محنة العصر الحديث كما يراها الروائي الهندي أميتاف غوش – CANADA VOICE
السبت, سبتمبر 5, 2026
السبت, سبتمبر 5, 2026
Home عربيثقافة و فنون محنة العصر الحديث كما يراها الروائي الهندي أميتاف غوش

محنة العصر الحديث كما يراها الروائي الهندي أميتاف غوش

by admin

الصراع الراهن بين الإنسان والطبيعة ونتائجه في رواية تتوزع بين الواقع والأسطورة

اندبندنت عربية \ انطوان جوكي 

كثيرون هم الروائيون المهمون في الهند اليوم، لكن إن كان علينا أن ننصح بقراءة واحد منهم فقط، لاخترنا من دون تردد أميتاف غوش. لماذا؟ أولاً، لأن مهاراته السردية والكتابية النادرة وثقافته المدهشة تجعل من كل واحدة من رواياته رحلة لا مثيل لها في الجغرافيا والزمن، في الأساطير واللغات، وبالنتيجة، سفراً داخلياً مسارياً يسمح لنا ببلوغ عمق كينونتنا.

ثانياً، لأن روايات غوش، وإن كانت خيالية، تبقى مرسخة في أرض الواقع وتهجس بقضايا عصرنا الأكثر إلحاحاً، ملقية عليها نظرة إنسانية بصيرة نحن في أمس الحاجة إليها اليوم. ثالثاً، لأن هذا الكاتب الذي درس اللغة العربية في تونس وعلم الأنثروبولوجيا في مصر، ثم في أوكسفورد، ويعيش حالياً بين نيويورك ووطنه الأم، قبل أن يكون هندياً، هو مواطن عالمنا بكليته، وبالتالي قادر على مخاطبة كل واحد منا ومسنا بعمق، وإن كانت الإنجليزية لغة رواياته. كاتب عرف كيف يحافظ على بساطة كبيرة، على الرغم من سعة معرفته، ولم يترك شهرته والجوائز الأدبية المرموقة التي نالها تضعف من اهتمامه بالآخرين.

لغز وخريطة

هذا ما يتجلى فوراً لقارئ رواياته العشر، وآخرها “جزيرة البندقية” التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار “أكت سود” بعنوان “التاجر والإلهة”، وتشكل رواية مغامرات رائعة، مؤثرة بقدر ما هي مسلية ومشوقة. رواية هي في الوقت نفسه رحلة حميمة، وعملية فك لغز إتيمولوجي، ومحاولة ناجحة لرسم خريطة دقيقة لأزمات عالمنا، وفي مقدمها رهانات البيئة ومسألة نزوح أبناء الجنوب إلى الشمال، مقدمة من خلال ذلك رؤية ثاقبة لآفات مجتمعاتنا المسمرة في حالة إنكار خطيرة لما يتهددها.

الترجمة الفرنسية للرواية (دار أكت سود)

وتجدر الإشارة بداية إلى أن “جزيرة البندقية” هي، بطريقة ما، تتمة لرواية “المد الجائع” (2004) لأن أحداث جزئها الأول تدور في المنطقة نفسها، منطقة “سندربان” التي تقع في خليج البنغال، على حدود الهند وبنغلاديش، وتتكون من مئات المستنقعات والجزر الصغيرة التي تفصل بينها قنوات المياه. مكان خلاب بقدر ما هو خطير لأن حركة المد والجزر القوية فيه تغير باستمرار خريطة قنواته المذكورة، والعواصف التي تضربه غالباً ما تؤدي إلى غرق جزره نظراً إلى وقوعها تحت مستوى سطح البحر، ولأنه يعج أيضاً بالثعابين والنمور والتماسيح.

في رواية غوش الجديدة نقع على عدد من شخصيات “المد الجائع”، مثل عالمة الأحياء البحرية، بيالي، الأميركية- الهندية التي تأتي في الرواية السابقة إلى المنطقة المذكورة لدراسة دلافين المياه العذبة، فتكتشف نمط حياة ساحراً، وقصة حديثة وعنيفة، وتلتقي بشخصيات مختلفة تماماً عن تلك التي تعاشرها، وفي مقدمها صياد أمي يصبح مرشدها وصديقها.

لكن في “جزيرة البندقية”، الشخصية المركزية ليست هذه المرأة، بل تاجر كتب نادرة هندي يدعى دين ويعيش في نيويورك. أثناء زيارة لموطن ولادته، مدينة كلكتا الهندية، يذكره قريب له بأسطورة بنغالية غامضة، أسطورة إلهة الثعابين ماناسا التي تسعى طويلاً إلى إقناع تاجر يدعى بندقي ساداغار في أن يصبح واحداً من أتباعها، لكن رفض هذا الأخير تكريمها يدفعها إلى اضطهاده، ما يضطره إلى عبور البحار والقارات للفرار من غضبها. فرار يقوده من مكان خيالي إلى آخر، قبل أن يحط في جزيرة تدعى “جزيرة البندقية”.

