بأقلامهمعربي عثمانيون وفينيقيون: تأسيس الأوطان وتفكيكها by admin 15 سبتمبر، 2019 written by admin 15 سبتمبر، 2019 122 الشرق الاوسط اللندنية / حازم صاغية قبل أيَّامٍ، أثار الرئيس اللبناني ميشال عون، زوبعةَ أفكار ومهاترات حين تحدّث عن «إرهاب عثمانيّ». في الوقت نفسه تقريباً، ظهر على وسائل التواصل من يمجّد الفينيقيين ومن يردّ عليه بتحقيرهم. بغضّ النظر عن الفارق في مواقع المسؤوليّة، بدت الخرافة قاسماً مشتركاً بين «المؤرّخين». ولم يكونوا قلَّة أولئك الذين أشاروا إلى الخلط في معايير الأزمنة وإلى الأحكام التي تنجم عن خلط كهذا. المسألة ليست هنا على أي حال. فالوظيفة الراهنة ليست هذا الهرْف بما لا نعرف. إنّها الهرْف بما نعرف: فإدانة «الإرهاب العثمانيّ» إبّان التمهيد للاحتفال بالذكرى المئويّة لـ«لبنان الكبير» ليس المقصود بها النظام التركي الحالي أو رئيسه رجب طيّب إردوغان. المقصود، إذن نزعنا قشرة الكلام جانباً، السنة اللبنانيّون الذين يجري الربط، بكثير من الاعتباط، بينهم وبين العثمانيّة. إذن، ما قاله عون أقرب إلى إعادة تأسيس رواية للبنان تضعه في مواجهة السنة، وتضعهم في مواجهته. يصعب ألاّ يستحضر المرء، والحال هذه، نظريّة «حلف الأقلّيّات» الذي هو أيضاً «حلف» ثقافات فرعيّة أملَتْ نظرة آيديولوجيّة معيّنة إلى التاريخ عبّر عنها الرئيس اللبنانيّ. في المقابل، بعض الذين دافعوا عن «العثمانيّة» ذهبوا بعيداً في تمجيدها، كما لو كانوا ينبذون عالم «ما بعد السلطنة» الذي انبثقت منه «الهيمنة المارونيّة». هنا، وبين أمور أخرى، قد يُستَدعى وجه جبران باسيل، وزير الخارجيّة، بوصفه كاريكاتور سلطانٍ تُجمع أعداد ضخمة من اللبنانيين على الامتعاض منه ومما يرمز إليه. هكذا، ولكثيرين، بدا من السهل القول، ولو في قرارة النفس: خذوا صهر الرئيس، وأعطونا عبد الحميد الذي تنسبون إليه مظالم التاريخ كلّها. في صدد الفينيقيين، وهم موضوع مسألة أقدم عهداً في تلاسُن اللبنانيين، تواجهنا المماثلات مرّة أخرى: الفينيقيّون يساوون المسيحيين عند بعض المسلمين، وبعضُ المسيحيين يقبلون هذه المماثَلة ويعطونها مضموناً إيجابيّاً بدل المضمون السلبي الذي يُسبغه عليها نقّادها. إذن نحن أمام أشكال أخرى جديدة – قديمة في انبعاث التناقض المسيحي – الإسلامي الذي يعود بقوّة إلى احتلال موقعه في جوار التناقض السنّي – الشيعيّ. هنا، لا بأس بالتذكير بأنّ الأوطان حين تنشأ تستدعي ما أسمي «أساطير مؤسّسة»، والأساطير تُطلّ على الخرافات وتُشركها في المهمّة التأسيسية. هكذا يُختَرع جدود وأسلاف مشتركون كما تُختَرع انتصارات وشهداء «لنا جميعاً». وكما لاحظ المؤرّخ وعالم السياسة البريطاني بنديكت أندرسون، يحتلّ الموت موقعاً مركزيّاً في هذا المشروع، فيُناط بالجندي المجهول وبأضرحة العظماء والأبطال أن يكونوا الأنصاب الدالّة إلى أمّة واحدة. وفي الستينيات الشهابيّة، حين بدا لبنان على درجة من الاستقرار والتوطّد، اشتغلت الأسطورة المؤسّسة بقدر من النجاح. أُجريت عمليّات تجميل وعمليّات تقبيح للتاريخ: ما أُخذ من «العثمانيين» أُعطي لـ«العرب» الذين قُدّموا على «الفينيقيين»، أمّا «مقاومة احتلال العثمانيين» فوُسّع نطاقها لتشمل المسيحيين والمسلمين. شهداء 1916 لو لم يوجدوا لوجب اختراعهم. في بيئة الأحزاب «القوميّة» و«العلمانيّة» و«اليساريّة»، استمرّ الغمز من قناة العثمانيين بوصفهم المسؤولين عن تركة «التخلّف»، ومن قناة «الفينيقيين» بوصفهم مصدر النزعة التجاريّة و«الرأسماليّة» التي يُراد رفعها في مواجهة «عروبة أصيلة» أو «اشتراكيّة ظافرة». لقد ظنّت الأحزاب أنّها تشاغب على الأسطورة المؤسّسة. وحتّى في بدايات التفكّك اللبنانيّ، أواخر الستينيات، ظلّ «الفينيقيون» و«العثمانيون» هوامش على متن الأوصاف الأخرى الأكثر سياسيّة والأقلّ ثقافيّة: «يسار ويمين، تقدّميّون ورجعيّون، وطنيّون وانعزاليّون…». لكنْ إذا كانت الأمّة «جماعة مُتَخيّلة»، وفق بنديكت أندرسون، جماعة يتغلّب تخيّلُها على استحالة التعارف الشخصي بين أبنائها الكثيرين، فإنّ تفكيكها يُطلق أيضاً قدراً من التخيّل والتخييل. هنا نقتسم الأسلاف والآباء والموتى، فيذهب كلٌّ منّا بعيداً في تمجيد أسلافه المفترضين والحصريين، وفي شتم من يُفتَرض أنّهم موتى الآخرين. ونعرف أنّ شتم الموتى – «موتاكم» – أعلى درجات الهجاء، تماماً كما أنّ إطراء الأسلاف – «أسلافنا» – أعلى درجات الفخر. ثمّ إذا كان الموت في رواية التأسيس مقدّمة لبعثٍ ما يشملنا جميعاً، فإنّه في رواية التفكيك مدخل لاستئناف حربنا كجثث بعدما خضناها كأحياء. بالطبع ليس اللبنانيّون أبرياء من مآسيهم. لقد افتتحوا الحروب الأهليّة في 1975. لكنّ الأسلاف والموتى يفيضون اليوم على المنطقة كلّها، ومعهم يفيض تأريخ يتفاوت بين الأسطوري والخرافيّ. فالسيّد إردوغان مثلاً، وهو من يصفه الكثيرون بـ«السلطان»، سبق له قبل خمس سنوات أن نسب إلى المسلمين اكتشاف أميركا قبل كولومبوس الذي ما إن بلغها حتّى «عثر على مسجد هناك». وقبل أربع سنوات خاض إردوغان حرباً مصغّرة في سوريّا لنقل ضريح سليمان شاه، جدّ مؤسّس الدولة العثمانيّة عثمان بن أرطغرل. ومن الذي يستطيع أن يصدّ أذنيه عن الأصوات المدوّية التي تردّ النزاع السنّي – الشيعي إلى سقيفة بني ساعدة، أو إلى مصرع الحسين بن علي في كربلاء!؟ نعم، سوف يحتفل لبنانيّون كثيرون في وقت قريب بالذكرى المئويّة لنشأة «لبنان الكبير». لكنّنا سوى نسمع آراء وجيهة تقول إنّ عُمر المائة «أيّامٌ زائدةٌ»، بحسب العنوان الذي اعتمده الروائي اللبناني حسن داود لإحدى رواياته. 14 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post حملة على السلاح غير الشرعي في ذكرى اغتيال بشير الجميل next post “هلع صحي” بألمانيا.. بلاستيك في دم الأطفال You may also like حازم صاغية في “الشرق الاوسط”: طريقتان في إدانة... 30 يوليو، 2026 دلال البزري من تورنتو : لبنان الجنّة لبنان... 30 يوليو، 2026 روبرت ساتلوف في Washington institute: لقاء ترامب وعون..... 28 يوليو، 2026 فرزين نديمي في washington institute: تغيير الحسابات القسرية... 28 يوليو، 2026 جون هالتوانغر في “المجلة”: كيف يمكن أن تسير... 28 يوليو، 2026 أكاديمي أمريكي: ترمب يبتز العالم بالهيمنة الافتراسية 4 فبراير، 2026 حازم صاغية يكتب عن:حجج التدخّل في إيران وحجج... 4 فبراير، 2026 احمد علي الزين يجدد وداعه: “نحن يا صديقي... 