ثقافة و فنونعربي رسالة أنيس الصايغ إلى غسّان كنفاني | أرشيف by admin 26 يناير، 2022 written by admin 26 يناير، 2022 323 العنوان الأصليّ: «رسالة إلى غسّان كنفاني». عرب 48 – فسحة \ أنيس الصايغ المصدر: «مجلّة الآداب». \ الكاتب (ة): أنيس الصايغ. زمن النشر: 1 تمّوز 1992. من فوق التراب إلى تحت التراب، والموت واحد وإن اختلف الموقع. والدفن واحد وإن اتّسع ما فوق التراب ليشمل العالم كلّه حيث انتشر الفلسطينيّون وضاق ما تحت التراب فانغلق على جثمان وحيد. فشل القَتَلة وإن نجحوا في تغييبك، ونجحوا في تغييب غيرك وإن فشلوا في قتلهم. ولو كان القتلة يعلمون أنّهم بقتلك يُطْلِقونك من عالم مجنون، متخاذل، ومستسلم باع شرفه وأرضه وحقّه ومبادئه بثمن زهيد أو حتّى بدون ثمن، لكانوا تردّدوا قبل وضع الأصابع المتفجّرة في سيّارتك في صباح ذلك السبت المشؤوم قبل عشرين سنة. إنّ انفجار سيارة «الفولسفاكن» حرَّرَكَ من هذا العالم وأبعَدَكَ عن المأساة الّتي نعيش، وأخفى عن عينيك عيوب الحاضر وجرائمة وانهزاماته. فأغمضْتَ عينيك على صورة جميلة من صور النضال والإيمان والثورة والقيم. وفي عشرين سنة خَبَتْ هذه الصور، وبَهتت، وأخذت مكانها صور قاتمة وتعيسة. كم توهّمتُ، بعد استشهادك بعشرة أيّام، بأنّ وحشيّة العدوّ الّتي نالت منك لم تنل منّي تمامًا، فبقيت أتنفّس وأتحرّك وأرمِشْ، وإن خفّ السمع والبصر إلى ما يقارب الزوال. ولكنّي، وبعد عشرين سنة من اقتراف هاتين الجريمتين، أغبطك وأغبط مصيرك ولا أغبِطُ مصيري. ماذا كنت ستسمع يا غسّان، وماذا كنت ستشاهد، لو كنت تشاركنا الجلسات هذه الأيّام؟ كنت ستسمع أنّ الصهيونيّة ليست حركة عنصريّة استيطانيّة معادية، بل هي حركة سياسيّة تقف في وجه حركة سياسيّة مقابلة، كلاهما من طينة واحدة: تدافع الأولى عن «حقوق» جماعة (اليهود) وتدافع الأخرى عن حقوق جماعة ثانية (العرب)، تمامًا مثلما نَصَّ «وعد بلفور» قبل استشهادك بخمس وخمسين سنة: إنّ وطنًا قوميًّا لليهود يقام في فلسطين بشرط ألّا يمسَّ بمصالح «الجاليات» المقيمة في ذلك البلد؛ وكما كان السير ماركس سايكس، أحد بطليّ الاتفاقيّة المشؤومة، يزعم بأنّ الصهيونيّة والقوميّة العربيّة صفحتان لورقة واحدة. وكنت ستسمع أنّ «إسرائيل» بلد مثل سائر البلدان، له حقوقه وأمنه وحدوده ووجوده ومصالحه. وما علينا إلّا أن نعترف له بذلك حتّى يكفّ عن التعدّي علينا. فـ «إسرائيل» أصبحت «جارًا» ولم تَعْد عدوًّا. وللجار حقوق، وما الجدار الّذي يفصل بيننا إلّا جدار وهم وخيال نَصَبَهُ التعصّب والجهل في قرن من الزمان. كنت ستسمع أنّ فلسطين ليست فلسطين؛ أنّ نصفها اسمه إسرائيل، ونصفها الآخر اسمه الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة. وكنت ستسمع أنّ القضيّة الفلسطينيّة هي قضيّة ما سقط عام 1967 من أرض فلسطين، وأنّ استعطاء حكم ذاتيّ يجعلنا أحرارًا في شؤون الصحّة وجمع القمامة وفتح الدكاكين وتعليق اليافطات، ويغنينا عن المطالبة بتحرير محبوبتك عكّا والعودة إلى محبوبتي طبريّا. بل إنّ قضيّة فلسطين امّحت وذابت في ما أصبح يسمّى «قضيّة السلام في الشرق الأوسط». وكنت ستسمع أنّ التفاهم بالحُسنى، أو الاتّفاق بالتراضي، هو شرف «الثورة حتّى النصر»؛ وأنّ شرف الجلوس مع مندوبي العدوّ في هذا البلد الأوروبيّ أو الأميركيّ أو الآسيويّ أو ذاك، في ظلّ الرعاية الأمريكيّة «الصديقة»، هو النصر بحدّ ذاته. فقد فاتك أنّ أميركا لم تعد دولة استعماريّة أو إمبرياليّة وعدوّة للشعوب، بل أصبحت صديقًا عزيزًا حاميًا لحقوقنا وجنديًّا مخلصًا لاستعادة حقوقنا. لم يَعُدْ هنري كيسنجر «عزيزًا» لوحده، بل أصبح الطاقم السياسيّ الحاكم في أميركا كلّه عزيزًا على قلوبنا. لو كنت لا تزال حيًّا يا غسّان لكنت تشاهد وتسمع أصدقاء مشتركين لك ولي (وبعضهم أصابته قنابل العدوّ مثلما أصابتك وأصابتني)، ويقولون هذا الكلام وأكثر. ويسيرون في جنازة الحقّ الفلسطينيّ مزهوّين بالانتصارات الوهميّة. لقد سقطت الأقواس حول اسم «إسرائيل»، وأصبح الاستمرار في استعمالها غباءً وتحجّرًا وسماجة لا تليق بنا ونحن نجالس الإسرائيليّين ونستعطفهم، ونتملّقهم، ونغازلهم، ونمنحهم بركات الشرعيّة. والصحيح أنّ الأقنعة سقطت عن وجوههم هم بمجرّد إسقاطهم تلك الأقواس. ألا توافقني، بعد هذا، أنّ مثواك تحت التراب أرحب وأرحم من منازلنا الفخمة وطائراتنا الخاصّة وعروشنا والبسط الحمر تحت أقدامنا؟ لكنّه ذنبك أنت يا غسّان، أنّك أتحت لهم أنّ يغتالوك. ركبتَ «الفولسفاكن»، ولم تكن تركب «المرسيدس 500» المصفّحة، تحيط بك حراسات مسلّحة تفتح لك الطرقات وتغلقها عن غيرك. تمامًا كما كان الذنب ذنبي حسب رأي أحد كبار قادتنا العباقرة الّذي صرّح مستنكرًا أنْ أفتح المظروف المفخّخ، الأمر الّذي جعل القنبلة تنفجر بين يديّ. قال:”أليس عنده سكرتيره تقوم بفتح الرسائل عنه؟”، وكأنّه أراد أن يقول:”لتُبْتَر أصابع السكرتيرة، أمّا أصابعه فلا”. فالموت للمساكين وليس للمسؤولين. وهكذا تتحوّل المسألة من جريمة صهيونيّة قذرة ضدّ الفكر الفلسطينيّ إلى خطأ نقترفه نحن وندفع ثمنه حياتنا أو بعض حياتنا. لقد هدّدوك وحذّرك «العارفون» قبل أيّام من الجريمة واسخففْتَ فنالوا منك. وهدّدوني، وحذّرني بعض «العارفين» قبل أيّام من الجريمة فَسَخِرتُ ولم اتّعظ منك، ونالوا منّي. وهكذا كان الحال مع الكثيرين غيرنا، رحم الله الموتى وشفى الجرحى والمصابين وغَفَر للمتخاذلين وهداهم. إنّ وحش الموت، كما يقول المثل الدانمركيّ، يلتهم الأدسم بين ضحاياه. تُرى، هل كانت لدينا رغبة خفيّة في التنافس والتدافع أمام الوحش ليختارنا نحن من بين آلاف المقاتلين بالبندقيّة أو بالقلم؟ لقد أراحك الموت من سؤال سخيف كان المحقّق سيطرحه عليك مثلما طرحه عليّ وأنا أستلقي على سريري في المستشفى بين الموت والحياة:”من تعتقد أنّه وراء الجريمة؟ هل هناك خصومة بينك وبين جار أو زميل أو منافس؟”، ولو كانت لديّ قدرة على الكلام لكنت أجبت:”نعم، هناك خصومة بيني وبين العقل والمنطق، عقل هذا الزمان ومنطقه اللا عقلانيّ واللّا منطقيّ”. يبدو أنّهم هم العقلاء والمنطقيّون، ونحن كنّا المغفّلين. المغفّل فقط يرثُ الرضى الذاتيّ، وراحة الضمير، وشرف النضال. وهم يرثون كلّ شيء آخر رنّان، من لقب إلى ذهب. أنت وأمثالك تعيشون في المخيّم وتناضلون في الخندق وتشربون الماء الآسن وتقتاتون الفتات. وأمّا وجهاء النضال الكلاميّ والخطاب السياسيّ المهرجانيّ ومحترفوه فقد جنوا ثمار ذلك النضال، ألقابًا فخمة تحتضن أسماءها، ومباني ضخمة تنطح بأعناقها السحب، ومواسم الترف ومهرجاناته وأعراسه الّتي قصرت عنها ليالي الألف ليلة وليلة. *** أخي العزيز غسّان: لقد متّ مرّة، ونموت نحن كلّ يوم ألف مرّة. أكاد أسمعك تسأل: أليس من أخبار غير هذه التعاسات؟ نعم. فايز وليلى يرفعان اسم فلسطين واسم والدهما عاليًا، بكفاءاتهما ونشاطاتهما ونجاحهما. وآني وفيّة لك في وفائها لقضيّة زوجها الّتي أصبحت قضيّتها، مثابرة تنجز ما يعجز عنه العشرات. ورفاقك على إيمانهم وسلاحهم وأصالتهم. و«جبتهك» صامدة بالرغم من الإغراءات الّتي تستميل الضعاف وتَشُدُّ الأقوياء. والحكيم القائد يزداد مرضه قسوة وتزداد عزيمته قوّة. وكتبك ورواياتك وقصصك تجتذب القرّاء المعجبين طبعة بعد أخرى. ومجلّة «الهدف» تتحدّى وتواصل الصدور. والواحات النادرة في صحارينا الواسعة لا تزال خضراء، وينابيعها لم تجف، وإن أعرض الكثيرون عنها ولم يعد ماؤها الزلال يروي لأنّ عطشهم هو إلى نوع آخر من المشروبات. وبكلام آخر؛ لم تغب الشمس بالمرّة، وإن كانت العتمة تلفّ حياتنا. فلا بدّ للشمس من أن تشرق ثانية، إنّ دماء الشهداء، الأموات منهم والأحياء، ستظلّ تشعّ نورًا يضيء لأجيال قادمة. وحده هذا الأمل يمنعنا من الاستسلام/ الانتحار. عَمار: رحلة تُقدّمها فُسُحَة – ثقافيّة فلسطينيّة لقرّائها، للوقوف على الحياة الثقافيّة والإبداعيّة والاجتماعيّة الّتي شهدتها فلسطين في تاريخها المعاصر، من خلال الصحف والمجلّات والنشرات المتوفّرة في مختلف الأرشيفات. المزيد عن : أنيس الصايغ \غسّان كنفاني \مجلّة الأداب \الاغتيالات الإسرائيليّة \مجلّة الهدف \الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين \الاحتلال الإسرائيلي 11 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post حكومة بريطانيا تعتزم حظر جراحات ترقيع غشاء البكارة next post «بونبونة»… الجسد الفلسطينيّ في المخيال الاستشراقيّ You may also like موسيقى كَناوة تواصل اكتساح الحياة الفنية في المغرب 2 أغسطس، 2026 كارين اليان ضاهر في “اندبندنت عربية”: الدبكة اللبنانية…... 