فتحي عبد الله رحل بعد أن دجن الموت شعريا – CANADA VOICE
الخميس, سبتمبر 3, 2026
الخميس, سبتمبر 3, 2026
Home عربيثقافة و فنون فتحي عبد الله رحل بعد أن دجن الموت شعريا

فتحي عبد الله رحل بعد أن دجن الموت شعريا

by admin

ينتمي إلى شعراء الثمانينيات في مصر وقارب التراث حداثياً وتفرد برؤيته الصوفية

اندبندنت عربية / محمد السيد إسماعيل 

ينتمي الشاعر المصري فتحي عبد الله (1957-2021) إلى ما اصطلح على تسميته جيل الثمانينيات؛ وهو جيل يختلف في سياقه العام ورؤى شعرائه عن الأجيال السابقة. فقد نشأ جيل الستينيات – إذا حاولنا البدء به – في ظل حكم شمولي يهيمن على كل منابر الثقافة بمجلاتها الطليعية التي كانت، في هذه الفترة “بوابة” تحقق حضور شعراء هذا الجيل ومثقفيه بصورة عامة. ومع جيل السبعينيات بدأ تجريف الثقافة، وظهرت مجلات لا تعبر عن زخم الحركة الشعرية، الأمر الذي دفع السبعينيين إلى تكوين جماعاتهم الشعرية والخروج من المأزق بما عرف بثورة “الماستر”. وكان من أهم هذه الجماعات جماعة “إضاءة” التي قدمت عبر مجلتها التي تحمل الاسم نفسه، للحياة الثقافية أهم شعراء هذه المرحلة، وجماعة “أصوات” التي احتضنت الشعراء الأكثر اختلافاً؛ معتمدة على ندوتها الأسبوعية، وطبع دواوين شعرائها. وعلى الرغم مما حققته هذه الجماعات من حضور وانتشار، فإن جيل الثمانينيات لم يسعَ إلى إعادة إنتاجها؛ ما أدى إلى تعدد الرؤى وطرق التعبير.

وفي هذا السياق بدأ فتحي عبد الله، الذي وافته المنية يوم الخميس الماضي، بعد وعكة صحية، كتابته المختلفة حقاً والمتميزة والمحققة لبصمته الشعرية شديدة الخصوصية، ومن ذلك اقترابه، بصورة مختلفة عمن سبقوه، من الثقافة الشعبية الريفية منذ ديوانه الأول “راعي المياه” عام 1993، حين نكتشف أن هذا العنوان يحيل إلى أبيه/ الفلاح البسيط “الذي فقد ساقه اليمنى/ وما زال ينتظر/ رجعة القمح في كل صباح”.

إعلاء قيمة التواصل

وانتماء الشاعر إلى أبيه خصيصة ثقافية ريفية تعلي من قيمة “التواصل” الخلاق، وتنأى عن فكرة القطيعة ومقولة “قتل الأب” المجازية التي شاعت في الجيل السابق. يقول فتحي عبد الله مؤكداً تيمة هذا التواصل: “الإغماءة الوحيدة التي رافقتني/ وجدتها بين طائرين/ فأجريت المياه/ رأيت أبي/ بأبقاره السمينة/ يزور الضريح/ ويذكرني في صلاته/ كررت ما يفعل/ سمعت بين الحين والآخر/ أطفالي يتعلمون الكلام”.

ومن اللافت أن تيمة التواصل لا تقوم فحسب، بين الشاعر وأبيه ثم أطفاله الذين تعلموا منه “الكلام”، بل تمتد إلى التواصل بين الإنسان والطبيعة بعناصرها وكائناتها، فتتكرر دلالات: المياه، والأبقار، والطيور، والغيوم. كما نجد آصرة دائمة بين الأحياء والموتى ممثلة في زيارة الأب للضريح، وهي عادة ريفية تنتقل إلى الابن – الشاعر – ثم إلى الأحفاد في دورة لا تنتهي، بل تمتد تيمة التواصل لتربط بين الحاضر والماضي حين تستدعى أبقار الأب السمينة حلم فرعون الذي رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات عجاف، وتفسير يوسف – عليه السلام – لهذا الحلم. والحقيقة أن إشارات فتحي عبد الله التي تستدعي التراث تأتي شديدة الإيجاز وتحتاج إلى معرفة متنوعة، وهذا ما نلاحظه حين يتحدث عن محيي الدين بن عربي بشاله الأبيض ونزوله بين البراري “ليعرف الأبناء/ ويبارك المياه/ فربما تتكرر الحروب/ وتأخذ الأشجار جانب الأعداء”. فإشارته إلى الأشجار التي تأخذ جانب الأعداء تستدعي قصة زرقاء اليمامة التي حذرت قومها من شجر يتحرك فاتهموا عينيها بالبوار.

ديوان للشاعر (منشورات الدار)

وفي الرؤية الصوفية يتساوى في الحضور، الأحياء والموتى، وهو ما يفسر تكرار دلالة “الموتى” حين نقرأ: “يحدث دائماً/ هبوطي من الأعالي/ وفيضان في قاع المنزل/ أرتب أمواتي الأعزاء/ وبقليل من الهدوء/ أضع القوارب”.

موازاة ضدية

إن الشاعر لا يأوي ساعة هذا الفيضان إلى “جبل”، بل يهبط من “الأعالي” لكى يرتب أمواته الأعزاء، ويضعهم في القوارب، ويعبر بهم هذا الفيضان الذي غمر قاع المنزل. وربما بهذا نكون إزاء موازاة ضدية لقصة طوفان نوح واعتصام ابنه بأعلى الجبل وغرقه في نهاية الأمر. ولا يتعامل الشاعر مع الموت على أنه نقيض الحياة، وعليه فليس غريباً أن يسأل زوجته عن “ساعي البريد” الذي قد يكون في رؤيته، واسطة التواصل بينه وبين الموتى الذين يخطرون في شقته. ونلاحظ أن أرواح هؤلاء الموتى هي الأكثر اقتراباً من الطبيعة وأسرارها. فبعد خمسة وعشرين عاماً من ترتيب الشاعر لموتاه والعبور بهم فوق سطح الفيضان نجد أن “المياه لا تزال/ وربما الأموات زاروا الحقول”.

وفي قصيدة “ليس هناك” تتضح هوية هؤلاء الموتى، إنهم أهله في “القرى” المصرية الذين يعتذر منهم عما اقترفه أبناؤهم حين “نهبوا مخازن الغلال/ وذهبوا لضواحي المدينة”، أملاً في أن يعثروا على “ملاك بأجنحة خفيفة ويعودوا للتحية”.

هذا التواصل والتداخل نجدهما أيضاً في ديوان “أثر البكاء” بين الروحي والحسي. ففي قصيدة “رجل أخضر يوزع المسك” – لاحظ أجواء العنوان الروحية – يتحدث عن تلك “المرأة” التي “لا ترد من يحمل أخفافها… إلى بئر قديمة/ وتترك الدراويش في حفلات السهر/ ينظرون إلى بطنها في ذهول”.

هذه الأجواء الصوفية التي تبدت في “أثر البكاء” على استحياء، تزداد رسوخاً في ديوان “الرسائل عادة لا تذكر الموتى”؛ حين يحضر الأب بمعناه العرفاني والشخصيات الواصلة بين الحياة والموت بطاقاتهم الروحية مثل الدرويش، وصولاً إلى الأشباح والملائكة، ويحضر الأب بعد موته الفيزيقي بوصفه رمزاً للماضي الذي يعيد ترتيب الأشياء ويطمئن على مواضعها: “الرسائل عادة لا تذكر الموتى/ لكنهم يظهرون في أوقات متأخرة من الليل/ كأن يغلق أبي خزانة الطعام/ ويطمئن على نوم أمي”. فالليل، زمن الأسرار وانكشاف الرغبات، هو مسرح الأحداث، إذ يأتى الأب من عالمه أو حقوله البعيدة ليطمئن على خزانة الطعام ونوم زوجته. كما يعتمد الشاعر على تجاور الأزمنة والأمكنة حين نقرأ مثلاً: “ربما ترك جان جينيه/ قمصانه لفتيان المقهى/ واختفى بين البواخر/ يلتقط الإشارات من قتلى على أبواب طنجة”. ونجد باريس، موطن جان جينيه، وأبواب طنجة في المغرب. والحقيقة أن الأمكنة تأتي غالباً بصيغة عمومية، على الرغم من اتصالها بأداة التعريف وإفرادها أحياناً مثل المقهى/ الجبال/ الصحراء/ المقابر/ الطريق. ومن الواضح ارتباط بعضها بالبعد الروحي المستمد من الموروث الديني والشعبي بحكاياته وأساطيره. وكما تغيرت دلالة الموت، تحولت أيضاً دلالة القتل مع تغيير سياقاته المكانية، الأمر الذي جعله يقول: “أنا لا أصدق الموت”؛ لأنه يعتمد فحسب، على قوة الروح التي لا يمكن تمزيقها.

