ثقافة و فنونعربي نورا ناجي تبحث عن الجاني عندما يكون الجميع ضحايا by admin 6 أكتوبر، 2020 written by admin 6 أكتوبر، 2020 107 “أطياف كاميليا” رواية الإنزلاق إلى أعماق النفس البشرية واللاوعي اندبندنت عربية / نشوة أحمد في روايتها “أطياف كاميليا” (دار الشروق- القاهرة 2020) تنفُذُ الكاتبة نورا ناجي إلى العالم اللامرئي من النفس البشرية، تعكس أطيافها ودواخلها في مرآة السطور، تمنح حيزاً عادلاً يتسع للجناة الضحايا، وللضحايا الجناة، فتبدو الحقيقة عارية، تفسر وجوهها الكثيرة واقعاً ملتبساً وحكايات معيشة، تتمسك شخوصها جميعها في مقعد الضحية بينما يظل مقعد الجاني خاوياً! يبدأ السرد من نقطة غامضة يذوب فيها الطيف في المرآة، ويتلاشى ليكون اختفاء العمة “كاميليا” اللبنة الأولى في البناء الروائي، والمحرك الرئيس للأحداث. وباستثارة شهوة الكشف، يحكم النص قبضته على القارئ منذ اللحظة الأولى، يصادر كل فرصه للإفلات من الرحلة الضبابية التي تبدو وكأنها تسير باتجاه الحل، إيجاد “كاميليا” وربما استعادتها. وجوه الحقيقة المتناقضة تنطلق الكاتبة من “كاميليا” القاصر، ابنة الأخ التي تحمل اسم عمتها وملامحها وتعاني القيود نفسها، فتغدو كطيف لها تحاول فهم غموض اختفاء العمة، وتحمل الرغبة نفسها في الهرب من بيت يأكل ساكنيه. تواجه القيود بالتمرد والصفع باللامبالاة، تجد مذكرات عمتها، فتبدأ في حل اللغز ويكتمل الحل من خلال ما تفصح عنه بقية الشخوص. تزداد صورة العمة بهاءً على رغم محاولات الأم لطمسها وتبرير وشايتها بها، تلك التي أدت بالعمة إلى مصيرها المأزوم، وانتهت بها إلى مغادرتهم جميعاً بلا عودة. لكنها على رغم غيابها عن المشهد تظل فيه فاعلة، وكما منحت ابنة أخيها أنفاساً سهلة حين فكت وثاق حبلها السري الملتف حول عنقها يوم ولادتها، عادت عبر أوراقها مرة أخرى لتمنحها الطريق وتدلها على مرفأ ترسو عنده الحياة. تشارك الكاتبة شخوصها الحكي، فتقف مرة موقف الراوي العليم، ومرة أخرى تمنح للشخوص أصواتها، وتترك لها عنان السرد وقد جاء قرارها موفقاً إلى حد بعيد، ومتسقًا مع طبيعة الشخوص. فوجوه الحقيقة الكثيرة المتناقضة، لم تكن لتتجلى كلها لو لم يملك الأخ، زوجته، كاميليا “العمة” وزوجها أصوات السرد الذي يكتسب مزيداً من الصدق والرهافة حين ينبع من داخل الشخوص. أما “كاميليا” الصغيرة فكان من الأجدى لها أن يحمل الراوي عنها، مهمة رسم مشاعرها واغترابها وآلامها طوال سير الأحداث، لتستمر اللغة على القدر نفسه من الشاعرية والعذوبة وتتمكن الكاتبة من الفرار من فخاخ “مقتضى الحال”. التقنيات الغائبة بطريقة مغايرة، استطاعت الكاتبة أن تستخدم غياب بعض تقنيات السرد لا حضورها، في خدمة الحبكة وإحكامها فتجاهلت عن عمد تقنية الحوار إلا في ما ندر. فهي لم تكن بحاجة لإيهام الحدوث، وإنما أرادت أن توطد فكرة انسياب الزمن في مسار إجباري لا سبيل له إلا المضي والانتهاء، ولا قدرة على حبسه ولا تغييره ولا الرجوع فيه، وإنما يمضي وحسب، فيغدو من الأجدى الانغماس في البوح المتصل عن ذاك الذي مضى. الرواية المصرية (دار الشروق) “أغضب من نفسي، وأتهمها بعدم الإخلاص، لكنه في الحقيقة الزمن الذي لا يترك شيئاً في حاله، الزمن يحول كل شيء إلى الأسوأ، يدفعنا دائماً للأمام الذي لا نريده، ويمنعنا من العودة إلى الخلف الذي نشتهيه” (الرواية صـ 19). الاحتفاء بالزمن اتخذت الكاتبة من حقبة التسعينيات فضاء زمنياً للنص، وكان اختيارها شديد الدلالة لما لهذه الفترة من خصوصية شديدة، وما اتسمت به من تحولات كبيرة وسريعة، ورصدت عبرها ثورة المعلومات وتطور شبكة الاتصال الدولية “الإنترنت” والتقدم التكنولوجي الهائل، وأثره على حياة الفرد. كذلك رصدت الكاتبة التحول الفكري العكسي الذي بدت آثارة في طريقة