ثقافة و فنونعربي “قفص” فدى جريس… دون المجاز وفوق الواقع by admin 29 أكتوبر، 2019 written by admin 29 أكتوبر، 2019 143 عرب 48 / وسام جبران من الصمت إلى الصمت، هي مسافة العبور الثقيل والمُضجّ داخل “القفص”، حيث تصف الكاتبة فدى جريس مشهدًا بات مألوفًا في حياة الفلسطينيّ اليوميّة. إنّه الحاجز، هكذا دون المجاز وفوق الواقع. ها هو الحاجز يتخطّى معناه الوظيفيّ الودود المحتمَل في حياة البشر العاديّة، وفي الأوطان الآمنة، ولم يعُد مجازًا يستخدمه الكاتب للتعبير عن دواخله النفسيّة أو ما شابه هذا. الحاجز في قصّة “القفص” هو ذلك الّذي لا يعرفه غير الفلسطينيّ في واقع الحياة، ولا يعرفه أيّ قارئ مجتهد في مجازات الأدب. الإعاقة هناك، حيث يجري تكديس المجتمع الفلسطينيّ وحشره من قِبَل الاحتلال الإسرائيليّ الأسمنتيّ الشائك، وحيث الزحام الفائض عن الحياة الإنسانيّة الطبيعيّة، هناك تحديدًا يتركّز مشهد الإعاقة؛ إعاقة الحركة لا بوصفها مجرّد تنقّل مكانيّ أو عبور وظيفيّ، بل إعاقة للسيرورة الزمنيّة الانسيابيّة الضروريّة للإنسان الفرد، الّذي يجري خلف قوّته أو دوائه اليوميّ، وإعاقة لحركة الجماعة وسيرورتها، بوصفها جماعة لا ذنب لها سوى أنّها تشكّل آخَر – أكان في اللاواعي المتشكّل عبر الموروث التوراتيّ أم في اللاواعي المتأتّي عن الأساطير السياسيّة والسرديّات الغيبيّة الحديثة -، مكروهًا وغير مرغوب فيه. الضغط المكانيّ، والازدحام، والتعويق، والحشر الزمنيّ والنفسيّ، لا تترك “أبطال” القصّة من غير سلاح يواجهون فيه هذا المشهد الأسمنتيّ الثقيل، وها هو سمير – أحد شخصيّات القصّة – يُشهر سلاحه بكلّ صلف، ويضغط بقبضته على بوق السيّارة، كمن يتمنّى لو يشقّ الأفق بالضجيج الأخير المتوفّر في اليد. من التأفّفات الهامسة إلى التذمّر الكلاميّ إلى زعيق السيّارات، يخرج الصمت تدريجيًّا عن صمته، في مشهد يستدعي من القارئ قراءة موسيقيّة صوتيّة، لمقاربة الحالة الشعوريّة واستدراج التعقيد “السيمفونيّ” السياسيّ، الّذي يتركّز باحتدام بالغ داخل قفص العبور الضيّق، من الوطن إلى الوطن. للحاجز الّذي يمرّ بين الوطن والوطن ذاته، مرور الدم في شريان متصلّب متقطّع اسمه “قلنديا”، وكأنّه بات جزءًا، ولو متورّمًا، من جغرافيا الوطن وأماراته اليوميّة، بينما يتفتّت اسم الوطن الواحد داخل الضجيج والصخب. مجازات “القفص: صخب وصمت في مجموعتها القصصيّة “القفص”، وفي قصّة “القفص” تحديدًا، تُمعن فدى جريس في الواقعيّة حتّى تبدو فجّة لوهلة، بعيدة عن “التفنّن” القصصيّ. هذا في القراءة الأولى. لكن، وفي ما يبقى صدى القصّة يتردّد في ذهن القارئ الّذي يعيش الواقع الفلسطينيّ يوميًّا، تبدو مجازات “القفص”، تدريجيًّا، وكأنّها قد دُفعت بفعل الثقل الأسمنتيّ لهذا المشهد الواقعيّ إلى خارج النصّ، بل إلى خارج أمعاء الواقع ذاته؛ فالمجازات هنا لا تُفصح عن نفسها إلّا تحت وطأة غيابها الفولاذيّ، تارةً في بنية “القفص” الّذي يتشكّل فراغه من الصخب بكلّ ما أوتي من معانٍ، بينما جدرانه من صمت مُتوارٍ يستدعي مجازاته دون إقحام وبتمنُّع عنيد، وتارةً تطلّ هذه المجازات من خلال طفل يتوسّل خلف زجاج السيّارة العالقة في “قفص” الزمن القلنديّ – نسبةً إلى قلنديا – ليبيع منديلًا ويُقابَل بالرفض. مشهد تتلخّص فيه علاقات البشر بالبشر والطبقات بالطبقات، تحت وطأة اللحظة الصغيرة الّتي تضغط الإنسان الفلسطينيّ، لتحجب عنه اللحظة الكبيرة الّتي تفرش ظلالها فوق حياته؛ لحظة الفقدان. المجازات هنا لا تُفصح عن نفسها إلّا تحت وطأة غيابها الفولاذيّ، تارةً في بنية “القفص” الّذي يتشكّل فراغه من الصخب بكلّ ما أوتي من معانٍ، بينما جدرانه من صمت مُتوارٍ يستدعي مجازاته دون إقحام وبتمنُّع عنيد “… الحصار الكامل/ الأسمنت يفصل جانبَي الشارع/ لا توجد طريقة حتّى للالتفاف والعودة…”، هكذا تصير “السيّارة” و”العالقون فيها” عند فدى جريس، كخزّان الماء عند غسّان كنفاني، وكأنّ الزمن الفلسطينيّ لا يتحرّك إلّا بوصفه “زمنًا عالقًا”. سورياليّة الواقع الفجّ تتبع فدى جريس أسلوبًا تقريريًّا صحافيًّا في مجمل كتابتها القصصيّة، وكأنّها تتحدّث إلى قارئ “أجنبيّ” تشرح له واقع الفلسطينيّ. لكن ماذا يحدث حين يصطدم القارئ الفلسطينيّ، الّذي يمكن أن يكون إحدى شخصيّات هذه القصّة أو تلك، وعضوًا حيًّا في متنها، بالنصّ؟ هذا هو، ربّما، سؤال “الفنّ الواقعيّ” أو “الفنّ العينيّ (Concrete Art) بامتياز. سؤال يضعك أمام النصّ عاريًا تبحث من الصفر عن ذاتك، في مواجهة تفاصيل هذا الواقع الّذي لا يقول لك بترّهاته أيّ شيء، إلّا كي يقول لك كلّ شيء؛ فما معنى الرسوم والشعارات (المُبتذلة فنّيًّا إن شئتم) فوق الجدار؟ وما معنى “الاكتظاظ الفوضويّ للسيّارات والبشر”؟ ما معنى تفاصيل كهذه بالنسبة إلى رامي الحبيس في السيّارة العالقة، حين “تذكّر فجأة المكتب الأنيق… في رام الله”، حيث يعمل؟ هي سورياليّة الواقع الفجّ، لا سورياليّة يفتعلها التفنّن القصصيّ. فلا عقيدة “التاو” نفعت هيام الّتي تبلع ريقها أمام جنديّة “تنبح بالعبريّة”، ولا “حبّة الفاليوم”، ولا “دروس اليوجا”، ولا “سيجارة مخدّر”. لا شيء ينفع هنا لمواجهة “الوقفة زيّ الغنم” في دور المشاة، على الحاجز الّذي جعل شذا تشعر بالراحة لأنّها عالقة داخل “سيّارة” وليس في “المحاشرة” مع “الغنم” في خضمّ الضجيج والغضب والاختناق، تخرج من رامي عبارة “طَوِّلْ بالَكْ/ شْوَيْ ومنْخَلِّصّ”، بالمحكيّة الفلسطينيّة الدارجة. “شْوَيْ ومِنْخَلِّصّ” هي العبارة الّتي تتمخّض عن المشهد الكارثيّ، فتصير أشبه بعنوان صارخ له يُجيب عن السؤال السابق “كيف وصلنا لهون؟”؛ وهو بذلك ليس استراحة محارب، ولا انكماشًا وجوديًّا يجعل من سقف أحلام الفلسطينيّ أخفض من “صراع بقاء” آنيّ غير منهمك إلّا باللحظة العينيّة، بل هو تحريض بهيئة الواقع المحتقن الّذي يواجه حاضره المستمرّ بالصبر؛ فلا عقيدة “التاو” نفعت هيام الّتي تبلع ريقها أمام جنديّة “تنبح بالعبريّة”، ولا “حبّة الفاليوم”، ولا “دروس اليوجا”، ولا “سيجارة مخدّر”. لا شيء ينفع هنا لمواجهة “الوقفة زيّ الغنم” في دور المشاة، على الحاجز الّذي جعل شذا تشعر بالراحة لأنّها عالقة داخل “سيّارة” وليس في “المحاشرة” مع “الغنم”. هذا بينما يرتّب دان – الجنديّ الإسرائيليّ – مواعيده الغراميّة لهذه الليلة بالهاتف، وينتظر انتهاء خدمته ليسافر ويتمتّع ويكبر كما يكبر البشر! التفاصيل لم تُغفل القصّة تفاصيل الحياة الفلسطينيّة بكلّ تعقيداتها، وكأنّها توثّق لا تقصّ؛ فتمرّ بالهويّات الزرقاء وتقارير “الأمم المتّحدة” وإخفاقات السلطة وأوسلو، ما قبلها وما بعدها، والكثير الكثير من التفاصيل الّتي تبدو مألوفة وممجوجة لكلّ فلسطينيّ ومهتمّ بالشأن الفلسطينيّ. من بين هذه التفاصيل وفيها، تتأصّل الحكاية، في الجمل البسيطة العابرة الّتي لا نولي لها بالًا: “لو منشتغل بحيفا كان وصلنا!” قالت هيام لشذا، هكذا تُطلّ حيفا من نافذة الحديث العاديّ الّذي لمّا تتهشّم فيه خريطة فلسطين بعد. د. وسام جبران مؤلّف موسيقيّ وشاعر. درس التأليف الموسيقيّ في عدد من العواصم العالميّة، مثل موسكو وبرلين، كما درس علم الدماغ في برلين وفلسطين. له المئات من المؤلّفات الموسيقيّة، وهو حاصل على 40 جائزة عالميّة ومنحة إبداعيّة في الموسيقى والبحث العلميّ والشعر. صدر له عدد من المؤلّفات البحثيّة والأدبيّة والأسطوانات الموسيقيّة. أسّس عام 2013 “أكاديميّة جبران للموسيقى والفنون” في الناصرة. المزيد عن : القفص /فدى جريس /فلسطين /إسرائيل /الاستعمار /الاحتلال /الحاجز /الفن الواقعي /قصص /سرد /قصة /أدب 6 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post Send Attractive Gifts youngsters And Infants next post كراسيّ ألمودوفار الثلاثة في “ألم ومجد” You may also like د. رشيد العناني في “الشرق الأوسط”: جنسنا البشري... 5 أغسطس، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الأوسط”: بهلوان قصر هشام 5 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: كليوباترا… كما نعرفها ولا... 5 أغسطس، 2026 أنطوان أبو زيد في”اندبندنت عربية”: حازم صاغية يستعيد... 5 أغسطس، 2026 مئة عام على ميلاد البياتي… و27 سنة على... 4 أغسطس، 2026 قصيدة «أتذكر السياب»… بين درويش والنقاد 4 أغسطس، 2026 الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 6 comments takipçi satın al 1 أكتوبر، 2021 - 9:00 م takipçi satın al Reply 1win 4 أبريل، 2025 - 11:22 م 656342 530879Youd outstanding guidelines there. I did a search about the field and identified that extremely likely the majority will agree with your web page. 33822 Reply 1xslots casino 6 يوليو، 2025 - 10:57 ص 376349 259686Hey There. I discovered your weblog employing msn. That can be a extremely smartly written write-up. I will make positive to bookmark it and come back to read much more of your helpful information. Thanks for the post. I will undoubtedly return. 897337 Reply 7slots indir 13 سبتمبر، 2025 - 7:08 ص 921592 742259I like what you guys are up also. Such intelligent work and reporting! Keep up the superb works guys Ive incorporated you guys to my blogroll. I believe itll improve the value of my website . 269580 Reply Gold Police Badges Badges 23 أكتوبر، 2025 - 3:40 م I completely agree with your points. Well said! Reply veneer 29 أغسطس، 2026 - 10:07 ص 58972 728969Youre so appropriate. Im there with you. Your blog is surely worth a read if anyone comes throughout it. Im lucky I did because now Ive obtained a complete new view of this. I didnt realise that this concern was so critical and so universal. You absolutely put it in perspective for me. 940487 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.