بأقلامهم غسان شربل في”الشرق الاوسط” : الرئيس ومفتاح المضيق وكأس الإقليم by admin 30 يونيو، 2026 written by admin 30 يونيو، 2026 10 بعد توقيعِ المذكرةِ تصرَّفت طهرانُ وكأنَّها تلقَّت أو انتزعت هديةً كبرى في مقابلِ التَّنازلِ في الموضوع النووي. تتصرَّفُ كأنَّها انتزعت مفتاحَ المضيق وجعلته العمودَ الفقريَّ لترسانتِها في المرحلةِ المقبلة. الشرق الاوسط / غسان شربل كاتب وصحافي لبناني. رئيس تحرير «الشرق الأوسط» منذ 2016. ترأس تحرير صحيفة «الحياة» ومجلة «الوسط» سابقاً. بدأ عمله في صحيفة «النهار» محرراً ثم معلقاً في قسم الشؤون العربية والدولية، وانتقل إلى وكالة الصحافة الفرنسية، ومنها إلى صحيفة «الشرق الأوسط». الصُّورةُ التي نشرَها على منصتِه «تروث سوشال» بالغةُ الدّلالات. يظهرُ دونالد ترمب في الصُّورة ملتفّاً بالعلمِ الأميركي حاملاً على كتفيه مجسّماً للكرةِ الأرضية. والصُّور أكثرُ بلاغةً من الكلام. والرّسالةُ واضحة. يعتبر صاحبُ الصورةِ نفسَه حاملاً أعباءِ الكرةِ الأرضية بِرُمَّتِها وليس فقط أميركا التي أعادَ إليها عظمتَها بعدمَا كادت تندثر على يدِ أسلافه وفقاً لأقوالِه ومبالغاته. في الكرةِ الضَّخمة التي حملَها على كتفيه دولٌ وحروبٌ ونزاعاتٌ مريرةٌ واقتصاداتٌ مترنّحةٌ وجموعٌ من اللاجئين والجياعِ والدول المتصدعةِ وأخرى لا تكفُّ عن شحذ أظافرِها للإمساك بمصيرِ جيرانها. وكأنَّه أرادَ القولَ إنَّ كلَّ ملفات هذا العالمِ أُلقيت على عاتق رجلٍ واحد. الرَّجلُ الجالسُ في المكتبِ البيضاوي يقلقُه إفلاتُ الأيام من بين أصابعِه ويحلمُ بالتمدّد في كتبِ التاريخ وعلى صدرِه أوسمةٌ كثيرةٌ في طليعتها جائزةُ نوبل للسلام. القصةُ ليست بسيطةً. رجلٌ يتفرَّد بقيادة بلدٍ عملاق يتفرَّدُ بقيادة العالم. يطفئُ حريقاً هنَا ويمنع امتدادَ النار هناك. ثم تطلُّ الصُّورة. كبيرُ الإطفائيين في هذه الكرةِ المحمومة وهو يقصدُ أنَّه الإطفائي الوحيد. لا يتردَّد في إحصاءِ الحروب التي أوقفها أو منعَ اندلاعَها. ليس من المبالغةِ اتّهامُ الرجل بالمبالغات لكنَّه الواقع. لا يمكن حياكة أي اتفاقٍ كبيرٍ من دون هذا الخيطِ الأميركي الصَّعب، سواء أحببنَاه أم كرهنَاه. لم نشاهدْ صورةَ لفلاديمير بوتين ملتفّاً بالعلمِ الروسي وحاملاً الكرةَ الأرضية على كتفيه. لم نشاهدْه حتى يحملُ مجسماً للاتحاد السوفياتي مطالباً باستعادتِه إلى الواقع من نومه العميقِ في متاحف التاريخ. نادراً ما يجرؤُ زعيمُ دولةٍ كبرى على شخصنة السياساتِ والخيارات إلى هذا الحدّ. لهذا يعيش العالمُ على توقيت السَّيد الرئيس وأسلوبِ السَّيد الرئيس ومزاجِ السَّيد الرئيس. يجلس محاطاً بكبار معاونيه فيتبارونَ في امتداحه وينسبونَ إليه كلَّ فضيلة وإنجاز. هذا المشهدُ نادرٌ في الديمقراطيات الغربية. المشهدُ يذكّرُ بمدائحِ أعضاءِ القيادة القطرية إذا أُعطوا فرصةَ التَّحدثِ بين يدي صدام حسين. لم نشاهدْ أيضاً صورةً لإمبراطور الصين ملتفّاً بعلم بلادِه مطالباً بالفوز بكأس زعامةِ العالم. مطالبُه الحاسمةُ تقتصر على إعادةِ تايوان إلى الحضنِ الصيني ومن حسنِ حظّ العالم أنَّ صبرَه لم ينفد بعد. الرئيسُ ترمب رجلٌ قوي. زعيمٌ قويٌّ لأقوى بلد في العالم. لهذا يقدّمُ نفسَه في صورةِ كبير الأطباء في مستشفى «القرية الكونية». يستقبلُ المناطقَ المريضة أو الملفاتِ المزمنة أو يستدعيها ثم يعلنُ نجاحَ العلاجِ وتكون الصُّورة. لكنَّ العالمَ شديدُ التعقيد. لا تكفي لشفاءِ أمراضِه دبلوماسيةُ الصدمات. ودبلوماسيةُ الهاتف. والمصافحاتُ الحارَّة. والتربيتُ على الأكتاف أو الأيدي. علاجُ الأمراض المزمنةٍ يستلزم تشخيصاً دقيقاً. والالتفات الحذر إلى صحةِ المريضِ وصحة جيرانه. ولا بدَّ من التأمل. والتبصّر. ومعرفةِ تاريخ المريض والمرض. والحرصِ على ألا تساهمَ المراهمُ في التهاب