ثقافة و فنونعربي رواية العنف العنصري داخل أسوار إصلاحيّة أميركيّة تنال بوليتزر by admin 14 مايو، 2020 written by admin 14 مايو، 2020 415 كولسون وايتهيد يفوز للمرّة الثانية مستعيدا صفحة سوداء من التاريخ الحديث اندبندنت عربية / كاتياالطويل@katiatawil يربط الكاتب والمفكّر الفرنسيّ جان بول سارتر (1905 -1980) عمل المثقّف بتحرير نفسه وتحرير الآخرين أيضاً، ويعتبر برؤيته للمثّقف والكاتب أنّ الآخرين هم كلّ المجتمع ولا بدّ من تحريرهم. وتنصبّ أعمال كتّاب وروائيّين عالميّين كثر في هذا المنظار، وقد دأبوا من خلال أعمالهم على حمل قضايا اجتماعيّة وإنسانيّة وواقعيّة ليساهموا في توعية القارئ ونقد السلطة. وعندما يتمّ الحديث عن توعية القارئ فذلك ليس بالمعنى التعليميّ الذي حمله الأدب في القرنين السابع عشر والثامن عشر بل بالمعنى التحفيزيّ الذي يشيع في القارئ الرغبة في تحسين الواقع والقيام بشؤون المجتمع وتحسين ظروف عيش أهله. تأتي رواية الكاتب الأميركيّ الخمسينيّ كولسون وايتهيد “صبيان إصلاحيّة نيكل” (The Nickel Boys, Colson Whitehead)، في هذا السياق لتكون بمنحى ما، الضمير الشعبيّ أو الوطنيّ للأمّة. وقد يكون هذا هو السبب بالتحديد وراء فوز كولسون وايتهيد بجائزة بوليتزر الأميركيّة عن فئة الرواية لهذا العام. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ بوليتزر هي من أعرق الجوائز الأميركيّة الممنوحة، وتقدّمها جامعة كولومبيا الأميركيّة في نيويورك بتمويل أوّل من الصحافيّ الأميركيّ جوزف بوليتزر (1847-1911) الذي تحمل اسمه والذي كان المانح والمؤسّس لهذه الجائزة رغبة منه في تحفيز العمل في الصحافة والخير العامّ للمجتمع. وتُمنح هذه الجائزة في كلّ عام عن عدّة فئات هي الصحافة والأدب والموسيقى والفنون. وعلى الرغم من الظروف المؤسفة التي يمرّ بها العالم هذه السنة جرّاء تفشّي وباء الكورونا، وعلى الرغم من التأخير الذي شهده حفل تسليم الجوائز والذي تمّ بثّه على الإنترنت بدلاً من أن يُقام حفل ضخم في جامعة كولومبيا كما في كلّ عام، تمّ منح الجوائز هذه العام وإن متأخّرة بأسبوع عن تاريخها الاعتياديّ. وجاء فوز وايتهيد عن روايته ليؤكّد دور المثقّف في المجتمع. فوايتهيد الذي سبق أن فاز بهذه الجائزة العام 2017 عن رواية سابقة له، تناول في هذه الرواية قضايا اجتماعيّة مستقاة من صلب المجتمع الأميركيّ كمثل العنصريّة والعنف ضدّ المراهقين والتعذيب والاضطهاد واغتصاب القاسرين وغيرها من الأمور التي تدور خلف أسوار إصلاحيّة الهدف الأوّل من إرسال المراهقين إليها هو إعادة تأهليهم للخروج أفرادًا جددًا وصالحين إلى المجتمع. رواية “صبيان إصلاحية نيكل” الفائزة بجائزة بوليتزر (موقع الجائزة) أتت هذه الجائزة لتكرّس عمل وايتهيد الذي يسلّط الضوء على معاناة المراهقين المسجونين في إصلاحيّة “نيكل” الموجودة في ولاية فلوريدا والتي كانت تُعدّ أكبر إصلاحيّة للصبيان قبل إغلاقها العام 2011 لأسباب إنسانيّة. فقد عُرِفت هذه الإصلاحيّة بقسوة المربّين فيها وبالعنف الممارس على المراهقين بين جدرانها. وقد تمّ إقفال هذه الإصلاحيّة بعد تكاثر أخبار عن المعاملة التي يلقاها المراهقون داخلها، وهي أخبار من المراهقين الخارجين منها أنفسهم أو من أهالي المراهقين المفقودين والذين يُرجَح أنّهم قُتِلوا بوحشيّة ودُفنوا داخل أسوار هذه الإصلاحيّة. وأظهرت بحوث قضائيّة وتحقيقات أجريت أوائل هذا القرن حوالى 55 جثّة مدفونة في أرض الإصلاحيّة وتبيّن أنّها عائدة لمراهقين كانوا مُدرجين داخل الإصلاحيّة وقيل لأهلهم إنّهم هربوا لتبرير اختفائهم. وهذا الأمر يرد في النصّ على لسان ترنر شخصيّة المراهق الواقعيّ الذي يدرك خفايا الأمور على عكس صديقه إلوود الحالم والمثاليّ الذي يستغرب كيف يموت مراهقون ولا أحد يعلم بهم: “قال ترنر: -أحياناً يأخذونك ولا نراك مجدّداً بعد ذلك، وعندما تسأل عائلتك عنك يقولون لها إنّك هربت… – يجب ألا تجري الأمور هكذا! أجابه إلوود… – لا أحد يهمّه فعلاً كيف يجب أن تجري الأمور.” شخصيتان متأرجحتان لا يقدّم كاتب الرواية شخصيّةً واحدة ووجهة نظر واحدة في روايته هذه، بل يجعل الرواية بين أيدي شخصيّتين رئيستين اثنتين بوجهتي نظر متضادتين، أي أنّه يقدّم مرايا مختلفة للواقع تُظهر التناقض بين “ترنر” المراهق المسجون الواقعيّ الملوّع من المآسي المحيطة به، و”إلوود” المراهق المسجون أيضاً إنّما المثاليّ والحالم والمتأثّر بخطاب البطل الشعبيّ مارتن لوثر كينغ “لديّ حلم”. ومن الطبيعيّ أن يتمّ الحديث عن صاحب أشهر خطاب في تاريخ محاربة العنصريّة في رواية تجري أحداثها في ستّينيّات القرن العشرين عندما كان صراع الأعراق في أوجه في الولايات المتّحدة الأميركيّة. فإلوود البطل المراهق المتأثّر بمارتن لوثر كينغ والذي لا ينفكّ يسمع خطابه، يدخل الإصلاحيّة لحادثة هامشيّة إنّما تتّخذ طابع الجريمة فقط لأنّ إلوود أسود لون البشرة. شعار جائزة بوليتزر (موقع الجائزة) وتتناول رواية وايتهيد عدا عن مسألة العنصريّة والتفرقة على أساس العرق، قضايا الاضطهاد والتعذيب والتنكيل والعنف والاستبداد. فشكّلت الرواية أداة كشف ومعرفة وتوعية بقدرتها على تقديم صورة كاملة من داخل الإصلاحيّة وذلك بوجهتي نظر مختلفتين، وجهة نظر إلوود المتأمّل في الحياة والمثل العليا وترنر الواقعي الذي يئس من محاولة تغيير الأمور. ويقول الكاتب وايتهيد إنّه يحمل في دواخله النزعتين اللتين تجسّدهما شخصيّتي إلوود وترنر. فهو من ناحية متفائل ومؤمن بالخير العامّ ويطمح إلى عالم مليء بالمثل العليا، ومن ناحية أخرى هو واقعيّ ويدرك كم أنّ الوضع صعب ومخيف على غرار ترنر. أنواع التعذيب وبتأرجح السرد بين إلوود وترنر يسلّط الكاتب الضوء على آلام هؤلاء المراهقين وعذاباتهم ومخاوفهم وأنواع التعذيب والتنكيل النفسيّ والجسديّ التي يتعرّضون لها. ويرد في أحد المواضع ما يؤكّد قسوة الواقع الذي يعيشه هؤلاء المراهقون والذي عاشه آلاف المراهقين قبلهم: “لقد كان بإمكان هؤلاء المراهقين أن يكونوا أشياء كثيرة في هذه الحياة لو لم يدمّرهم هذا المكان… لقد حُرموا أبسط ملذّات أن يكونوا أفراداً عاديّين. لقد تمّت إعاقتهم وتمّ تعويقهم قبل أن يبدأ السباق حتّى، قبل أن يتمكّنوا من معرفة كيف يكون المرء عاديّاً.” لقد اختار الكاتب أن يخبر قصص هؤلاء المراهقين من خلال راويين اثنين مراهقين يسردان الأمور من وجهتي نظرهما ليفضحا بذلك ما يجري خلف الأسوار المغلقة لإحدى أشهر إصلاحيّات الولايات المتّحدة الأميركيّة وأكبرها. ليكون بذلك وايتهيد قد مهّد للقارئ أن يعرف حقيقة القسوة والوحشيّة التي تجري حوله من دون أن يملي موقفه على قارئه، تاركاً له حرّيّة رؤية الأمور من منظار إلوود وترنر ليقيّم الوضع بنفسه. وهذا هو بالتحديد دور الكاتب الذي يحمل قضيّة ويحمل همّاً إنسانيّاً، وهو ما يؤكّده الناقد اللبنانيّ لطيف زيتوني في كتابه “الرواية والقيم” في حديثه عن دور الروائيّ ومسؤوليّاته في المجتمع: “دور الروائيّ تجاه قارئه ينبغي أن يكون دوراً فنّيّاً. أمّا دوره تجاه مجتمعه فهو دور سياسيّ يرتّب عليه مسؤوليّة شخصيّة واجتماعيّة.” (ص: 134). لقد أدّى كولسون وايتهيد في روايته دور المثقّف الإنسانيّ الواعي والملتزم بشؤون مجتمعه ومحيطه، ولا بدّ من أنّ هذا السبب بالتحديد هو أحد أبرز الأسباب التي جعلت لجنة تحكيم البوليتزر تمنحه جائزتها للمرّة الثانية. فمن البدهيّ أن يعهد المجتمع للروائيّ بهذه الأدوار والمهمّات باعتباره إنسانًا ملتزمًا بقيم إنسانيّة إيجابيّة جامعة. المزيد عن: العنصرية/الزنوجة/رواية اميركية/عنف/الإصلاحية/التعذيب/السجن/جائزة بوليتزر/كولسون وايتهيد/رواية صبيان إصلاحيّة نيكل 17 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “كانديد” لفولتير درس ساخر في التفاؤل الفلسفي next post الحرمان العاطفي وما يحدث في أجسادنا عندما نحرم من اللمس You may also like د. رشيد العناني في “الشرق الأوسط”: جنسنا البشري... 5 أغسطس، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الأوسط”: بهلوان قصر هشام 5 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: كليوباترا… كما نعرفها ولا... 5 أغسطس، 2026 أنطوان أبو زيد في”اندبندنت عربية”: حازم صاغية يستعيد... 5 أغسطس، 2026 مئة عام على ميلاد البياتي… و27 سنة على... 4 أغسطس، 2026 قصيدة «أتذكر السياب»… بين درويش والنقاد 4 أغسطس، 2026 الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 17 comments Florentina 12 أغسطس، 2020 - 1:15 ص Hi there it’s me, I am also visiting this web page regularly, this web page is in fact good and the visitors are really sharing fastidious thoughts. adreamoftrains best website hosting web hosting company Reply Valarie 14 أغسطس، 2020 - 5:32 ص Hi, I do think this is an excellent best web hosting site. I stumbledupon it 😉 I am going to revisit yet again since i have book-marked it. Money and freedom is the greatest way to change, may you be rich and continue to help other people. Reply Kasey 24 أغسطس، 2020 - 11:25 م I do trust all of the ideas you have presented for your post. They are very convincing and can certainly work. Nonetheless, the posts are very short for newbies. May you please prolong them a little from subsequent time? Thanks for the post. 34pIoq5 cheap flights Reply Marti 25 أغسطس، 2020 - 9:23 ص Pretty! This was a really wonderful article. Thanks for providing this info. 2CSYEon cheap flights Reply Sergio 28 أغسطس، 2020 - 7:43 ص Hey! This is kind of off topic but I need some help from an established blog. Is it very hard to set up your own blog? I’m not very techincal but I can figure things out pretty fast. I’m thinking about making my own but I’m not sure where to start. Do you have any tips or suggestions? With thanks Have a look at my homepage; black mass Reply azure-gummies 19 أبريل، 2025 - 8:10 م 62311 765689Thank you for the auspicious writeup. It in fact was a amusement account it. Appear advanced to a lot more added agreeable from you! Even so, how could we communicate? 629861 Reply เครื่องเป่าแอลกอฮอล์ 17 مايو، 2025 - 1:38 ص 524733 730628I wish I had a dime for every bad write-up Ive read lately. I also wish other writers had your talent and style. Thank you. 927178 Reply pg168 15 يونيو، 2025 - 10:28 م 702209 87326I like this internet site its a master peace ! Glad I located this on google . 746185 Reply Prayer 19 يونيو، 2025 - 10:36 م 66875 747526Aw, this was a truly nice post. In concept I wish to put in writing like this in addition – taking time and actual effort to make an outstanding article nonetheless what can I say I procrastinate alot and not at all appear to get something done. 488014 Reply continue reading this 1 يوليو، 2025 - 9:18 م 27805 218730somehow discovered your website when i was kind of stoned. great read 245048 Reply 1win app scaricare 12 سبتمبر، 2025 - 3:21 ص 743526 653187brilliantly insightful post. If only it was as effortless to implement some with the solutions as it was to read and nod my head at each of your points 15937 Reply แทงหวย24 13 سبتمبر، 2025 - 11:48 ص 249395 602471I like you blog (dsol, je suis francais, je parle mal anglais) 421463 Reply UOBilad 20 أكتوبر، 2025 - 2:14 ص 653317 263464Hello. Neat post. There is an concern with your web site in firefox, and you may want to test this The browser may be the market chief and a big part of other men and women will miss your amazing writing because of this issue. 773672 Reply Jav 22 أكتوبر، 2025 - 2:13 م 784606 870409Thanks for this excellent. I was wondering whether you were preparing of writing similar posts to this one. .Maintain up the excellent articles! 7587 Reply Aviator giriş 28 نوفمبر، 2025 - 11:18 ص 784154 579713I like the way you conduct your posts. Have a nice Thursday! 43620 Reply more 3 فبراير، 2026 - 5:42 ص 464848 254926This internet internet site is my aspiration, very outstanding style and design and Perfect subject matter. 665568 Reply fruit party slot review 4 فبراير، 2026 - 2:17 م 368909 847761Do you mind if I quote a couple of your posts as long as I offer credit and sources back to your internet site? My blog is within the exact exact same region of interest as yours and my visitors would truly benefit from some of the details you supply here. Please let me know if this ok with you. Thanks! 340203 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.