ثقافة و فنونعربي موسوعة ثلاثية عن “الحيوان” لمن اعتبر “الإنسان حيوانا ناطقا” by admin 17 مايو، 2021 written by admin 17 مايو، 2021 102 أرسطو حلقة وصل غير متوقعة بين هيرودوتس والجاحظ وداروين اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب كان من الطبيعي لأول فيلسوف – عالم في تاريخ البشرية يعتبر “الإنسان حيواناً ناطقاً” (أو “حيواناً عاقلاً” طالما أن الكلمة اليونانية المشتقة من لوغوس تعني العقل والنطق في آن معاً)، أن يضع كتاباً أو أكثر عن الحيوان، وعلى الأقل كي يحدد سمات ووجود ذلك الكائن الذي يكاد الإنسان يكونه لولا الـ”لوغوس” الذي يميزه عنه، لكن أرسطو لم يكتف بوضع كتاب، بل وسّع مدار اهتمامه ليفرد لذلك “الإنسان غير العاقل وغير الناطق” ما لا يقل عن ثلاثة مجلدات متكاملة وضعها تباعاً، لتكون أول موسوعة عن الحيوان متاحة للفلاسفة والعلماء أن يبنوا أعمالاً على مثالها، حتى ولو أننا سنعرف أن المكتشفات العلمية البيولوجية وعلوم التشريح ووظائف الأعضاء، بل حتى دراسات السلوك الحيواني، ستدفعهم إلى إحداث تعديلات عديدة وجذرية فيها. تاريخ إنساني للحيوان المهم أن أرسطو وقبل التاريخ الميلادي بأربعة قرون تقريباً، أنجز ذلك العمل العلمي الموسوعي الأول المؤلف من تلك الأجزاء التي تحمل تباعاً العناوين التالية: “تاريخ الحيوانات” و”دراسة في أقسام الحيوانات” وأخيراً “تكوّن الحيوانات”، دون أن يفوتنا وضعه دراسات حول نفس الموضوع قد تكون أقل شأناً لكنها تتسم بدورها بأهمية خاصة ومنها “عن حركة الحيوانات” و”مسيرة الحيوانات”. ويمكننا على أي حال أن نقول هنا إنه فيما استعرض أرسطو في “تاريخ الحيوانات” كل ما كان زمنه يعرفه عن حياة ومسار كل الأنواع الحيوانية المعروفة موزعة إلى مجموعات وأصناف بحسب فيزيائيتها وحتى وظائفيتها، نراه في “أقسام الحيوانات” يركز بشكل أكثر تفصيلاً على ما يمكن اعتباره تصنيفاً تقنياً حسب نوع الحيوان وجنسه، بينما يتصدى في الكتاب الكبير الثالث للإمعان في خوض بقية ما تبقى من شؤون تتعلق بحياة الحيوان وسلوكياته وحياته الجنسية وتطوره على مدى الزمن، وصولاً الى الوظائف المنوطة به في الحياة الاجتماعية. الما قبل والما بعد صحيح أن إنجازات أرسطو في هذا المجال استندت إلى عدد كبير من علماء ومؤرخين اشتغلوا قبله على الموضوعات نفسها، لا سيما على هيرودتس وما ذكره عن الحيوانات في تواريخه، ومنها تلك التي رصدها في ديار زارها ولم يكن لها وجود في بلاد الإغريق، وعلى هيبوقراط الذي كان لا بد له في دراساته الطبية من ذكر الحيوانات وقيمتها الغذائية، غير أن إضافاته كانت بالغة التنوع والفائدة، هو الذي نعرف أن اهتماماته كانت في الأساس تتركز على الإنسان، ولم يكن اشتغاله على الحيوان سوى وسيلة لتبيان تميز الكائن البشري على أي كائنات أخرى، سيما تلك الأقرب إليه: الحيوانات التي تشارك الجنس البشري كثيراً من الخصائص. بل حتى تشاركه من حيث لا يدري أموراً سوف تكون قادرة بعد مئات السنين على رفد نظرية داروين التطورية بما يعززها، لكن هذه مسألة أخرى. فهنا لا بد أن نكتفي بالتوقف عند تلك الموسوعة، ولكن لكي نقول أولاً إن العالم الحديث لم يتعرف عليها كما ينبغي إلا من خلال التراث العربي، كما الحال بالنسبة إلى العدد الأكبر من كتابات أرسطو. فالحال أن الجاحظ، أحد كبار الناثرين في التراث العربي، لم يصغ الأجزاء الرئيسة من كتابه الأشهر “الحيوان” إلا بالاستناد إلى موسوعة أرسطو التي كانت أجزاء كثيرة منها قد ترجمت في حران وغيرها خلال العصور الأولى