بأقلامهمعربي عبّاس بيضون: “نساء” محمّد أبي سمرا: صناعة اللاأثر by admin 18 يناير، 2022 written by admin 18 يناير، 2022 357 الرواية تؤسّس، على طولها، حياةً كاملة في مواجهة واقع يجري رفضه بالحسّ والجسد والفكر. العربي الجديد \ عبّاس بيضون – شاعر وروائي من لبنان “بلا وداع بلا جذور بلا أثر”، عند هذه العبارة تنتهي تقريباً رواية محمّد أبي سمرا “نساء بلا أثر” الصادرة عن دار “رياض الريس” في بيروت. إذا رجعنا إلى عنوان الرواية، يتراءى لنا أنه يكاد يكون عِبرة الرواية أو خلاصتها. إنه إذ يخطر لماريان، بطلة الرواية وراويتها ونموذجها الأساسي، فإنه لا يختصر حياتها وحدها بقدر ما يختصر حيوات النسوة اللواتي جئن من بلدان عدّة، ليجتمعن ثانيةً في بيروت، ليصبح بذلك خاتمةً، لا للرواية وحدها، بل أيضاً لحياة البلد الذي جئن منه ومن سواه، وهنّ اللواتي تنقّلن بينه وبين خارجه. لكأنّ هذا اللاأثر يطاول، لا سير النسوة المجتمعات فحسب، بل تاريخ وسيرة البلد الذي دارت الرواية حوله: لبنان، وإذا شئنا أن نعيّن أكثر قلنا: بيروت. لا يطابق تاريخ النسوة تاريخ البلد إلّا من بعيد، فهنّ ينتمين ولا ينتمين إليه بالدرجة نفسها، كذلك هو حال ماريان، لكنّ هذا البُعد فِقَريّ وأساسيّ في الرواية. إذ إن أرمنيّة ماريان، شأنها شأن سوريّةِ وجزائرية وعُمانية ولبنانية الأخريات، تجعل لهنّ موقعاً أساسياً في النظر إلى لبنان. إذا تذكّرنا قولاً يقرّر أن الشاعر أجنبيُّ لغته، فإن هذا قد ينطبق على الروائيّ إذا كانَه محمّد ابي سمرا. “نساء بلا أثر” هي تقريباً رواية نساء. بطلاتها ينظرن من أجنبتهنّ إلى لبنان، لكنّ ماريان وبقيّة النسوة لسن أجنبيات عن لبنان فحسب، فهنّ أجنبيات أيضاً عن مصادرهنّ ومساقط عرقهنّ وتاريخهنّ. الأرمنية أجنبية عن لبنان، لكنّ هذه الأجنبة هي مقدّمة لأجنبتها عن أرمينيا وعن الأرمن، وستكون هذه الأجنبة حال السورية والجزائرية والعُمانية واللبنانية. بل إن الأجنَبَة ليست حال هؤلاء بالنظر إلى بلدانهنّ الأولى ومساقطهنّ؛ إنها أيضاً حالهنّ تجاه بلدانهنّ الثانية، بل وانتماءاتهنّ كلّها. إننا لا نزال نجد أن هذه الأجَنبَة جوهر سلوك ماريان، مثلاً، تجاه “الحزب الشيوعي اللبناني” الذي اختارته وانضوت فيه، لكنّنا لا نزال نشعر بأنها في الأساس داخله وخارجه. لا نزال نشعر بأنها أجنبية في ذلك، شأنها شأن بقية المواقع. إنها شيوعية مضادّة، إذا جاز التعبير، من دون أن يكون هذا موقفاً صريحاً ومعلناً. إنّها أجنبية تجاه “الحزب الشيوعي،” شأنها تجاه لبنان والأرمن ولوس أنجلس وباريس. نساء الرواية لسن أجنبيات فقط عن لبنان، بل عن بلدانهنّ مع ذلك فإن ماريان هي القمينة برواية لبنان الحديث، بل نحن نشعر بأن أجنَبَتها تجعلها أكثر أهليّةً لهذه الرواية، بل إنها تجعل الروائي نفسَه أجنبيَّ بلده، وهو بهذه الصفة يختار موقعه كروائيّ، بل هو روائي على هذا الأساس. لا تفعل الحياة، بل تفعل الرواية نفسها، سوى تغريب متّصل للرواية والراوية. يكاد هذا أن يكون شرطاً لهما. هذا الانفصال الذي يكاد يكون موضوع الرواية، يكاد يكون سياقها الموصول، بل ويكاد يكون عصَبها وفحواها. ماريان، في ما ترويه، لا تفعل سوى أن تنفصل شيئاً فشيئاً، وفي كلّ جملة وكلّ ملاحظة. هذا الانفصال هو موقعٌ أكثر منه موقفاً. ليس صراعاً ولا نزاعاً ولا خروجاً ولا انتفاضاً أو تمرّداً. إنه موجود في الأساس، والرواية لا تفعل سوى أن تستعيده وتبسّطه، تقريباً في كلّ خاطرة وكلّ ملاحظة. الرواية هي هكذا سياقُه وتواصُله وتتابُعه. إنه ليس وليد محاكمة مباشرة، أو موقف نقديّ من الوضع والواقع اللبنانيين. إنه أكثر إصالةً من ذلك. يمكننا أن ننعت هذه الأجنَبَة، دون حرج، بالأصالة. أجنَبَة شخصيات “نساء بلا أثر” تمنحها هذا الانفصال عن الواقع والتردّي في هذا