الحروق. وألا تكونَ للمسكناتِ عوارضُ جانبية. وألا تتزايدَ التقرّحاتُ تحت وطأة الضمادات الاحتفالية. الحلولُ مسألةٌ شائكة. وبعضُ المناطقِ مصابٌ بوطأة الجغرافيا أو لعنةِ التَّاريخ أو اجتماع المصيبتين. هذا هو ترمب. ولا خيارَ للعالم غيرُ التَّعامل معه أو التَّعايش. يقدّمُ نفسه في صورة كبير الهدَّافين. كأنَّه أبرعُ من ميسي ومبابي ورونالدو. لكنَّ ملعبَ الكرةِ الأرضية مختلفٌ عن ملعبِ كرة القدم. الأقوياءُ لا يحترمونَ قوانين اللعبة. والقسوةُ تقليدٌ والوحشيةُ واردة. واللعبةُ تدارُ بلا رحمة. والطعناتُ تستهدف سيادةَ الدولِ واستقرارَها واقتصادَها وحدودَها إن لم تصل إلى حدّ تهديدِ الوجود. وفي هذه اللعبة لا يكفي هزُّ شباكِ الخَصم. لا بدَّ من وقفِ اللعبة القاتلةِ وإعادةِ الملعبِ إلى عباءة القانونِ الدوليّ واحترامِ الحقوق والتعايش وإرساءِ قواعد الاعترافِ بالآخر. إنَّ بناءَ الجسورِ أهمُّ بكثيرٍ من هزّ الشباك. رحبتْ دولٌ قريبةٌ وبعيدةٌ بمذكّرةِ التَّفاهمِ الَّتِي منعتِ انزلاقَ أميركا وإسرائيل وإيران إلى فصلٍ مدمرٍ من الحرب. يؤكد ترمب أنَّ إيرانَ تعهَّدت أنَّها لن تحصلَ أبداً على سلاح نووي. هذه النتيجةُ مهمةٌ بالتأكيد. لكنَّ القاصيَ والدَّانيَ يعرف أنَّ الموضوعَ النوويَّ ليس الموضوعَ الوحيد. هناك السُّلوكُ الإقليميُّ لطهران. وترسانتُها الصَّاروخيةُ ومسيراتُها التي كانت تستهدفُ أمس بالذات دولاً عربيةً مجاورة. هناك نهجُ زعزعةِ الاستقرار و«الجيوش الموازية» ودخول الدول من غير أبوابِها الشَّرعية. وهناك قبل ذلك كلّه حريةُ الملاحةِ في مضيق هرمزَ وسلامة الاقتصاد العالمي. بعد توقيعِ المذكرةِ تصرَّفت طهرانُ وكأنَّها تلقَّت أو انتزعت هديةً كبرى في مقابلِ التَّنازلِ في الموضوع النووي. تتصرَّفُ كأنَّها انتزعت مفتاحَ المضيق وجعلته العمودَ الفقريَّ لترسانتِها في المرحلةِ المقبلة. كلامُ الجيشِ الإيراني البارحةَ يستحقُّ التَّوقفَ عنده. قالَ إنَّ «سيطرتَنا على مضيق هرمزَ يمكن أن تشكلَّ آليةً أمنيةً تؤدي إلى إخراجِ أميركا من المنطقة». الإصرارُ على احتكارِ مفتاح هرمزَ قد يتحوَّلُ سلاحاً أخطرَ من تحريك «الأذرع». ربطُ تدفُّقِ البضائع بمزاجِ السياسة الإيرانية مشكلةٌ لا قدرةَ للعالم على احتمالِها ولا قدرةَ لدول المنطقة على التَّعايش معها. أيُّ تسليمٍ لإيرانَ بحقّ حيازة مفتاحِ المضيقِ بعيداً من قوانين البحار والمضائق يعطيهَا سلاحاً حاسماً في معركتِها المزمنةِ للفوز بكأسِ الإقليم، أي بزعامته. من حقّ أيِّ دولةٍ أن تنافسَ على كأسِ الإقليم وزعامتِه بنموذجِ تقدُّمٍ جاذبٍ للازدهار الاقتصادي والتقدم التكنولوجي وتعميق التعاون لكنَّ المنافسةَ بسلاحِ المضيق تضعُ دولَ الإقليم أمامَ خياراتٍ صعبة، أوَّلُها الاستعدادُ لأيامٍ أصعبَ من تلك التي عَبرت. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post كأس العالم الحقيقية تنطلق الآن next post ما المقصود بالمحادثات الفنية بين واشنطن وطهران؟ You may also like ديفيد شينكر في:المجلة: التدخل السوري في لبنان… ترمب... 29 يونيو، 2026 علي مطر يكتب إلى دلال البزري 29 يونيو، 2026 جميل مروة : الاتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان... 28 يونيو، 2026 حازم صاغية في “الشرق الاوسط”: … عن «الصورة»... 28 يونيو، 2026 عبد الرحمن الراشد في “الشرق الاوسط”: تسليم «هرمز»... 26 يونيو، 2026 رضوان السيد في “الشرق الاوسط”: الحرب والسلام ورأس... 26 يونيو، 2026 هارون ي. زيلين .. رصد تنظيم «الدولة الإسلامية»:... 25 يونيو، 2026 حنين غدار تكتب عن ما وراء نزع السلاح: دور “الحرس... 25 يونيو، 2026 Washingtoni nstitute : شرق أوسط ما بعد الحرب؟... 25 يونيو، 2026 An Emerging International Partnership Is Succeeding.. by James... 25 يونيو، 2026