رصد فيديوهات وكاميرات تلاحق "طرود الخير" إلى أزقة المخيمات وقرى الأطراف النائية وبؤر الفقر (بترا) منوعات رمضان موسم تربح “بلوغرز” الأردن من أعمال الخير by admin 2 مارس، 2026 written by admin 2 مارس، 2026 36 تصوير الفقراء لحظة تسلمهم الطرود الغائية بهدف “الترند” ومراقبون يحذرون من الآثار النفسية في المجتمع اندبندنت عربية / طارق ديلواني صحافي @DilawaniTariq مع التمدد المتسارع لسطوة الشاشات في الأردن، تبدل شكل قيم التكافل الاجتماعي من صدقة السر إلى فضاء الاستعراض الرقمي، إذ أفرز شهر رمضان نمطاً هجيناً من العمل الخيري يعتاش على المنصات الافتراضية. وبينما يفترض أن تمتزج الروحانية بفعل الخير، يرصد مراقبون انحرافاً حاداً في البوصلة نحو ما بات يعرف برمضان الرقمي، وهو تحول انتقل فيه الإحسان من غايته الإنسانية الصرفة ليصبح صناعة محتوى متكاملة الأركان، تعتمد الإثارة واستغلال البؤس وقوداً لحصد التفاعل. ملاحقة طرود الخير وترصد منصات التواصل الاجتماعي فيديوهات عالية الجودة وكاميرات تلاحق “طرود الخير” إلى أزقة المخيمات وقرى الأطراف النائية وبؤر الفقر، لكن خلف هذه المشاهد الإنسانية تختبئ سوق رقمية ضخمة تهدف بالدرجة الأولى إلى حصد الإعجابات والمشاهدات. وتشير تقديرات متخصصين إلى أن الفيديو الخيري الذي يحقق “مليون مشاهدة” قد يدر على صاحبه أرباحاً إعلانية تفوق قيمة “طرود الخير” الموزعة بأضعاف، بحيث تصبح الوجبة التي لا تتجاوز كلفتها خمسة دنانير (سبعة دولارات)، وقوداً لمحتوى رقمي تبلغ قيمته السوقية آلاف الدنانير. وتقول عائلات فقيرة تحدثت إلى “اندبندنت عربية” إنها وافقت على الظهور في فيديوهات مصورة تحت ضغط الحاجة، من دون إدراك أن صورهم ستبقى للأبد على خوادم الإنترنت، والتسبب لها بوصمة فقر تلاحق حق الأطفال في مدارسهم وبين أقرانهم. وتشير تقديرات تقنية إلى أن “الفيديو الخيري” في الأردن يتصدر “الترند” بسرعة تفوق أي محتوى آخر، ووفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة، قاربت نسبة الفقر في الأردن 22 في المئة. تكافل وهمي يحذر متخصصون اجتماعيون في الأردن من بروز ظاهرة “التكافل الوهمي” عبر منصات التواصل، إذ يتجاوز هدف المؤثرين السعي الحقيقي إلى حل مشكلة الفقر إلى توظيفها كـ”محتوى” استعراضي، في تحد صارخ لقيم الكرامة وعزة النفس المتجذرة في الثقافة والموروث الأردني. وفي سياق متصل، يلفت مراقبون الانتباه إلى مفارقة صارخة تتمثل في قيام مشاهير، يرتدون أزياء تفوق قيمتها الدخل السنوي لأسرة متوسطة، بتقديم مساعدات عينية زهيدة لمواطنين وتحويل أزمات الفقراء إلى مادة ترفيهية مغلفة بغلاف ديني. فمع اقتراب أذان المغرب في أزقة مخيم الوحدات أو بين بيوت الطوب والزينكو في أطراف الأغوار الأردنية، لم يعد طرق الباب في الشهر الفضيل يقتصر على فاعل خير يحمل طرداً غذائياً، بل بات يسبقه “فلاش” الكاميرا، وميكروفون لا سلكي، ومخرج يبحث عن الزاوية الأكثر بؤساً. على جانب آخر من الظاهرة تشير الأرقام الرسمية إلى رصد 154 قضية جمع تبرعات غير قانونية أو ادعاءات كاذبة بين عامي 2005 و2021، مما يشير إلى أن الظاهرة ليست فردية بل جريمة منظمة متنامية تطورت إلى أنواع احتيال أخرى كانتحال صفات شخصيات مرموقة لجمع التبرعات، وهو ما ترجم إلى تسجيل 1877 قضية انتحال الشخصية بين 2015 و2021، اعتماداً على الثقة المفرطة لدى الأردنيين بالرموز الاجتماعية. يقول أحد العاملين في المجال الخيري إن هذا العمل يقوم في جوهره على السرية والاحترام والكرامة الإنسانية، بعيداً من توظيف المعاناة الإنسانية لأغراض تسويقية أو للترويج الذاتي لصناع المحتوى. ويضيف العامل في المجال الخيري “هناك كثير من المنظمات التي تقدم الدعم والتكافل الاجتماعي عبر أعمال يتم تنظيمها وفق تشريعات رسمية، لكن هناك نمطاً من المحتوى الإلكتروني يظهر الحالات الإنسانية في صور أو فيديوهات بهدف استدرار العاطفة وتحقيق أكبر انتشار ممكن، حتى ولو كان ذلك على حساب خصوصية ورغبة الأفراد في عدم الظهور”. اتجار بالمشاعر وعلى رغم وجود قوانين تنظم “جمع التبرعات” في الأردن، فإن ثمة تجاوزات في ما يخص نشر صور المحتاجين، وتنص القوانين الأردنية على حماية الخصوصية، ولكن نادراً ما يتم محاسبة المؤثرين لانتهاك كرامة الفقراء الذي يعجزون لأسباب مادية عن مقاضاة من يستغل معاناتهم. “المشكلة أن الفقير لا يملك المال لرفع قضية، والمؤثر يتذرع بـ’تشجيع الآخرين على فعل الخير’، وهو العذر الجاهز لتبرير استثمار وجوه البؤساء”، بحسب ما ذكر العامل. تنتشر الفيديوهات المتعلقة بالأعمال الخيرية في شهر رمضان (بترا) ومن ناحية الجانب القانوني في الأردن ووفق تعليمات وزارة التنمية الاجتماعية فإنه لا يجوز جمع التبرعات من دون تصريح رسمي، كذلك يجب حماية خصوصية المستفيدين. وينص القانون على حظر استغلال الأطفال في حملات دعائية، إضافة إلى أن قانون الجرائم الإلكترونية يجرم نشر محتوى ينتهك الخصوصية أو يمس الكرامة الإنسانية. وعام 2024 شددت هيئة الإعلام الأردنية على منع بث أو نشر مواد إعلامية تتضمن استغلال حالات إنسانية لجمع التبرعات من دون موافقات رسمية مسبقة من الجهات المتخصصة، وبخاصة وزارة التنمية الاجتماعية. وأكدت الهيئة أنها لن تتهاون في أي تجاوز للقانون عبر استغلال الفقر أو المرضى أو الأطفال في حملات تبرعات غير مرخصة، مشيرة إلى أن هذه الممارسات تخالف قانون الجرائم الإلكترونية وقانون حقوق الطفل وتعليمات جمع التبرعات المعتمدة رسمياً. هذا التحذير الرسمي لم يأت من فراغ، بل جاء بعد انتشار مقاطع مصورة لأشخاص يصورون حالات فقر داخل منازلهم مع إظهار وجوه الأطفال والنساء بصورة واضحة، مقابل طلب التبرع عبر حسابات شخصية. ويطالب ناشطون بضرورة حظر نشر صور الوجوه في المساعدات الفردية، واشتراط أن يكون التوثيق للمؤسسات الرقابية فقط لا للنشر العام. وفي السياق النفسي للظاهرة، تؤكد المستشارة النفسية والأسرية دلال العلمي أن تصوير الفقراء، لا سيما الأطفال، أثناء تلقي المساعدات يعد انتهاكاً صارخاً لكرامتهم الإنسانية، متجاوزاً الهدف النبيل من تقديم الدعم. وتوضح العلمي أن الغاية من العمل