4 فبراير، 2026 غسان شربل يكتب عن: ترمب والمرشد والضريح 2 فبراير، 2026 أروب موخرجي يكنب عن: العصر الإمبراطوري الجديد 2 فبراير، 2026 14 comments โอลี่แฟน 3 مارس، 2025 - 3:21 م 281075 274792You produced some 1st rate factors there. I regarded on the internet for the problem and located a lot of people will associate with with your site. 209115 Reply Check Out Your URL 3 مارس، 2025 - 5:06 م 813295 804276But wanna remark that you have a very decent internet web site , I love the style it really stands out. 161387 Reply Brenda 1 أبريل، 2025 - 2:01 ص 255952 689944Not long noticed concerning your internet website and are still already reading along. I assumed ill leave my initial comment. i do not verify what saying except that Ive enjoyed reading. Good blog. ill be bookmarking maintain visiting this web internet site really normally. 767036 Reply ติดเน็ตบ้าน เอไอเอส 4 أبريل، 2025 - 1:13 م 566583 827013Nie and informative post, your every post worth atleast something. 381228 Reply Spin the reels 6 أبريل، 2025 - 3:23 ص 646824 662601Awesome blog, Im going to spend more time researching this subject 229342 Reply Drops Gummies Blackberry Singles 11 مايو، 2025 - 1:55 م 876110 550867Your blog is showing a lot more interest and enthusiasm. Thank you so a lot. 31413 Reply แทงหวย 12 يونيو، 2025 - 11:04 ص 658264 539312Hello there! Good post! Please inform us when all could see a follow up! 308760 Reply melbet 16 يونيو، 2025 - 12:00 م 62475 230886You must join in a tournament 1st with the greatest blogs on the internet. I will recommend this internet site! 502800 Reply เกมไพ่ 18 يونيو، 2025 - 4:52 ص 480912 120042Hi my friend! I want to say that this post is incredible, nice written and contain approximately all significant infos. Id like to see much more posts like this . 39520 Reply สมัครดูบอลพรีเมียร์ลีก ais 19 يونيو، 2025 - 5:23 ص 808534 46639Some times its a pain in the ass to read what blog owners wrote but this internet internet site is really user genial ! . 609106 Reply Edibles UK 26 يونيو، 2025 - 9:57 م 114105 716184You developed some decent points there. I looked on the net for any dilemma and located most individuals goes along with together together with your site. 383552 Reply briansclub 23 أغسطس، 2025 - 4:24 م 561034 248094Im not that considerably of a internet reader to be honest but your internet sites truly nice, maintain it up! Ill go ahead and bookmark your internet site to come back later. All the finest 691126 Reply เทปใส 29 أكتوبر، 2025 - 11:30 م 27186 141644Id need to verify with you here. Which isnt something I often do! I take pleasure in reading a post that may possibly make individuals think. Moreover, thanks for permitting me to comment! 599276 Reply lsm99 โปรโมชั่น 27 يناير، 2026 - 1:28 ص 427966 667076You created some decent points there. I looked online for that problem and located many people goes coupled with with all your internet site. 853262 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.