مفاجآت الرحلة

يعرف دين هذه الأسطورة جيداً لأنها شكلت موضوع أطروحته الجامعية، لكن أثناء حديثه مع قريبه في شأنها، كان يجهل أنها على وشك قلب مشاريعه رأساً على عقب وتفجير رتابة حياته. فبناء على طلب ملح من عمة يحترم مسيرتها وإنجازاتها في المجال الإنساني، يجد هذا الرجل الستيني نفسه، بضعة أيام قبل عودته إلى بروكلين، في منطقة “سندربان” بغية زيارة معبد في غابة مهدد بالغرق في أي لحظة، يعتقد أن التاجر بندقي ساداغار شيده للإلهة ماناسا. مكان خارج الزمن لن يشكل سوى المرحلة الأولى من رحلة يتتبع دين فيها خطى التاجر المذكور وتتجلى خلالها له أشياء لم تكن في البال ولا الحسبان.

الرواية بالأصل الإنجليزي (أمازون)

وفعلاً، بمساعدة صديقته سينتا، وهي باحثة جامعية شهيرة من مدينة البندقية، متخصصة في تاريخ العصور الوسطى، يكتشف دين تدريجياً أن الأماكن التي حط بها بندقي ساداغار أثناء فراره لم تكن خيالية، بل تتوزع على خط يمتد من الهند إلى مدينة البندقية، مروراً بالشرق الأوسط ومصر. وهو ما يدفعه إلى السفر بدوره من غابات المانغروف في خليج البنغال التي تعصف بها العواصف ويبتلعها البحر شيئاً فشيئاً، إلى كاليفورنيا المشتعلة بالحرائق، فإلى البندقية المهددة بارتفاع منسوب المياه التي تحاصرها. سفر يلتقي خلاله بشخصيات مثيرة كثيرة، أبرزها عالمة الأحياء البحرية بيالي التي يقع في غرامها وتجعله يكتشف منطقة ساندربان ونظامها البيئي الهش، ومأساة انخفاض أعداد الدلافين فيها بسبب السموم التي يفرغها مصنع كيماوي محلي في مياهها. يلتقي بالفتى رافي، ابن الصياد ومرشد بيالي في الرواية السابقة، الذي يشرع بدوره، مع فتى آخر، تيبو، في مغامرة خطيرة تتمثل في الهجرة إلى أوروبا براً وبحراً، بطريقة غير شرعية.

المخاطر البيئية

لن نكشف مآل هذه المغامرات كي لا نفسد متعة قراءة الرواية، لكن ما يمكننا أن نقوله هو أن الكاتب يستثمرها بمهارة تجعلنا نعي ونتحسس في قسمها الأول المخاطر البيئية الجسيمة التي تتهدد كوكبنا، قبل أن يتناول في قسمها الثاني، وبالألمعية نفسها، موضوع النزوح عن طريق الفتيين رافي وتيبو اللذين يمثلان على أفضل وجه آلاف الشبان الذين، للفرار من مستقبل بائس في وطنهم، يضعون أنفسهم تحت رحمة مهربين محترفين لعبور الهند وباكستان وإيران وتركيا، بغية الوصول إلى أوروبا، مكررين بذلك، ومن دون أن يدروا، رحلة التاجر بندقي ساداغار.

واقعية وراهنة إذاً، لا تخلو “جزيرة البندقية” من أحداث “غير طبيعية” تضفي عليها جانباً خارقاً. فبعض شخصياتها تغوص في أحلام ذات طابع تنبؤي، وتسمع أصوات أقربائها المتوفين، وتواجه مصادفات بعيدة عن المعقول. ومثل تاجر الأسطورة الذي تلاحقه إلهة الثعابين للانتقام منه، يجد بطلها دين نفسه عرضة لتجليات ثعابين في أكثر الأماكن غير المتوقعة.

ولدى قراءتها، تستحضر هذه الرواية مراراً إلى أذهاننا روايات أومبرتو، سواء بذلك المزيج من المغامرات والمعرفة المدوخة والجانب الباطني فيها، أو بإثارتها اهتمامنا وتلبية فضولنا في موضوعات مثيرة لا تحصى، نذكر منها سلوك الدلافين الملغز، بدايات الطباعة، تقاطع مصدر كلمات عديدة في لغات مختلفة، مدينة البندقية خلال القرن السابع عشر، من دون أن ننسى ذلك الكتاب القديم الذي يقع دين عليه بالصدفة داخل متحف ويتبين أنه يشكل واحدة من قطع أحجية أسطورة التاجر والإلهة.

