ملحمة بروست “بحثا عن الزمن المفقود” اكتملت عربيا بأجزائها السبعة – CANADA VOICE
السبت, سبتمبر 5, 2026
السبت, سبتمبر 5, 2026
Home عربيثقافة و فنون ملحمة بروست “بحثا عن الزمن المفقود” اكتملت عربيا بأجزائها السبعة

ملحمة بروست “بحثا عن الزمن المفقود” اكتملت عربيا بأجزائها السبعة

by admin

الياس بديوي ترجم 5 أجزاء وجمال شحيد الجزءين الأخيرين وأشرف على جمع الطبعة الجديدة وتحديثها

اندبندنت عربية / ديمة الشكر كاتبة

للسوريين في أيامهم الكالحة المعتمة هذه أن يتذكروا، حال صفت لهم دقائق هاربة من الجحيم المستمر، الطرق الوعرة الدؤوبة التي ساروا فيها في شأن يبدو هامشياً لغير العارف، وجوهرياً لأهل المعرفة: الترجمة. ولهم أن يشعروا بالغبطة حال افتكروا إنجازات عدة ترد عفو الخاطر ما إن يرن السؤال: ماذا ترجم السوريون؟

الإنجاز الأول ترجمة ثمانية عشر مجلداً للأديب الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي، أي الأعمال الكاملة وبمبادرة شخصية لم تؤطرها تماماً مؤسسة رسمية بقدر ما أطرها امتنان القراء العرب للمترجم السوري الفذ سامي الدروبي (1921- 1976). والإنجاز الثاني يحمل مترجمان سوريان توقيعه: الياس بديوي (1932-1997) وجمال شحيد (1942- ) لرائعة مارسيل بروست (1871- 1922) بأجزائها السبعة: “بحثاً عن الزمن المفقود”، التي صدرت حديثاً في طبعة جديدة أنيقة عن دار الجمل. علاوة على ترجمات كثيرة دأب المترجمون السوريون على إنجازها بالتوالي، حتى ليمكن القول إن سوريا ما برحت تشهد حركة نشطة في هذا الحقل، على رغم كل ما حصل ويحصل.

تعد “بحثاً عن الزمن المفقود” الرواية الأطول في التاريخ، وقد استغرق بروست في كتابتها ما يقارب الأربعة عشر عاماً، وتعد من عيون الأدب العالمي ومفخرة للفرنسيين. إذ كتب الناقد الفرنسي جان إيف تادييه المختص ببروست، والذي أشرف على نشر أعمال بروست في سلسلة لا بلياد الشهيرة: “لطالما قيل إن لإنجلترا شكسبير ولألمانيا غوته ولإيطاليا دانتي فإن فرنسا لا تملك أحداً يساويهم، ولكن ما يدعو للظن بأن لها الآن وبأن لها في غد، مارسيل بروست نظراً لعدد الدراسات التي خُص بها”.

للطبعة الصادرة عن دار الجمل، فضيلة أخرى غير إعادة النشر، فهي تتمتع بمراجعة دقيقة قام بها المترجم السوري جمال شحيد للأجزاء السبعة، فضلاً عن تضمنها دراسة جان إيف تادييه التأريخية لأعمال بروست بصياغتها الأولية والأخيرة ومسوداتها وحواشيها، ومقالة أخرى لعضو الأكاديمية الفرنسية أندريه موروا، ولكنهما بترجمة شحيد.

رواية الترجمة

مع ذلك، فإن قصة الترجمة السورية لـ”بحثاً عن الزمن المفقود” تستحق أن تروى: كان الياس بديوي قد بادر لهذه المهمة الصعبة، مبادرة شخصية، وتخبر ابنته أنه أسر لصديقه المفكر الفيلسوف أنطون مقدسي (1914- 2005) برغبته في ترجمة رائعة بروست باعتبارها تحدياً “شخصياً” له، فتحمس المفكر الأصيل لرغبة بديوي، وبمساعيه نشرت الأجزاء الأولى لدى منشورات وزارة الثقافة السورية.