الخيري هي تحقيق التوازن والدعم النفسي، لا “التشهير” بحاجتهم، إذ يؤدي نشر هذه الصور إلى توليد مشاعر الإهانة والنقمة لدى المتلقين، مما قد يحولهم إلى عناصر سلبية تجاه المجتمع. انسحاب اجتماعي يعد المتخصص الاجتماعي حسين الخزاعي من أكثر المنتقدين لظاهرة “توثيق الفقر” لغايات الشهرة، إذ يرى أن إحراج الفقراء عبر “السوشيال ميديا” يؤدي إلى انسحابهم من الحياة الاجتماعية بسبب شعورهم بالدونية، ويؤكد أن ما يفعله بعض المؤثرين هو استعراض وليس مساعدة، محذراً من أن الأرقام التي تظهر في الفيديوهات لا تعكس الواقع الحقيقي للفقر بل تهدف إلى إحراج الجهات الرسمية أو حصد المشاهدات. ويكشف الخزاعي في الوقت ذاته عن دخول 75 ألف أسرة جديدة ضمن المنتفعين من صندوق المعونة الوطنية منذ عام 2020، ليرتفع عدد الأسر المنتفعة إلى 235 ألف أسرة. يضيف الخزاعي “نحو 25 ألف فقير جديد يطلبون المعونة من الحكومة سنوياً عبر صندوق المعونة الوطنية، وهو مؤشر إلى زيادة رقعة الفقر في الأردن وارتفاع معدلاتها وعدم وجود حلول ناجعة لإخراج الفقراء من خط الفقر”. في السياق ذاته تشير دراسات محلية إلى أن 67 في المئة من الجرائم في الأردن اقتصادية، تنجم عن الفقر والحاجة، بينما أصدرت دائرة الإفتاء تحذيرات من دفع الأموال إلى جهات غير معلومة أو محتالين عبر الإنترنت، مؤكدة أن التحري في دفع الزكاة أو المساعدات واجب شرعي، وأن دفعها للمؤسسات الوطنية الرسمية مثل صندوق الزكاة، وتكية أم علي، والهيئة الخيرية الهاشمية، أضمن لوصولها إلى مستحقيها بكرامة. وتشير الفتوى إلى حرمة إيذاء الفقير عبر تصويره أثناء تسلم المعونة باعتباره نوعاً من الأذى الذي يبطل أجر الصدقة. وما بين صدقة السر التي عرفها المجتمع الأردني لعقود و”الترند الخيري” الذي تصنعه الخوارزميات اليوم، يتساءل كثيرون هل نحن أمام تطور طبيعي لوسائل الخير؟ أم أمام سوق رقمية جديدة تتاجر بوجع الفقراء؟ المزيد عن: الأردن رمضان االسوشيال ميديا إعلانات طرود غذائية البلوغرز 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post ضربات على إيران وانفجارات في دبي والدوحة والمنامة والكويت والصراع يصل لبنان next post رينوار استلهم من الجزائر كلاسيكيته بدلا من أن يلتهمه الاستشراق You may also like “ممفيس” العاصمة الإدارية المصرية: سجال الاسم والهوية 4 مارس، 2026 فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي 2 مارس، 2026 “بنات لالة منانة” يحصدن المشاهدات والاتهامات في المغرب 2 مارس، 2026 “عش الطمع” مسلسل مغربي ينكأ جرح الاتجار بالرضع 24 فبراير، 2026 كهف الجارة… هنا احتمى إنسان ما قبل التاريخ 24 فبراير، 2026 غزو المقاهي في مصر… استثمار الفراغ في الحياة... 24 فبراير، 2026 ألاعيب الدجالين… مصريون في قبضة الخرافة 19 فبراير، 2026 “كرتونة رمضان” طقس مصري أبعد من “التسييس” 19 فبراير، 2026 صيام رمضان 2026.. هذه الدول ستعاني الساعات الطويلة 17 فبراير، 2026 لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في... 17 فبراير، 2026