لكن قيمة هذا العمل لا تقتصر على ذلك، إذ تنتظرنا أيضاً داخله صفحات غزيرة مرصودة تارة لتحليل دور الهواتف المحمولة في تغيير رؤية أفقر أبناء الهند للعالم، وطوراً لوصف الأرصفة الخشبية لمدينة البندقية التي تنخرها ديدان تهدد أساساتها، ومرة لكشف حقيقة وجود طائفة كبيرة من المهاجرين البنغلاديشيين في هذه المدينة تؤدي، باضطلاعها بمعظم الوظائف الصغيرة فيها، دوراً بات يتعذر على أبناء البندقية الاستغناء عنه…

لكن أكثر ما يفتننا في “جزيرة البندقية” هو تسليطها ضوءاً كاشفاً على الصراع الراهن بين الإنسان والطبيعة ونتائجه المناخية والبيئية، عن طريق أسطورة التاجر بندقي، الذي يمثل البشر، والإلهة ماناسا، التي تمثل عالم الطبيعة. صراع يتجلى على طول الرواية ويبلغ ذروته في المشهد الأخير والرائع منها الذي نرى فيه سفينة محملة باللاجئين تتقدم نحو الشاطئ الإيطالي، وتقودها امرأة إثيوبية غامضة ترمز من دون شك إلى الإلهة ماناسا. سفينة لا تلبث أن تثير أزمة سياسية كبيرة داخل إيطاليا، وحين تحاول مراكب الأحزاب اليمينية المتطرفة منعها من التقدم، تلتف حيتان البحر المتوسط وملايين الطيور حولها، ضمن طقس حماية واستقبال للمهاجرين يقشعر الأبدان، ويشكل بدوره صدى لأحد فصول الأسطورة.

المزيد عن: روائي هندي \رواية \رحلة \ترجمة \باريس \الغابة \الهند \مغامرة

 

 

You may also like

9 comments

freshbet 12 أبريل، 2025 - 11:23 ص

833383 266327I discovered your weblog web site on google and check some of your early posts. Proceed to keep up the exceptional operate. I just extra up your RSS feed to my MSN News Reader. In search of ahead to studying extra from you in a even though! 659413

Reply
About BAU 13 أبريل، 2025 - 1:01 ص

863999 965962I come across your webpage from cuil and its high quality. Thnkx for giving this sort of an incredible write-up.. 829939

Reply
1Win APP 24 مايو، 2025 - 4:09 ص

505268 46968Thanks for the blog loaded with so several info. Stopping by your blog helped me to get what I was searching for. 685060

Reply
Sweet Bonanza slot 30 مايو، 2025 - 2:17 م

507062 376813I came towards the exact conclusion as properly some time ago. Fantastic write-up and I will be sure to appear back later for a lot more news. 268060

Reply
บาคาร่าเกาหลี 22 يونيو، 2025 - 8:55 ص

50366 286642I like the valuable info you give in your articles. Ill bookmark your weblog and check once more here regularly. Im quite certain Ill learn many new stuff appropriate here! Very good luck for the next! 97463

Reply
pgslot168 14 يوليو، 2025 - 12:19 ص

95954 626432I feel other internet site proprietors ought to take this internet internet site as an example , very clean and great user genial style . 834174

Reply
UoBilad Alrafidain 20 أكتوبر، 2025 - 2:23 م

117195 975111Hey There. I discovered your weblog employing msn. That can be a quite smartly written post. I will make confident to bookmark it and come back to read more of your beneficial details. Thanks for the post. I will certainly return. 360795

Reply
บทความ LSM99 30 يناير، 2026 - 4:18 ص

515479 886727Hey, you?re the goto expert. Thanks for haingng out here. 621618

Reply
more information 3 فبراير، 2026 - 1:26 ص

705068 832941This really is the proper weblog for anybody who hopes to learn about this topic. You know a whole lot its almost tough to argue along (not that I actually would wantHaHa). You surely put a complete new spin for a topic thats been written about for years. Excellent stuff, just wonderful! 324447

Reply

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA'S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE EPUBLISHING NEWS - MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS - Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

TOP NEWS

الإعلام الإسرائيلي يكشف ملامح صفقة الأسرى والهدنة

by admin

توصية أميركية بحصول كبار السن على جرعة أخرى من لقاحات كورونا

by admin

اتفاق محتمل للأطراف الليبية يهدد مصير حكومة الدبيبة

by admin

زاو ووكي فنان التجليات البصرية الروحية

by admin

لماذا لا تدرّس الجامعات العربية علم الجمال؟

by admin

حملة لـ”كسر الصمت” حيال التحرش داخل أماكن العمل في الأردن

by admin

الجراحة الروبوتية ثورة في عالم الطب تبشر ببزوغ عصر جديد

by admin

عودة ثنائية “دي بروين – هالاند” الأكثر رعبا في أوروبا

by admin

زيدان على رأس أهداف مالك مانشستر يونايتد الجديد لخلافة تن هاغ

by admin

Retour du visa pour les visiteurs mexicains au Canada

by admin
Facebook Twitter Youtube
Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili