ثقافة و فنونعربي عائشة سلطان تجوب المدن وتكتب عنها بعين انطباعية by admin 1 سبتمبر، 2021 written by admin 1 سبتمبر، 2021 104 السفر في جوهره نداء ملح يأتي من الأعماق لاكتشاف آفاق جديدة اندبندنت عربية \ لنا عبد الرحمن لا تنتهي حكايات السفر، بل تؤلف ديمومتها من عين لماحة تلتقط تفاصيل لا يراها الآخرون، فيحضر صخب المدن، ثلوج الجبال، هدير البحار، تعدد الوجوه، صخب الشوارع، ازدحام المقاهي، وشوق المسافر، ليشتبك هذا كله في حكايات تُشعلها الذاكرة والمخيلة والحقائق المكانية كما يراها الكاتب. فالكتابة الحساسة عن المكان تُقدم للقارئ أكثر مما ينتظره، لأنها تحمل مواجهة مع الذات وأسئلة كثيرة تنسال بلا هوادة حاملة تدفقها الخصب عن الأمس واليوم، عن الهوية، السفر، الوحدة، الغربة، الألفة. تنبثق هذه الأسئلة بأشكال شتى في كتاب “هوامش في المدن والسفر الرحيل” (الدار المصرية اللبنانية) للكاتبة الإماراتية عائشة سلطان، وتمضي الأسئلة لتطرح رؤيتها في السياسة والتاريخ والسفر والكتابة. تمنيت لهذا الكتاب أن يطول أكثر، وأن أستمر في الارتحال مع صفحاته من مدينة إلى أخرى، فكل مقالة منه تقدم عالماً منفرداً بذاته. غواية السفر لا يقع كل البشر في غواية السفر، ولا يعرف هذه الغواية إلا من وقع في غرامها، فصار يُجند من أجلها كل ما يقدر على بذله من جهود مادية ومعنوية بغرض تلبيتها. فالمسافر الرحالة المغرم بصعود الطائرات وركوب القطارات ليصل إلى وجهته، يدرك أن السفر في جوهره هو نداء ملح يأتي من الأعماق لرؤية آفاق جديدة. وهذا ما أكدته الكاتبة على مدار الصفحات، منذ القسم الأول، الذي اختارت أن تضمنه حكاياتها عن دبي، المدينة الرحم، “أبجدية البحر والحياة، مدينة سهلة كنهار، عميقة كنظرة، وصعبة كصحراء مكشوفة، وواضحة كالضوء”. بدت الكتابة عن دبي، حميمية للغاية، رقراقة ومتدفقة في مراجعة الذاكرة والصور وما رواه الآباء والأجداد عن حكايات الأماكن وتحولاتها ونموها. كتاب الرحلات (الدار المصرية اللبنانية) تحضر تفاصيل سردية تؤلف قصة قصيرة في بعض المدن، كما في الحديث عن العجوز الإنجليزية ” شيلا”، فبدا وصف الشخصية دقيقاً، مفعماً بالحيوية، مرئياً للقارئ، حتى ليمكن تخيل تلك السيدة وهي تقود دراجتها وتمضي لشراء حاجياتها، مع الإحساس ببرودها الإنساني المزعج الذي لم ترتفع حرارته لأنه جزء من طبيعتها. تتحدث المدن عن أهلها، تكشفهم أمام أعين الزوار ببساطة، ولو حسبنا أن المسافر الزائر لأيام لا يمكنه معرفة طباع سكان مدينة ما، فسوف نكون مخطئين، إذ تكشف ارتحالات النصوص في المدن ووصفها لأبنائها عن عادات وطبائع تشكلت بفضل الثقافة والسياسة، والأحوال الاجتماعية والاقتصادية المتحولة التي تفرض سطوتها على البشر. في مدينة “براغ” التي تشهد تدفقاً سياحياً مخيفاً، تجلس الكاتبة في مقهى “سلافيا” حيث اعتاد الشاعر العراقي الجواهري الجلوس يومياً أثناء إقامته في براغ، تعبر جسر تشارلز، تزور الكنائس والقلاع بطرزها المعمارية ذات التاريخ العريق. لكن هذه المدينة على رغم فتنتها لا تبدو السياحة فيها سهلة بحيث لا يعرف أهلها أبرز معالمها السياحية، كما أنها لا تبدو ودودة مع الغرباء، تقول: “براغ مدينة جميلة جداً، لكنني لسبب ما تمنيت لحظتها لو كنت في بيروت”. هويات المدن ليست هويات المدن هي الحاضرة فقط عند تدوين حكايات المكان، بل وجوه الناس وملامحهم وأحزانهم العابرة التي لم يُخمنوا أبداً أن ثمة من رصدها في تلك اللحظة، واقتنص تفاصيلها في يومياته. إنها عين الكتابة التي تُسجل ما لا يراه الآخرون بخاصة في لحظات الوحدة. ففي مدينة مثل “بادن بادن” يمتد فيها الجمال ويسري داخل القلب، يستوقف الكاتبة رجل وحيد لا يأبه لكل الجمال من حوله: “ظلت عيناي في ما تبقى من أيام لي في ذلك المكان تتبعان ذلك الرجل الوحيد… أيقنت في ما بعد أن الرجل قادم من مشكلة أو أزمة، يبدو أن وجعه أكبر من قدرة المدينة على مداواته”. في كتابتها عن بيروت “لبنان كما لم أعرفه” يتلقف القارئ إحساس بالحزن منذ الكلمات الأولى، إذ لم تتمكن سلطان من تلافي الشجن على حال لبنان، على رغم أن الكلام يرجع لمرحلة تسبق ما وصل إليه الآن، لكن المقدمات تعطي النتائج، تقول: “زرت لبنان كما لم أزر أي بلد عربي آخر، أحببته كما أحبه كل العرب”، وفي ارتحال سريع إلى مدينة جبيل تنتقل الكاتبة في غمضة عين إلى بيروت 1937، وإلى حوار مع سيدة أرمنية عجوز تقول وهي تعرض صور بيروت زمان: “أنا عشت هذه المرحلة”، إنها الماضي حين كان لبنان كما غنته فيروز، لكن صوت فيروز اختفى عن مدارج بعلبك وبيت الدين… وصارت الخطب السياسية الجوفاء، أكثر من إصدارات الكتب”. يستوقف القارئ أيضاً الجزء المتعلق بالكتابة عن القاهرة، المحبة المتدفقة للمدينة، وإحساس غامض بالانتماء، إلى جانب مراوحة بين الماضي والحاضر في رؤية المكان، مع التوقف قليلاً أمام التغيرات التي عصفت بمصر في السنوات الأخيرة. أما الكتابة عن مدينة الاسكندرية فاقتصرت على التاريخ مع حكاية الفيلسوفة “هيباتيا”. تفاصيل رحلة لم يقلّ الحديث عن القاهرة حميمية عن سردها تفاصيل رحلتها إلى الكويت وسوق المباركية. وعلى رغم أن الكتاب في جوهره عن السفر، وقد تضمن الحديث عن ست عشرة مدينة، بينها أربع مدن عربية فقط، إلا أن ثمة شعوراً بالانتماء إلى الواقع العربي يحضر بقوة في حال من الحنين الممتد، سواء في الحديث عن سنوات الصبا والعلاقة مع المدينة الأم دبي، أو في التوقف أمام التحولات الزمنية التي حدثت في مدن مثل القاهرة وبيروت والكويت، وكذلك في اختيار الكاتبة أن لا تكمل دراستها في لندن، وتقرر العودة إلى وطنها. الجزء الذي حمل عنوان “مفكرة مسافر” تضمن رؤية الكاتبة إلى المدن، الساحات، التغيرات التي يُحدثها فينا السفر، وحركة الطقس وكيف يغيرنا مناخ المدن ويؤثر في أحوالنا النفسية، وفكرة السفر عموماً. فالمدن لا تجامل عشاقها، ومن المحتمل أن نقع في حب مدينة لم يحبها الآخرون ممن نعرفهم وسبقونا إليها، وقد يحدث العكس. إن اختلاف أمزجة السفر والمسافرين أمر واقع وحتمي حتى بين الأصدقاء المقربين، لذا ترى أن من “الأفضل أن تذهب إلى المكان بلا تصورات… الحقيقة المؤكدة هي أن الناس لا يجمعون على حب مدينة أو على الإعجاب بها بالقدر نفسه، فالأمكنة والمدن والنساء لا يمكن الاتفاق عليها أبداً”. يحضر حس فكاهي حيال مفارقات السفر المضحكة الموجعة، كما في مقالة “ذاكرة الريف والمدينة”، حيث المقارنة بين الريف الأوروبي ونظيره العربي، مع التوقف أمام لسعات السفر في سرقات محكمة وعاجلة تحدث للمسافر في غمضة عين. تكمن جمالية الكتابة في نصوص السفر هذه، في قدرتها على اختزال المرئي والذاتي والأدبي والسينمائي ضمن حيز واحد مع التاريخ والجغرافيا والفلسفة. تتداخل التفاصيل الخارجية مع ما تراه العين وما يشغل الخاطر، وما يحضر في الذاكرة من أفلام وروايات، في محاكاة رشيقة تؤالف بين الماضي والحاضر، فلا يمكن اغفال تاريخ المدن وانعكاسه في مرايا ذات مسحورة بنداء الأماكن، ليس بإمكاننا إلا الوقوع في غواية حكاياتها. المزيد عن: أدب رحلة\كتابة\نصوص\إنطباعات\مدن\القاهرة\بيروت\دبي\لندن\براغ 10 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post رسائل ملونة من نساء أفغانستان بريشة شمسية حساني next post “دانتي وفرجيل” كما رسمهما ديلاكروا في لوحة أثارت جدلا صاخبا You may also like د. رشيد العناني في “الشرق الأوسط”: جنسنا البشري... 5 أغسطس، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الأوسط”: بهلوان قصر هشام 5 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: كليوباترا… كما نعرفها ولا... 5 أغسطس، 2026 أنطوان أبو زيد في”اندبندنت عربية”: حازم صاغية يستعيد... 5 أغسطس، 2026 مئة عام على ميلاد البياتي… و27 سنة على... 4 أغسطس، 2026 قصيدة «أتذكر السياب»… بين درويش والنقاد 4 أغسطس، 2026 الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 10 comments ผู้ผลิต โบลเวอร์ 16 مارس، 2025 - 12:33 ص 969844 181833I visited lots of site but I conceive this one holds something extra in it in it 469797 Reply jinny888 25 مارس، 2025 - 12:56 ص 943921 876877quite good publish, i undoubtedly adore this internet website, carry on it 705146 Reply เช็คสลิปโอนเงิน 7 مايو، 2025 - 3:36 ص 25791 211434This is the proper weblog for anybody who hopes to learn about this topic. You know a entire lot its almost tough to argue along (not that I really would wantHaHa). You definitely put a whole new spin for a subject thats been written about for years. Great stuff, just amazing! 660657 Reply homepage 21 يونيو، 2025 - 10:55 ص 307648 754269The best and clear News is very significantly imptortant to us. 890114 Reply situs toto 13 يوليو، 2025 - 5:37 ص 401953 736443Truly instructive and superb structure of articles, now thats user friendly (:. 714626 Reply 7Slots indir 9 أغسطس، 2025 - 12:42 ص 171181 184269Come across back yard garden unusual periods of ones Are usually Weight reduction and every 1 1 may be important. One way state could possibly be substantial squandering by means of the diet. lose weight 236552 Reply pc build online hyderabad 31 أغسطس، 2025 - 3:53 ص 831208 957303Top rated lad speeches and toasts, as effectively toasts. might very properly be supplied taken into consideration creating at the party consequently required to be just a little a lot more cheeky, humorous with instructive on top of this. finest man speeches funny 230135 Reply หนังสั้นจีน 6 سبتمبر، 2025 - 6:54 م 522912 72815I found your weblog internet web site on google and check a few of your early posts. Continue to sustain up the superb operate. I just further up your RSS feed to my MSN News Reader. Looking for forward to studying extra from you in a while! 515104 Reply relx 25 سبتمبر، 2025 - 4:58 م 839927 640414This is such an excellent resource that youre offering and you give out at no cost. I appreciate seeing sites that realize the worth of offering a perfect useful resource entirely free. I genuinely loved reading your submit. 643669 Reply Lsm99 สมัครสมาชิก ระบบ ฝาก - ถอน ออโต้ 29 يناير، 2026 - 4:55 ص 877354 529951Its superb as your other posts : D, regards for posting . 534254 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.