التعاطي مع المرأة، والتغير في ملبسها وتنميطها وفق ثقافات واردة. “زوجات أشقائه ينظرن لها بدهشة واضحة، يرتدين العباءات السوداء والطرح الطويلة، يحملن أطفالاً، ويمسكن أطفالاً، ويطعمن أطفالاً، ويصحن بأطفال، للحظة تخيلت نفسها في مثل مكانهن، فشعرت بقشعريرة على طول عمودها الفقري” (صـ123). ومثلما مزجت الكاتبة في سردها بين صوت الراوي وأصوات الشخوص، مزجت أيضاً طرق تعاطيها مع الزمن. فبينما كان التذكر والاسترجاع طريقاً سلكته أصوات شخوصها (محمد ناصر عاطف، نادية إسماعيل، كاميليا عاطف، جمال سلطان)، سار صوت الراوي في نسق أفقي متتابع، تدافعت خلاله الأحداث التي لعبت “كاميليا” الصغيرة دور البطولة فيها، وهو ما جاء متسقاً مع الحالة العامة للنص وفكرة صيرورة الزمن. ختارت الكاتبة فضاءً مكانياً ممثلاً لكل من العاصمة والإقليم، فرصدت عبر فضائها المحلي، طنطا (شمال القاهرة) أوضاعاً اجتماعية متجذرة، حيث الحياة أكثر قسوة، أقل رفاهية، والقيود أكثر إحكاماً، والفضول أشد وطأة. ثم ربطت بينه وبين العاصمة بجسر من الأحداث رصدت خلالها “بعين القادم من الفرع” أضواء المركز، ومساحات الحرية، وارتفاع نصيب الفرد من الخصوصية بعيداً مِن الأعين التي تتلصص والألسنة التي تلوك، لتواصل استدعاء المتناقضات والوجوه المختلفة للحقائق والأحداث والأمكنة. “يجلس حماي معهن يخبرهن بأنها مريضة جداً، وينهض ويتركني معهن، معظمهن كنّ معي في المدرسة، يحاولن استمالتي إلى الكلام، أرسم تعبير الحزن على وجهي، ألمّح تلميحات بسيطة، أتحدث عن جرأتها وتحررها، وأن عمي لم يعد يعجبه سفرها المتكرر، يزداد فضول البنات ويطالبن بمزيد، أقول: الله ستّار”. (صـ 106). ثنائيات الصراع مع تواتر الأحداث وتدفق السرد وتشابك علاقات الشخوص، تتجلى ثنائيات الصراع والحروب المستعرة داخل النفس الواحدة لتؤكد الكاتبة عبرها، ذاك الانشطار الإنساني الأزلي، والخصومة الأبدية بين شطريه، فتقطع مسافات بعيدة داخل النفس وتضع خلالها ظلالاً حول أعطابها، وحيلها، وإزاحتها، ومازوخيتها وساديتها. حتى أنها تطأ (مرات) عقدها الشائعة مثل عقدتي “أوديب وإليكترا” اللتين تتجليان في علاقة الشقيقين بأبويهما. فـ”كاميليا” أكثر تعلقاً بأبيها بينما شقيقها يلحظ محاباته لها بعين حاقدة، لا تتحمله وتميل أكثر باتجاه الأم التي تستحوذ على حبه وتعاطفه، ورثائه لموتها وحياتها التي عاشتها بين صمت وإهمال. وعلى رغم كل هذا القدر من التعقيد والعطب، استمرت الكاتبة في إيجاد طرق للتسامي والتعاطف والمسامحة. ربما كان النصيب الأكبر منها للشخصية المحورية في النص “كاميليا العمة”، لكنها أيضاً لم تغفل نصيب بقية الشخوص، لتجعل الخروج من النص خروجاً آمناً بلا ضغينة ولا كدر. اللغة في “أطياف كاميليا” إعجاز متكامل الأركان، وسهل من النوع الممتنع. فعلى رغم غناها في الصور، والشاعرية، والعذوبة، والمعنى والدلالة، لم تنزلق إلى هاوية التقعير ولا انفراط السرد، وعلى رغم نفوذها الطاغي لم تنل من الجماليات الأخرى في منظومة التشكيل النصي. كذلك يمكن وصفها باللغة المشهدية فقد حوت في طياتها تكنيكاً سينمائياً يحفز حاسة الإبصار على إدراك الأحداث والشخوص كحقيقة تتجاوز حدود السطور. “تدلّي قدميها بحذر لتهبط إلى أرض الشرفة بدلاً من أرض الشارع مستشعرة لذة المغامرة الخفية، والخطر الذي يمكن السيطرة عليه… في المساء بعد أن يخلد الجميع إلى النوم تنهض بحذر وتقف على فراشها الملاصق للحائط، تفتح الشباك وتقفز” (صـ 14). في رحلة اكتشاف النفس وتفكيك العلاقات الإنسانية المعقدة، مررت الكاتبة كثيراً من الرؤى الفلسفية، تلك التي لا تحوز (رغم صدقيتها وثبوتها)، إلا على التجاهل وعدم الاكتراث. فالتجربة المكررة والدرس المعاد، لم يدفعا الناس لإدراك قيمة الأشياء إلا بعد فقدانها، واللاقيمة لم تغرهم، على رغم كونها درعاً واقياً يجعلهم في مأمن دائم من الخطر، وهم أبداً لا ينظرون إلى الداخل وإنما يأخذون بالسطح. ومازال الجمال يفرض سطوته فيمنح صاحبه ميزات غير مستحقة، ويمنحه قساوة غير مفهومة في القلب. المزيد عن: رواية مصرية/الذات البشرية/اللاوعي/الراوي العليم/سرد/الضحايا/الجلاد 8 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post أسئلة وألغاز لا تنتهي حول “وصيفات الشرف” لبيلاسكوث next post رضوان عجرودي شاعر يعتمد السرد ويتخفف من البلاغة You may also like موسيقى كَناوة تواصل اكتساح الحياة الفنية في المغرب 2 أغسطس، 2026 كارين اليان ضاهر في “اندبندنت عربية”: الدبكة اللبنانية…... 2 أغسطس، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: “ملكة القطن”… حقل... 2 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: “يوبيك” رواية فيليب... 2 أغسطس، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: أبرز مسلسلات أغسطس…... 2 أغسطس، 2026 موسى برهومة في “اندبندنت عربية”: جورج وسوف يتمرد... 2 أغسطس، 2026 “بوبية” فيلم جزائري يستلهم العشرية في كوميديا سوداء 1 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: آين راند من... 1 أغسطس، 2026 جمال نعيم في “اندبندنت عربية”: هل تستطيع الحضارات... 1 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: السجال المستعاد حول... 1 أغسطس، 2026 8 comments vox casino 26 مايو، 2025 - 1:15 ص 271212 700366Hey! Nice stuff, do tell us when you post something like that! 661842 Reply MelBet APK download 31 مايو، 2025 - 11:57 ص 774737 100189Wanted posting. Loads of outstanding writing here. I wish I saw it identified the web site sooner. Congrats! 707296 Reply 1xbet cl 14 يونيو، 2025 - 4:37 ص 884346 175704Im not sure exactly why but this web website is loading extremely slow for me. Is anyone else having this problem or is it a issue on my end? Ill check back later and see if the dilemma still exists. 391229 Reply 365win สล็อตแตกง่าย 21 يوليو، 2025 - 10:57 م 745256 973021The very good intreguing articles keep me coming back here time and time once more. thank you so considerably. 309067 Reply pg168 30 يوليو، 2025 - 12:27 م 415238 571222Soon after study some with the websites along with your internet web site now, i truly as if your way of blogging. I bookmarked it to my bookmark web site list and will be checking back soon. Pls appear at my site likewise and figure out what you believe. 992576 Reply sweet bonanza slot 27 سبتمبر، 2025 - 8:17 م 756715 278852hello!,I like your writing so a lot! share we communicate extra approximately your post on AOL? I want an expert in this space to solve my dilemma. Possibly that is you! Seeking ahead to see you. 558544 Reply เว็บตรง บาคาร่า 7 ديسمبر، 2025 - 2:46 م 882320 332547Great paintings! This is the kind of information that need to be shared about the internet. Disgrace on Google for now not positioning this publish upper! Come on more than and talk more than with my site . Thanks =) 409248 Reply LSM99 แทงบอลออนไลน์ ฝาก-ถอน ไม่มีขั้นต่ำ 24 يناير، 2026 - 2:32 م 430090 677163light bulbs are good for lighting the home but stay away from incandescent lamps because they create so a lot heat;; 170536 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.