادم لم يرفع الشعارات ، لم يقول أنه الحل والمخلص ويؤدى إلى الجنة . الوباء يغير القيم ، يفرض معنى جديد للحياة ، أجمع العالم على المعاناة ، وأجمعوا على أمنية السلامة ” للجميع” ، خفت صوت التعصب ، خفت صريخ خطاب الكراهية ، هربت الطوائف ، تبخرت المذاهب ، لم يبقى سوى أصلنا الذي تعلقنا به فى محنة لن تنفعنا فيها دولنا ولا ديننا ولا لون بشرتنا . بات كل حديث غير حديث البحث عن دواء أو وقاية تضييع للوقت ، الإنسان الآن مصلحته واحدة ، مخاوفه وأوهامه واحدة ، إنه المجهول الذى جعلنا نتعارف . جعلنا الوباء عراة من هوياتنا ، إن هتك ستر تلك الهويات قد يوحد العالم ، سرق الكورونا “الخلافة ” من داعش ، واستخلف على الكون حماة الإنسانية دون مزايدات . تبدو الصورة كئيبة ، كل شيء مُعطل ، كل شيء كسر نمط العادة ليخلق غدًا نمطًا مختلف ، العادة التى جعلتنا نُضيع الهدف والمعنى من وراء الحياة . الكل حريص على الكل ، الأنانية هنا ضد الجميع ، الفردانية هنا شذوذ عن واجب الوقت ، النجاة لنفسك تعنى نجاة من حولك ، للأسف لا يزال البعض فى نومة أهل الكهف ، لكن الجائحة لن تترك أحد ينام . وهذا المشهد يخلق فلسفة جديدة لاتزال تملى قواعدها ، ولازلنا فى حاجة للتمهل فى تدوين ما سوف تمليه .. أطرافنا الآن مقطوعة ، معابدنا مُحرمة ، لم يعد لنا إلا جوهرنا وفطرتنا لنلجأ إليهم ، فما طمسناه باسم الإختلاف ، باسم الإيمان والكفر حق ظهوره . لا يوجد غضب إلهى .. لا يوجد عقاب يخلق هذه الحالة من الأُلفة ومن مساندة جميع البشر لبعضهم فالهم واحد، هو رضا السماء ، هو مخاض الولادة ، هو العسر الذى حتمًا يتبعه اليسر . طالما استيقظت همم معظمنا وتكاتفت ، وجلسوا يحكون رؤوسهم ، ويبيتون فى معاملهم من أجل الإنسان .. فكيف أنظر لهذا كعقوبة !! إنه مخلوق يُعلمنا بقسوة ، كالقسوة التى قتلتنا بها إنتماءاتنا ، العالم يريد أن يُخلق من جديد بعد أن شاخت قيمه ، يحتاج إعادة صياغة للمفاهيم كأننا خرجنا من صلب آدم الآن ، من نحن ومن الأخر ، ما الماضى وما حدود سلطانه علينا الآن ، كيف نود أن يكون مستقبلنا ، إن هذه الفترة الحرجة هى “حجر” على معارفنا القديمة، و”عزل” لثوابتنا منتهية الصلاحية . نعم .. سيصبح العقل العربى مؤمنًا ويمسى كافرًا ، يؤمن بالعلم ويكفر بالخرافة طالما الثمن حياته نفسها ، سيصبح العلم سيدنا ومولانا ،لا الحبة السوداء وبول الإبل ، فالوباء تبرك بالعلم لا بالعمامة، سنثق أن النجاة لا تحتاج ” فتوى ” ، سنُبارك ” الحداثة ” بعد أن لعناها وكفرناها ، الحداثة التى غطت اللحظة بما ينقذ الجميع ، معلومات ، صور مقاطع ، السرعة فى التدفق ، الحداثة التى حافظت على أعمالنا وعلمنا وكافة مصالحنا ، فكانت عصبنا ومفاصلنا ، تتحرك هى بينما نحن عالقون مؤقتًا . العالم يريد أن يذهب لمكان ما ، لا نعلمه حتى الآن ، سنتتبع آثار الكوفيد-19 لنعرف ، لكنه لن يرحم من لا يواكب سرعته ، ولا من ينتظر قول أهل الذكر فى حكم التحرك وقبلته . تأمل الحدث من عمقه .. والتمس السلامة “بالوعى “. وكما قال كونديرا فى ( كائن لا يُحتمل خفته ) .. ” كلما كان الحمل ثقيًلا ، كانت حياتنا أقرب إلى الأرض ، وكانت واقعية أكثر وحقيقية أكثر ” .. الخطر ثقيل و تحدى ليس سهلًا على البشرية ، والحياة بعده لها مذاق لم نعرف طعمه بعد . العالم من هشاشته القيمية بات لا يُحتمل خفته ، فرب أزمة تجعله أكثر ثقًلا وعمقًا من ذى قبل . المزيد عن : عالم لا تُحتمل خفته /كورونا /هناء السعيد 41 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post عبد الكريم الموريد: مواقع التواصل الاجتماعي: من الرغبة في التواصل إلى صناعة التفاهة next post عبد الحميد لخميس: كورونا.. أو حينما يصير الوباء باعثا على التأمل في زمن عالمنا المعاصر You may also like رضوان السيد في “الشرق الاوسط”: منطق الثأر ومنطق... 17 يوليو، 2026 روبرت ساتلوف في washington institute: لقاء ترامب وعون..... 17 يوليو، 2026 How to Isolate Tehran.. by Dennis Ross 17 يوليو، 2026 Operationalizing the Trilateral Framework Agreement..by Matthew Levitt 17 يوليو، 2026 Yemen’s Truce at Risk .. by April Longley... 17 يوليو، 2026 في washington institute: زيارة العراق يمكن أن تُساعد... 17 يوليو، 2026 دلال البزري في “العربي الجديد”: المونديال لعبة تحوم... 17 يوليو، 2026 حازم صاغية في “الشرق الاوسط”: أن تخسر إسرائيل ولا... 16 يوليو، 2026 سام كيلي في “اندبندنت عربية”: لهذه الأسباب بوتين... 15 يوليو، 2026 Mr. Al-Zaidi Goes to Washington By: David Schenker 14 يوليو، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