رسوم مستوحاة من سونيتات شكسبير بريشك جوزف ماللورد (ويكيميديا) ثقافة و فنون “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد by admin 5 مارس، 2026 written by admin 5 مارس، 2026 21 شاعر الإنجليز الأكبر “عرى” نفسه في هذه الأشعار بعدما بدا دائماً في مسرحياته مختبئاً خلف قناع سميك من العقلانية اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب عندما يوصف ويليام شكسبير بأنه “شاعر الإنجليز العظيم” و”أعظم شاعر عرفته البشرية”، فإن المعني في حقيقة الأمر بهذا الوصف هو شاعريته في صوغ مسرحياته، كبرى كانت أو صغرى، درامية تاريخية أو كوميدية. فلغة صاحب “هاملت” و”ترويض النمرة” هي في الأحوال كلها لغة شاعرية. ومعنى هذا في نهاية المطاف، أن شكسبير، انطلاقاً من هذه الحقيقة المتعارف عليها، كان واحداً من أبرز الذين أعادوا إحياء اللغة الإنجليزية، كما يليق بكل شاعر ومبدع أن يفعل بالنسبة إلى اللغة التي يعبر بها، تماماً كما أعاد إحياء فن المسرح. ومع هذا، كان شكسبير خلال الوقت نفسه شاعراً حقيقياً، إذ حتى خارج إطار مسرحياته وشاعريتها. كتب شكسبير الشعر مستقلاً عن كتابته المسرحية. صحيح أنه في بعض الأحيان دمج شعره في سياق النصوص المسرحية، لكنه في معظم الأحيان، جعل للشعر مكانة خاصة. ويتجلى هذا، على وجه الخصوص، في تلك المجموعة المدهشة من “السونيتات” البالغ عددها 154 سونيتاً… وتقول الحكاية إنها كتبت نحو عام 1600، مع أن الطبعة الأولى التي عُرفت لاحقاً لم تصدر إلا خلال عام 1609، أي بعد ذلك بتسعة أعوام، علماً أن ثمة من بين الباحثين والمؤرخين من يفترض أن للمجموعة، ثمة طبعة أولى، صدرت عام 1602، لكنها فقدت تماماً. ويليام شكسبير (1564 – 1616) (غيتي) غموض شكسبيري بامتياز لافت أمر هذه المجموعة من السونيتات، ولافت أيضاً ذلك القدر الكبير من الغموض الذي يحيط ببعض أبعادها، مثله في ذلك مثل الغموض الذي كان، ولا يزال، يحيط بكثير من المسائل الشكسبيرية، وصولاً إلى غموض يتناول وجود ويليام شكسبير نفسه. ومن أول مظاهر هذا الغموض المثير دائماً للأسئلة، هوية الشخص الذي أهدى إليه، الناشر توماس ثورب لا شكسبير، تلك المجموعة إذ طُبعت عام 1609، فالإهداء موجه إلى”السيد و. هـ. المفضل الوحيد على هذه السونيتات”. فمن هو هذا السيد و. هـ. وكيف كان فضله؟ الحقيقة أن هذا السؤال يأتي هنا ليطاول جانباً أساسياً، ليس فقط من كتابة شكسبير ومسار هذه الكتابة، بل كذلك حياة صاحب “عطيل” و”هاملت” وغيرهما من الروائع المسرحية، الخاصة. ذلك أن هذه الأشعار ليست فحسب النصوص الأكثر ذاتية التي سجلها قلم شكسبير خلال حياته، بل هي أيضاً النصوص التي تكاد تروي سيرة الرجل وعلاقاته وصداقاته، إن قُرئت في ثنايا ثناياها. ولئن كان كثر من الباحثين والمبدعين التفتوا خصوصاً إلى مسرحية “روميو وجولييت” كما إلى مسرحية “العاصفة” التي كانت من آخر إبداعات شكسبير في الكتابة المسرحية، بحثاً عما يسد الظمأ من السيرة العاطفية والداخلية للشاعر الكبير، فإن كثراً أيضاً اكتفوا بالسونيتات لسبر مشاعر هذا الكاتب الشاعر. بحثاً عن السيد و. هـ. مهما يكن لا بد أن نشير هنا، أولاً، إلى أن الباحثين نظروا دائماً بجدية إلى الإهداء… وراحوا يخمنون الاسم الكامل للسيد و. هـ. الذي أُهدي إليه العمل. فاقترح بعضٌ أنهما قد يكونان الحرفين المقلوبين لاسم نبيل مفضل يدعى هنري ورايوتسلي، وهو كونت كان معروفاً بسخائه في دعم الأدب. لكن هذه الفرضية سقطت لأن كونتاً من هذا المستوى ما كان يجوز أن يذكر اسمه بالمقلوب. ومن هنا ظهرت فرضية أخرى تتحدث عن صاحب مطبعة يدعى ويليام هال، كان الذي سلم المخطوطة للناشر من دون أن يطبعها بنفسه، ويعزز هذه الفرضية أن صفة مفضل قد تعني أيضاً: صاحب الفضل في الحصول على النص. والطريف أن الحيرة أمام الاسم الكامل للشخص الذي أهديت الطبعة إليه أوحى لأوسكار وايلد بقصة عنوانها: “صورة السيد و. هـ.”. لكننا نعرف أن هذه المسألة ليست، ويجب ألا تكون، العنصر الأساس في”السونيتات”. العنصر الأساس هو الأشعار نفسها… تلك القصائد الرائعة التي تبدو شديدة الحداثة حتى في أيامنا هذه، على رغم أنها كتبت قبل أكثر من 400 عام. وحداثتها لا تنبع فقط من اللغة المتطورة، نسبة إلى ذلك الزمن الذي كتبت فيه، بل من الصور والمعاني التي لا يزال كثر من الشعراء يستخدمونها حتى اليوم، بمن فيهم ت. أس. إليوت وأودن وغيرهما. وإلى هذا، تنبع أهمية وحداثة هذه السونيتات من كونها في مجموعها ومعانيها وصورها والعلاقات بين شخصياتها تكاد تعلن، خلال ذلك الوقت المبكر، أجواء ومعاني كثير من مسرحيات شكسبير المقبلة. إحدى طبعات سونيتات شكسبير (أمازون) بين السونيتات والمسرحيات بل ثمة من بين النقاد الدارسين من يشير إلى أننا للبحث عن جذور هاملت، الشخصية وعوالمها الخاصة لا الأحداث الخارجية، قد يكون علينا أن نعود إلى السونيتات، فإذا أضفنا إلى هذا مسائل تتعلق، كما يقول الباحثون، بشخصيات ترد أسماؤها أو يرد ذكرها في هذه السونيتة أو تلك، تكتمل صورة المشهد: شاعر يكتب مجموعة من القصائد معبراً فيها عن مواقف وأحداث، في لغة صورية شديدة الحداثة، بل المستقبلية أيضاً، ويرسم فيها صوراً لبعض هواجسه: مثلاً “الشاعر الخصم” الذي من دون أن يسمى يرد ذكره في السونيتتين 78 و86، و”السيدة السمراء”، التي يكثر الحديث عنها في مجموعة أخرى من السونيتات. إن النقاد يلفتون النظر هنا إلى تعامل الشعر مع قضية التنافس الشعري، وكذلك إلى الحضور الكبير لـ”السيدة المجهولة”. وهم في المقابل يقولون إن ثمة في السونيتات، مواضيع وصوراً تنتمي إلى عصر شكسبير، بل إن بعضها يبدو متخلفاً بعض الشيء في ذلك العصر، مثل خلود القصيدة، والمعشوقة التي تظهر وتختفي من دون سبب ظاهر. غير أن المهم هو أن شكسبير يوظف هذا كله، وهنا يكمن التجديد لديه، فالأهم من استخدام مادة أو صورة، إنما هو طريقة ولغة استخدامها، وهذا ما جعل وودزوورث يقول إن “شكسبير في هذه القصائد إنما فتح لنا قلبه” على غير عادته في مسرحياته. وهو كلام يذكر النقاد أن روبرت براوننغ أجاب عنه بقوله “لو كان هذا صحيحاً فإن من شأنه أن ينقص من قيمة شكسبير”. عندما يعري الشاعر نفسه واضح من هذا الكلام أن شكسبير إنما “عرى” نفسه في هذه الأشعار، بعدما بدا دائماً في مسرحياته ومهما كان شأنها، مختبئاً خلف قناع سميك من العقلانية، منغمساً في ممارسة الحكم على الآخرين. إنه هنا في السونيتات يعرض ذاته وروحه. أما التلقي فيتعلق بنا نحن: أيُّ شكسبير نفضل؟ ذاك الذي رسم خريطة أفكار الآخرين وعواطفهم وخريطة أحداث التاريخ، وفعلها ليس فقط في مصائر الناس وحيواتهم بل كذلك في عواطفهم وتحديد جوانيتهم، أم شكسبير الآخر الإنسان المشبوب العاطفة الذي يحب ويصف حبيبته ويصف شوقه إليها، أو يصف صراعاته الصغيرة مع أبناء زمنه، شكسبير الذي يعيش ذكرياته ويمارس اعترافاته ويكتب عن ضروب إيمانه وخيباته؟ في الحقيقة، كما يقول النقاد، إن شكسبير كان هذا وكان ذاك في الوقت نفسه. أما تفضيلاتنا فإنها تعبر عن صورتنا نحن لا صورته هو… فشكسبير الذي نختار، إن كنا من الذين يودون الاختيار والتفريق بين هذين البعدين في مسار الشاعر وإبداعه، سيكون في نهاية الأمر صورة عنا، نحن. أما ما يتبقى فهو اللغة الجميلة الرائعة التي يستخدمها شكسبير لرسم صور شعرية وحياتية يصعب العثور على ما يضاهيها، وليس في زمنه فحسب… ومن أجمل الأمثلة التي يقدمها النقاد على جمال الصور الشعرية الشكسبيرية، حين يخاطب حبيبته قائلاً في السونيتة رقم 18: “هل تراني أقارنك بيوم صيفي؟”، أو يقول في السونيتة رقم 54: “أواه كم أن الجمال يبدو أجمل؟”… أو يقول في السونيتة 73: “إن في وسعك أن تتأملي هذا الفصل في”… إعادة قراءة إننا أمام عاطفة مشبوبة، ذات تعبر عن جوانيتها، ولغة تشتغل على نفسها ابتكاراً… تلكم هي، باختصار الأسس الثالثة التي بنى عليها ويليام شكسبير 1564 – 1616 هذه السونيتات، التي كانت، ولا تزال، بدعة في عالم الشعر، وفريدة في مسار الشاعر الإنجليزي العظيم. بل إن ثمة من اقترح دائماً بأن تُعاد دائماً قراءة أكثر مسرحيات شكسبير قوة وجمالاً كالتراجيديات الكبرى مثلاً، أو أكثر مسرحياته احتفالاً بالعاطفة في تنوعها على ضوء تلك السونيتات، التي لا بأس من التأكيد مرة أخرى أنها كتبت قبل أن يكتب شكسبير أياً من مسرحياته الأساس الكبرى، وكتبت ويا لغرابة الأمر بالنسبة إلى الشجن الذي يملأها خلال وقت كان فيه شاعرنا يعيش أولى لحظات انتصاراته وأقواها في عالم المسرح. المزيد عن: ويليام شكسبير هاملت سونيتات شكسبير 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا next post مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب بغداد الثقافي You may also like مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 مارس، 2026 الأيديولوجيات عندما تشكل الهويات وتوجه الرأي العام 4 مارس، 2026 دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة... 4 مارس، 2026 وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين 2 مارس، 2026 رينوار استلهم من الجزائر كلاسيكيته بدلا من أن... 2 مارس، 2026 المخرجة ليلى بوزيد تستحضر أسئلة تونسية مؤجلة 1 مارس، 2026 في ذكرى رافيل… كيف أعاد ابتكار إسبانيا موسيقياً؟ 1 مارس، 2026 “ريتا” ومحمود درويش: حب في غرفة محاصرة بالبنادق 1 مارس، 2026