للإسلام. صفحة من كتاب “الحيوان” للجاحظ (غيتي) تطويرات جاحظية لكن الجاحظ أضاف الكثير في كتابه، بل طوّر الكثير من المعلومات وعدّل مستنداً إلى حقائق علمية كانت قد استجدت خلال نصف الألفية وأكثر التي مرت بين زمن أرسطو وزمنه. وبالتالي يمكن القول إن الجاحظ اشتغل على كتابه بنفس الطريقة التي اشتغل بها أرسطو على موسوعته، كثّف عمل من سبقه وطوّره في عصرنة علمية لا شك فيها. غير أن ما يمكن القول إن أرسطو قد تفرد فيه، هو أنه إن كان قد ركز طوال حياته على تفوق النوع البشري، فإنه لن يتردد في كتب موسوعته الثلاث عن أن يعزو إلى الحيوانات قدرات حسية ومعرفية كان الإنسان يتصور أن ما من كائن غيره يمتلكها. ولعل ذلك هو التجديد الأكبر الذي أضافه أرسطو مميزاً إنجازاته عن سابقيه. لقد اعترف للكائنات الحيوانية بنوع من الذكاء لم يكن قد سبقه إلى الاعتراف به أي عالم من قبله. بل ستمضي مئات السنين قبل أن يوجد علماء من بعده يسيرون على خطاه، بدءاً من الجاحظ طبعاً. شيء من التفاصيل لكن الأهم من هذا كان ذلك التصنيف الذي وضعه وبشكل متطور بين جزء وآخر من موسوعته. فهو مثلاً، ميّز في “تاريخ الحيوانات” بين فئتين كبيرتين، الحيوانات التي لديها دم، وتلك التي لا دماء فيها. الأولى تمتلك هيكلاً عظمياً يتمحور من حول النخاع الشوكي بينما ليس للثانية ما يماثله. ولقد أحصى أرسطو هنا أكثر من 500 اسم لحيوان معروف أو غير معروف في زمنه ركز عل نحو 50 منها بالدراسة المعمقة، موزعة بين الأسماك والطيور والثدييات والزواحف والبرمائيات. ولقد سمح له هذا التوزيع بنوع من التصنيف يوزع الكائنات الحيوانية إلى 10 تبعاً لكمالها الطبيعي، معطياً المكانة الأولى للكائنات البشرية، ثم متدرجاً من نوع إلى آخر تبعاً لمدى اقترابه من تلك الكائنات الأسمى. ولسوف يتبعه في هذا التصنيف ابن البطريق العربي الذي سيساعد البرتوس ماغنوس في كتابه عن حياة الحيوان. حداثة مباغتة وإذا كان “تاريخ الحيوانات” يتألف من تسعة أجزاء أضيف إليه جزء عاشر اعتبر منحولاً، فإن الكتاب التالي “أقسام الحيوانات” سيأتي مؤلفاً من أربعة أقسام، يوسّع فيها أرسطو من تحليله العلمي، رابطاً تقسيم الحيوانات بمناهج البحث في علوم الطبيعة، ما يتيح له هنا أن يرتقي إلى ما سيحمل بعد مئات السنين اسم “المنهَجَة العلمية”، حيث إن دراساته ستقوده هذه المرة ليس فقط إلى التصنيف والرصد، بل إلى استخلاص أسس علمية محددة، حيث نراه في الصفحات الأولى من هذا الكتاب يقول لنا إن “الطبيعة إنما ترمي جانباً بمقدار ما يصل إليها من الجانب الآخر. فهي لا يمكنها أن تنهل من جانبين متقابلين في وقت واحد، حيث مثلاً لا يمكن أن يتطور درع ضفدعة إلا على حساب قوائمها”. وهذا ما يتيح للكاتب أن يرصد بدقة علاقة شتى الأجزاء التي يتكون منها جسم حيوان من الحيوانات ينتمي إلى نوع معين، ببقية الأجزاء فيدرس تطور تلك العلاقة في تاريخ حياة ذلك الحيوان بالعلاقة مع التطور المناخي الذي ينعكس على مزاج الحيوان وما إلى ذلك، مع التفاتة خاصة إلى توزع دم الحيوانات الدموية بين دم بارد وساخن، ودراسة الفوارق في المزاج بين الأسماك والطيور ووظيفة ريش الطيور. ما يوصله إلى الاشتغال في صفحات بديعة وستبدو لنا مع التدقيق بالغة الحداثة حول تعقّد الحياة الحيوانية في ارتباطها مع الأجهزة العضوية لهذه الحيوانات، دون أن ينسى المقارنة بين الحين والآخر مع الجهاز العضوي للبشر، دراسة سوف لن نجد ما يماثلها في تاريخ البيولوجيا إلا في العصور الحديثة. الجنس لدى الحيوان ويقودنا هذا بالطبع إلى الكتاب الثالث