الانفصال، وكأنّ هذه الأجنَبَة لم تكن عبثاً؛ لقد كانت شرطاً وربما رمزاً أو مجازاً لهذا الاغتراب عن الواقع اللبناني، وليست هكذا إلّا لتعطي أصالةً وأساساً وحقيقةً ــ إذا جاز التعبير ــ لهذا الانفصال الذي يجد فوراً معادلاً نفسياً وفكرياً، بل ومعادلاً جسدياً. “طريق الإهمال والمهملات… وسط عراء سهل تيبّست أعشابه، طريق السخام والغبار واليباس”. هذا المقطع في أواخر الرواية يؤشّر عليها كلّها. إنها لا تروي الواقع اللبناني بقدر ما هي رؤية مضادّة لهذا الواقع؛ نوع من كتابةٍ إنكارية، نوع من سلبٍ كامل له. من هنا فإن الرواية ــ على طول الـ300 صفحة التي تشغلها ــ تفعل هذا الانفصال في كلّ جملة وكلّ خاطرة. إنه اللاأثر الذي تصنعه عبارةً بعد عبارة، فالرواية هكذا هي هذا السلب المتّصل، إنها نوع من الكتابة بالإنكار، بالتنصّل، الكتابة بالمحو. الرواية تؤسّس، على طولها، حياةً كاملة في مواجهة واقع يجري رفضه بالحسّ والجسد والفكر. تؤسّس هكذا حياةً مضادّة لا نعجب حين تصفها في نهايتها بأنها بلا أثر، لا نعجب؛ فهذا اللاأثر ليس فقط حياة الأشخاص الذين يشغلون الرواية، إنه في نهاية الأمر كلّ ما بقي لنا من هذا الواقع، كلّ ما عشناه فيه. المزيد عن : روايات\لبنانيون\كتب 6 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post جهاد الزين: هل تُولد اللغة الفُصحى العاميّة المكتوبة الجديدة في مصر؟ next post Some patients go in for COVID-19, others are infected alongside another issue. In hospitals, those lines blur You may also like عبد الرحمن الراشد في “الشرق الاوسط”: جبهة إيران... 31 يوليو، 2026 رضوان السيد في “الشرق الاوسط”: العالم سفينةٌ معرَّضة... 31 يوليو، 2026 دلال البزري من تورنتو : التماسيح لحراسة الأسرى... 31 يوليو، 2026 حازم صاغية في “الشرق الاوسط”: طريقتان في إدانة... 30 يوليو، 2026 دلال البزري من تورنتو : لبنان الجنّة لبنان... 30 يوليو، 2026 روبرت ساتلوف في Washington institute: لقاء ترامب وعون..... 28 يوليو، 2026 فرزين نديمي في washington institute: تغيير الحسابات القسرية... 28 يوليو، 2026 جون هالتوانغر في “المجلة”: كيف يمكن أن تسير... 28 يوليو، 2026 أكاديمي أمريكي: ترمب يبتز العالم بالهيمنة الافتراسية 4 فبراير، 2026 حازم صاغية يكتب عن:حجج التدخّل في إيران وحجج... 4 فبراير، 2026 6 comments hor voor naar binnendraaiend raam 23 مايو، 2025 - 9:31 م 222225 755191Spot up for this write-up, I genuinely believe this internet website requirements a great deal much more consideration. Ill likely to finish up again to read a great deal much more, several thanks for that info. 817868 Reply afrikaanse oorbellen 10 يونيو، 2025 - 3:11 م 49975 959170Gems form the internet […]very few websites that happen to be detailed below, from our point of view are undoubtedly well worth checking out[…] 130673 Reply PinUp yukle 2 أغسطس، 2025 - 9:04 ص 358111 387103Fantastic write-up mate, keep the fantastic work, just shared this with ma friendz 870456 Reply escort kibris 18 أغسطس، 2025 - 3:01 ص 671310 273885This really is how to get your foot in the door. 288323 Reply pinco com 19 أغسطس، 2025 - 12:10 م 892273 119593As I internet site possessor I believe the content matter here is rattling magnificent , appreciate it for your hard work. You should keep it up forever! Finest of luck. 178441 Reply Emt badge 25 أكتوبر، 2025 - 2:28 ص I found this very helpful and will be sharing it with my friends. Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.