2 أغسطس، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: “ملكة القطن”… حقل... 2 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: “يوبيك” رواية فيليب... 2 أغسطس، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: أبرز مسلسلات أغسطس…... 2 أغسطس، 2026 موسى برهومة في “اندبندنت عربية”: جورج وسوف يتمرد... 2 أغسطس، 2026 “بوبية” فيلم جزائري يستلهم العشرية في كوميديا سوداء 1 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: آين راند من... 1 أغسطس، 2026 جمال نعيم في “اندبندنت عربية”: هل تستطيع الحضارات... 1 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: السجال المستعاد حول... 1 أغسطس، 2026 11 comments Stream Super Bowl LIX 9 فبراير، 2025 - 10:20 ص 913500 486268I feel other internet site owners ought to take this site as an model, extremely clean and superb user genial style and style . 128484 Reply ostheimer 26 فبراير، 2025 - 5:15 ص 607224 684133Hmm is anyone else encountering difficulties with the pictures on this weblog loading? Im trying to figure out if its a dilemma on my finish or if it is the weblog. Any responses would be greatly appreciated. 325892 Reply 1win 25 مايو، 2025 - 2:53 ص 473846 108481There is noticeably a good deal to know about this. I believe you created some good points in functions also. 439361 Reply this site 9 يونيو، 2025 - 8:47 ص 715570 553646numerous thanks for telling!. Truth is normally the top vindication against slander. by Abraham Lincoln.. 121830 Reply pg168 11 يونيو، 2025 - 1:46 م 918691 356230This will probably be a terrific blog, would you be interested in doing an interview about just how you developed it? If so e-mail me! 637837 Reply Buy Wegovy for weight loss usa 26 يونيو، 2025 - 4:36 ص 390507 629841Wow, amazing blog layout! How lengthy have you ever been running a weblog for? you make running a weblog glance easy. The total look of your internet web site is magnificent, well the content material material! 281950 Reply click here to investigate 1 يوليو، 2025 - 8:53 ص 370930 935895There some fascinating points more than time here but I dont know if I see them all center to heart. There exists some validity but Let me take hold opinion until I look into it further. Very great post , thanks and now we want much more! Included with FeedBurner at exactly the same time 763849 Reply pin up aviator tricks 19 يوليو، 2025 - 3:17 ص 538537 632705There is noticeably a bundle to realize about this. I assume you created various nice points in capabilities also. 829420 Reply Custom Badge 23 أكتوبر، 2025 - 1:36 ص This is a topic I’ve been curious about. Thanks for the detailed information. Reply แทงบอล SBOBET 24 يناير، 2026 - 11:48 ص 628407 956917thaibaccarat dot com may be the best site to study casino games : like baccarat, poker, blackjack and roulette casino 650761 Reply order Wavy Caps Edinburgh 28 يوليو، 2026 - 7:21 م 327616 240165Genuinely nice style and design and outstanding content material , absolutely nothing at all else we need : D. 976372 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.