الذي أتى بعد “أقسام الحيوانات” مستكملاً إياه مطوّراً العديد من الأفكار التجديدية التي جاء بها. ويتألف هذا الكتاب الأخير من خمسة أقسام يشتغل فيها أرسطو أكثر ما يشتغل على التكوّن الجنسي للحيوانات، وهو الموضوع الذي يشغل لديه القسم الأول حيث نراه يدرس السمات العامة للعلاقات الجنسية التي تكمن خلف توليد الحيوانات، شارحاً ما يتعلق بالأعضاء الجنسية والحيوانات المنوية ودور كل جنس في عملية الإخصاب بشكل عام. وهو في الجزء الثاني يدرس الأنواع الحيوانية وعمليات التخصيب كل على حدة، وهو ما يتابعه بشكل أكثر تفصيلاً في الجزء الثالث قبل أن يخصص الرابع لتشكّل الجنين داخل الحيوان الأنثى، خاتماً في الخامس بدراسة مختلف السمات التي تميز بين الأنواع الحيوانية في هذا المجال. المزيد عن: عالم الحيوان/أرسطو/الجاحظ/داروين 8 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post القاتل الأرق يخدم ضحاياه بتسريع موتهم next post برنامج الأغذية العالمي يحذر من “تفجر أزمة تمتد للمنطقة” لو “زاد الضغط” على الفلسطينيين You may also like قصيدة «أتذكر السياب»… بين درويش والنقاد 4 أغسطس، 2026 الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 محمد غندور في” اندبندنت عربية”: “عصافير الحرب”… قصة... 3 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في” اندبندنت عربية”: غوته مفكر الشعر... 3 أغسطس، 2026 محمد خان… مخرج الأمكنة الذي لا يصرخ إنما... 3 أغسطس، 2026 الشعر والسينما… العالم كقصيدة تتحرك 3 أغسطس، 2026 موسيقى كَناوة تواصل اكتساح الحياة الفنية في المغرب 2 أغسطس، 2026 8 comments fruit party 28 مارس، 2025 - 11:56 م 569768 343591very good post. Neer knew this, thanks for letting me know. 682367 Reply Joshua 31 مارس، 2025 - 8:33 ص 747281 13182I visited a great deal of web site but I conceive this one holds something particular in it in it 31750 Reply 1win 25 مايو، 2025 - 10:32 ص 960937 791034You need to take part in a contest for among the best blogs on the internet. I will suggest this web site! 244970 Reply Vox Casino 16 يونيو، 2025 - 11:57 ص 330322 753902I feel this is one of the most significant info for me. And im glad reading your post. But want to remark on some general points, The web site style is perfect, the articles is truly wonderful : D. Good job, cheers 203884 Reply aviator online game 14 أغسطس، 2025 - 7:53 م 686015 101692Very fascinating topic , thanks for posting . 446459 Reply หนังโป๊ 27 سبتمبر، 2025 - 4:07 ص 913320 645661Someone necessarily assist to make critically articles Id state. This is the very first time I frequented your web page and thus far? I amazed with the analysis you created to make this actual submit incredible. Exceptional activity! 243978 Reply Fugitive Recovery Agent Badges 23 أكتوبر، 2025 - 2:50 م This is a topic I’ve been curious about. Thanks for the detailed information. Reply เสริมจมูกที่จีน 8 ديسمبر، 2025 - 9:14 ص 198786 915076This website is in fact a walk-through it genuinely may be the details you desired relating to this and didnt know who ought to. Glimpse here, and you will undoubtedly discover it. 850024 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.