وهكذا تستمر آلية التحولات فاعلة على مدار أعمال صاحب ديواني “سعادة متأخرة”، و”موسيقيون لأدوار صغيرة”، الذي لن يقدر له الاحتفال بصدور آخر دواوينه “يملأ فمي بالكرز”، صانعة رؤية شعرية متميزة على مستوى الأداء الشعري والتيمات الموضوعية.

المزيد عن: شعر/شاعر مصري/الريف/الأب/الصوفية/الحداثة/جيل الثمانينيات/القاهرة/قصيدة النثر

 

 

You may also like

7 comments

บาคาร่าเกาหลี 22 يونيو، 2025 - 6:30 م

537620 380673You produced some respectable points there. I looked on the internet for the concern and identified many people will go along with along with your website. 827810

Reply
aviator games 13 أغسطس، 2025 - 6:48 م

732671 552204Some truly great content material on this web web site , appreciate it for contribution. 600064

Reply
Le Bandit slot in Great Britain 18 أغسطس، 2025 - 3:37 م

358639 885311After study several of the weblog posts on your personal internet site now, we genuinely like your way of blogging. I bookmarked it to my bookmark internet website list and are checking back soon. Pls consider my web-site likewise and make me aware in case you agree. 119495

Reply
เช็คสลิปโอนเงิน 3 سبتمبر، 2025 - 3:00 م

940898 626777Oh my goodness! a fantastic write-up dude. Thanks a great deal Nonetheless We are experiencing trouble with ur rss . Do not know why Not able to sign up to it. Possibly there is anybody acquiring identical rss difficulty? Anyone who knows kindly respond. Thnkx 504353

Reply
Bunter Hunter Badges 23 أكتوبر، 2025 - 12:27 ص

This is a topic I’ve been curious about. Thanks for the detailed information.

Reply
jav 16 نوفمبر، 2025 - 9:30 ص

361668 908913Some genuinely nice and utilitarian info on this web web site , likewise I think the layout has amazing functions. 871986

Reply
UFA246 ทางเข้าเว็บตรงยูฟ่าเบทที่เชื่อถือได้ 29 أغسطس، 2026 - 1:12 ص

557100 357141I very pleased to locate this internet site on bing, just what I was seeking for : D too bookmarked . 261818

Reply

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA'S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE EPUBLISHING NEWS - MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS - Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

TOP NEWS

الإعلام الإسرائيلي يكشف ملامح صفقة الأسرى والهدنة

by admin

توصية أميركية بحصول كبار السن على جرعة أخرى من لقاحات كورونا

by admin

اتفاق محتمل للأطراف الليبية يهدد مصير حكومة الدبيبة

by admin

زاو ووكي فنان التجليات البصرية الروحية

by admin

لماذا لا تدرّس الجامعات العربية علم الجمال؟

by admin

حملة لـ”كسر الصمت” حيال التحرش داخل أماكن العمل في الأردن

by admin

الجراحة الروبوتية ثورة في عالم الطب تبشر ببزوغ عصر جديد

by admin

عودة ثنائية “دي بروين – هالاند” الأكثر رعبا في أوروبا

by admin

زيدان على رأس أهداف مالك مانشستر يونايتد الجديد لخلافة تن هاغ

by admin

Retour du visa pour les visiteurs mexicains au Canada

by admin
Facebook Twitter Youtube
Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili