بأقلامهمعربي شوقي بزيع يكتب عن : بيروت هي المدينة القصيدة المترنحة أبداً بين الشهوة والموت by admin 8 مايو، 2023 written by admin 8 مايو، 2023 194 الطاهر لبيب في سيرته الروائية «في انتظار خبر إن» الشرقالاوسط اللندنية \ بيروت – شوقي بزيع لم أفاجأ تماماً حين اتصل بي الكاتب والباحث التونسي الطاهر لبيب، ليزف لي نبأ صدور عمله الروائي الأول «في انتظار خبر إن». ليس فقط لأن الهجرة إلى فن السرد باتت منذ سنوات هاجس الكثير من الشعراء والفنانين والمثقفين العرب، بل لأن صاحب «سوسيولوجيا الغزل العربي» كان قد كشف لي غير مرة عن شروعه في كتابة سيرة روائية يعرض من خلالها لعلاقته ببيروت، التي ربطته بشوارعها ومقاهيها ومكتباتها ونسائها، أواصر المودة والألفة الساحرة، والتي أصر على ملازمتها، حتى في أكثر أوقاتها شدة وحراجة. ولم يكن من قبيل الصدفة أن ينسب المؤلف المتهيب من اقتحام عالم السرد، إلى صديقه الشاعر التونسي قوله له ذات لقاء «لا يكتب الرواية الأولى روائي، بل تكتبها رغبته في أن يكون روائياً»، إذ بدا المؤلف وكأنه يحتاج إلى صوت صديق موثوق، ليقنع نفسه بأن الخطوة التي يزمع القيام بها، تمتلك ما يكفي من المشروعية. وهو ما يتم تعزيزه لاحقاً بقول الشاعر، حين فاتحه بشأن مغادرته إلى بيروت «بيروت؟ إن كنت فيها ولم تكتب رواية فأنت لست فيها»، ليضيف متواطئاً مع تفكير صديقه الرغبوي «ستكتب رواية في بيروت إن انتظرتك فيها امرأة». ومع أن في هذه التوطئة ما يشي بأن قدراً من التقصد الإرادي والتصميم المسبق يقف وراء عمل الطاهر لبيب الأخير، لكننا سرعان ما نكتشف لدى شروعنا في القراءة، أن وعي الكاتب بموضوعه لا يشكل عبئاً على الكتاب، بل أصبح ظهيره الصلب الذي يعصم الكتابة من الخفة والتسطيح والترهل الأسلوبي. ليس فقط لأن المؤلف لم يتناول من الأفكار والموضوعات إلا ما اختبره وعاينه وأحبه، بل لأن ما كتبه قد تخمر في داخله وتم إنضاجه على نار شديدة البطء. كما أن بيروت لم تكن وحدها بيت قصيد العمل، بل كانت الذريعة الملائمة للمّ شتات الأحداث بمناحيها وتفرعاتها المختلفة. ولم يكن استهلال الكاتب لروايته بالحديث عن المؤتمر المنعقد في بيروت تحت عنوان «حال الأمة»، سوى طريقته الخاصة في التبرم من فقدان المعنى، ومن تحول اللغة الأم إلى لغو خالص. وما قاله النفري عن العبارة التي تضيق باتساع الرؤية، وتلقفه اليابانيون عبر أسلوب الهايكو وشعرية الاختزال القصوى، يتحول في الخطاب العربي إلى طاحونة من الاجترار الكلامي الذي يترك اسم «إن» معلقاً دون خبر في فراغ الانتظار القاتل. لا يأخذ الزمن الروائي عند الطاهر لبيب منحى طردياً متسلسلاً بل هو يتقدم ويتقهقر وفقاً لمقتضيات السرد وضروراته لا يأخذ الزمن الروائي عند الطاهر لبيب منحى طردياً متسلسلاً، بل هو يتقدم ويتقهقر وفقاً لمقتضيات السرد وضروراته، بقدر ما يبدو في بعض الأحيان المخرج الضروري للانسحاب من هول الواقع أو انسداد الحاضر. وهو ما بدا جلياً من خلال نكوصه باتجاه طفولته الفقيرة في الريف التونسي، أو الحديث عن فقدان أمه وقرار أبيه القاطع في مساعدته على إكمال دراسته، وسط بيئة متزمتة تسودها الأمية والجهل والتدين الطقوسي. ومع أن تونس التي يعود إليها الكاتب بين فينة وأخرى في عمله الأخير، تشغل جزءاً لا بأس به من العمل، إلا أن الرواية في جانبها الأهم هي احتفاء بالعاصمة اللبنانية، يتحالف لإحيائه العقل مع القلب، الماضي مع الحاضر، والواقع مع الأسطورة. لا يعتمد البورتريه الذي يرسمه المؤلف لبيروت، على سردية واحدة أو باب واحد من أبواب المدينة التي آلت غير مرة إلى الخراب الجزئي أو الكلي، بفعل الحروب والاجتياحات والكوارث الطبيعية، وغير مرة نفضت عنها الأنقاض وعادت أكثر من ذي قبل توهجاً وتشبثاً بالحياة. وإذا كان المؤلف – الراوي قد جعل من محلة رأس بيروت مكاناً لإقامته، متنقلاً بشكل دائم بين مقاهي الحمراء وشارع بلس، فلأن هذه المنطقة تضم أهم جامعات المدينة ومكتباتها وحاناتها ومقاهي رصيفها، بقدر ما هي رمز انفتاحها وتنوعها الطائفي والثقافي. وإذ يمر في مخيلته شريط طويل من التعريفات التي خص بها الكتاب والشعراء العاصمة التي وقعوا في فخ فتنتها المغوية، فرأوا فيها «مدينة البدايات» و«الخيمة الأخيرة» و«هندسة الخراب» و«شطرنج الكلام»، يدهشه على وجه الخصوص الرجل الأوروبي السبعيني الذي كان يقرأ في حانة الفندق كتاباً بالفرنسية بعنوان «شرفة في بيروت»، والذي لم يثنه اختطافه من قبل إحدى الميليشيات المسلحة، عن الهوس المرضي بالمدينة التي «لا تعرف الاعتدال»، حيث «حبها شغف، وفي كرهها طعم الموت». 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post من هي الجاسوسة الإسرائيلية التي كانت مهمتها “اختراق مصر”؟ next post كتاب السيناريو المضربون في هوليوود يخشون منافسة الذكاء الاصطناعي You may also like حازم صاغية يكتب عن موت الحدث… 28 أبريل، 2026 الانتقال من الحرب إلى الدبلوماسية: ما الذي ينتظر... 27 أبريل، 2026 بين فيشمان يكتب عن: معضلة مصر بين الخليج... 27 أبريل، 2026 روبرت ساتلوف يكتب عن: محادثات لبنان – إسرائيل:... 27 أبريل، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: الجمهورية الإسلامية الثالثة تحمل... 26 أبريل، 2026 طارق الشامي يكتب عن:ما الذي يتطلبه نجاح أميركا... 17 مارس، 2026 طوني فرنسيس يكتب عن: خطاب المرشد المغيب كتبه... 16 مارس، 2026 صديق خان عمدة لندن يكتب عن:قصة خط ديوراند... 16 مارس، 2026 غسان شربل يكتب عن : الحرب وثمن الصورة 16 مارس، 2026 عبد الرحمن الراشد يكتب عن: حرب إيرانَ والمخطط... 16 مارس، 2026