الاجزاء السبعة في الترجمة العربية (دار الجمل)

لم تكن المهمة صعبة بسبب طول الرواية فحسب، بل أيضاً بسبب أسلوب بروست الخاص، بيد أن بديوي كان متسلحاً بعدة لغوية غنية، فهو يتقن بالإضافة إلى العربية والفرنسية، اللغتين اللاتينية واليونانية، الأمر الذي أتاح له إنجاز ترجمة عذبة سلسة تنساب بيسر، على رغم شهرة الجمل الفائقة الطول والمتشابكة والمتشعبة في “بحثاً عن الزمن المفقود”. فضلاً عن الإحالات والإشارات الكثيرة للفنون من رسم وموسيقى وعمارة كما لا يخفى.

نشر بديوي الأجزاء الثلاثة الأولى لدى منشورات وزارة الثقافة السورية (1977-1983) ومن ثم أعادت دار شرقيات المصرية نشرها (بعد أن نقحها بديوي بنفسه) مع الجزءين الجديدين الرابع والخامس اللذين أتم ترجمتهما بين عامي 1994-1997. بيد أن وفاة بديوي عام 1997، أوحت كما لو أن المهمة لن تكتمل سورياً، لكن “المركز الفرنسي للثقافة والتعاون” في القاهرة اتصل بالمترجم السوري القدير جمال شحيد – الذي يتقن اللاتينية واليونانية كما بديوي – ليكمل المهمة، فتهيب في البداية نظراً إلى أن “النص وعر وشاق، ولأن الذي سبقني إلى ترجمة بروست من كبار المترجمين العرب”، كما قال في محاضرة احتفت بصدور الترجمة الكاملة في المركز الثقافي الفرنسي بدمشق.

ترجم جمال شحيد الجزءين السادس والسابع “ألبرتين المختفية” (2003) و”الزمن المستعاد” (2005)، ونشرا في القاهرة لدى دار شرقيات أيضاً. يصف شحيد النص البروستي قائلاً: “هل نستطيع ترجمة بروست إلى العربية ترجمةً ناصعة؟ أجرؤ على تأكيد ذلك، لا سيما أن فضاءه الروائي تقاطَع كثيراً مع الفضاء الشرقي. ومع ذلك اعترضتْني صعوباتٌ عدة في أثناء ترجمته. كنتُ أقع أحياناً على جمل طويلة تبلغ 35 سطراً، فأحار في البداية من أين أبدأ”.

طبعات عدة

ومما لا ريب فيه أن معايشة جمال شحيد للنص البروستي سنوات طويلة، رفدت هذه الطبعة بميزات جديدة، فظهر الإنجاز. أعاد شحيد مراجعة النص العربي بأجزائه السبعة كاملاً بالمقارنة مع طبعة لابلياد نفسها، ووضع بعض التعديلات ودقق بعض الأمور. كما أضاف حواشي، والأهم أنه كتب دراسة بحثية من ثلاثين صفحة – في الجزء السابع – عن الشخصيات الواردة في “بحثاً عن الزمن المفقود” التي تربو عن الخمسمئة، وبين علاقاتها المتشعبة.

طبعة قديمة بالفرنسية (دار غاليمار – باريس)

ولعل الزمن بين طبعة دار شرقيات وطبعة دار الجمل التي في أيدينا، بلور أكثر وجهة نظر شحيد في ما يخص قدرة اللغة العربية على التعبير، إذ يعلق على هذه الطبعة: “اللغة العربية فيها إمكانيات هائلة للتعبير، وإن كانت جمل بروست الطويلة المتشعبة شهيرة، فثمة أيضاً في الأدب العربي المعاصر جمل أطول، وأضرب مثالاً عن ذلك الجمل الواردة في سكرية نجيب محفوظ والتي وصل طول إحداها إلى 46 سطراً، فضلاً عن مقطع يمتد لأربع صفحات ونيف”.

وأضاف قائلاً: “إن الصعوبة في النص البروستي سببها الإحالات الضمائرية في الجمل الطويلة، مما يتطلب دقة متناهية”. والأثر الجديد لبروست على شحيد، يظهر أيضاً في كتابه الجديد غير المنشور بعد عن بروست وعنوانه “عن مارسيل بروست أو ملاك الليل”، يعالج فيه النص البروستي من الناحيتين الكتابية والنفسية، ويخصص فيه فصلاً مهماً لفهم بروست وتقديره، إذ يبحث فيه عن بروست كما رآه معاصروه من الأدباء مثل أورهان باموك ونجيب محفوظ وغيرهما.

جمل طويلة

الجمل الطويلة المتشعبة والمتشابكة إذاً، ميّزت أسلوب بروست، ولعل وصف جان إيف تادييه المتخصص الفائق الدقة: “الجملة التالية تتطاول حتى تشغل اثنين وعشرين سطراً وقد أثقلت بأحاسيس زالت وصور وبنيت على وجه الخصوص، وقد نضدت جملاً تابعة ومعطوفة وفق قواعد الجملة اللاتينية والبلاغة الكلاسيكية وجمل “بحثاً عن الزمن المفقود” الطويلة، هذه الجمل التي تقودك على نحو لا يرحم، ولكن دونما إرهاق إلى درج واسع نبلغ قمته دهشين مأخوذين لإرسال النظرة النهائية التي تحتضن الأفق بكامله”.

طبعة فرنسية جديدة (دار غاليمار – باريس)

هذه الرواية التي تعالج “موضوع الزمان الذي يهدم وموضوع الذكرى التي تخلص” بتعبير موروا، قد تذكّر قارئ بروست العربي بوصف من البلاغة العربية للأسلوب فيها، عنيت “الطي والنشر” الذي يحدده عبد القادر الجرجاني قائلاً: “وهو أن يذكر شيئان أو أشياء إما تفصيلاً بالنص على كل واحد أو إجمالاً بأن يؤتى بلفظ يشتمل على متعدد، ثم يذكر أشياء على عدد ذلك، كل واحد يرجع إلى واحد من المتقدم ولا ينص على ذلك الرجوع بل يفوض إلى عقل السامع رد كل واحد إلى ما يليق به. وذكر الأشياء الأولى تفصيلاً أو إجمالاً يسمى باللف أو الطي وذكر الأشياء الثانية الراجعة إلى الأولى يسمى بالنشر”، ذلك أن بروست المفتون بالذاكرة اللاإرادية وتراكبها على أزمان رائحة غادية، يبث إشارات شبه واهية، ويدخل أشخاصاً شبه ثانويين، لا يلبث أن يعود إلى كل منها فيضخمها ويوسعها، ملاعباً زمناً يبدو مفقوداً بيد أنه يستعاد بصنوف شتى تكثف الأحاسيس الماضية حد أنها تبعثها وتخلقها من جديد.

وقد نجد في كلام موروا ثانيةً صدى لـ”الطي والنشر” في “بحثاً عن الزمن المفقود”، إذ يكتب: “وينبغي تصور طريقة بروست التي لن تتغير من بعد على أنها طريقة لاعب شطرنج يتابع عدة عمليات هجومية في الآن نفسه. فهو ينتقل من طرح إلى آخر، من قطاع إلى آخر، من مدينة إلى أخرى ومن جماعة إلى أخرى. ولم يكن هذا التوسع تتابعاً خطياً في يوم بالمعنى الذي يقص فيه الكاتب حكاية من أولها إلى آخرها، فبروست يستعيد على العكس، خلايا بدئية ووحدات مختصرة ليتوسع بها ويضخمها إلى حد لافت أحياناً أو على العكس ليحذفها”.

يمكن ختام هذه المقالة، بمطلع من “بحثاً عن الزمن المفقود” المعد من أجمل المطالع الأدبية للتأمل في الأسلوب المنساب الذي يخطف الأنفاس ويصعب على القارئ التوقف والاكتفاء: “كثيراً ما آويت إلى سريري في ساعة مبكرة، وكانت عيناي أحياناً حالما أطفئ شمعتي، تغتمضان بسرعة لا تدع لي متسعاً من الوقت أقول فيه: “إنني أنام”. وبعد نصف ساعة توقظني فكرة أن الوقت حان للبحث عن النوم، فأبتغي وضع المجلد الذي أظن أنه لا يزال بين يدي وإطفاء شمعتي، إذ إني ما كففت في نومي عن التفكير في ما قرأت منذ قليل، ولكن هذه الأفكار أخذت مجرى خاصاً بعض الشيء فبدا لي أنني بنفسي ما يتحدث عنه الكتاب”.

المزيد عن: مارسيل بروست/روائي فرنسي/ملحمة روائية/ترجمة/الزمن الضائع/اسلوب روائي

 

 

You may also like

10 comments

sharkoon rush er30 29 مارس، 2021 - 12:02 ص

Aw, this was an extremely good post. Taking a few minutes
and actual effort to create a top notch article… but what can I say… I hesitate
a whole lot and never manage to get nearly anything done.

Reply
escort bayan 29 مارس، 2021 - 12:03 ص

Woah! I’m really digging the template/theme of this blog.
It’s simple, yet effective. A lot of times it’s hard to get that “perfect balance” between superb usability and appearance.

I must say that you’ve done a very good job with this. Additionally, the blog loads super quick for me on Chrome.
Excellent Blog!

Reply
Afrikaanse oorbellen 22 فبراير، 2025 - 8:31 ص

619380 769052An fascinating discussion is worth comment. I feel that you need to write a lot more on this subject, it may well not be a taboo topic but normally people are not enough to speak on such topics. Towards the next. Cheers 649094

Reply
read the article 4 مارس، 2025 - 11:21 ص

197602 214074I appreciate you taking the time to talk about them with folks. 649281

Reply
บาคาร่าเกาหลี 22 يونيو، 2025 - 3:03 ص

122944 123573This is the proper blog for anybody who hopes to learn about this topic. You know a whole lot its almost tough to argue along (not that I actually would wantHaHa). You undoubtedly put a complete new spin for a subject thats been written about for years. Fantastic stuff, just amazing! 375654

Reply
Legiano Kasyno oferuje bonusy 19 يوليو، 2025 - 3:31 ص

822723 411985This internet site is my breathing in, quite wonderful layout and perfect content material . 517247

Reply
Book of Ra UK 13 أغسطس، 2025 - 10:20 م

973401 27149Aw, this was a genuinely good post. In thought I would like to spot in writing in this way moreover – taking time and actual effort to create a very great article but what / items I say I procrastinate alot and also no indicates apparently get something done. 463646

Reply
checkslip 3 سبتمبر، 2025 - 7:57 م

895386 918529Normally I dont learn post on blogs, nevertheless I wish to say that this write-up quite pressured me to try and do it! Your writing taste has been surprised me. Thank you, quite fantastic post. 865335

Reply
alyarmook 6 ديسمبر، 2025 - 5:06 م

593862 893734Sweet internet site , super design , really clean and utilize genial . 280631

Reply
cryptocurrency news 7 ديسمبر، 2025 - 6:01 ص

957636 573258Flexibility indicates your space ought to get incremented with the improve in number of weblog users. 251269

Reply

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA'S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE EPUBLISHING NEWS - MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS - Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

TOP NEWS

الإعلام الإسرائيلي يكشف ملامح صفقة الأسرى والهدنة

by admin

توصية أميركية بحصول كبار السن على جرعة أخرى من لقاحات كورونا

by admin

اتفاق محتمل للأطراف الليبية يهدد مصير حكومة الدبيبة

by admin

زاو ووكي فنان التجليات البصرية الروحية

by admin

لماذا لا تدرّس الجامعات العربية علم الجمال؟

by admin

حملة لـ”كسر الصمت” حيال التحرش داخل أماكن العمل في الأردن

by admin

الجراحة الروبوتية ثورة في عالم الطب تبشر ببزوغ عصر جديد

by admin

عودة ثنائية “دي بروين – هالاند” الأكثر رعبا في أوروبا

by admin

زيدان على رأس أهداف مالك مانشستر يونايتد الجديد لخلافة تن هاغ

by admin

Retour du visa pour les visiteurs mexicains au Canada

by admin
Facebook Twitter Youtube
Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili