(بول غيراغوسيان) ثقافة و فنون دلال البزري من تورنتو : سرطان الرئة بالذات.. عندما يعلن عن نفسه (1) by admin 1 يوليو، 2026 written by admin 1 يوليو، 2026 12 على كل حال، الحب يغمرني. فيعطيني تلك “المعنويات”. بالحب، أيضًا، أتمكن من الاعتراف لنفسي بأنني فعلًا مصابة بالسرطان، وأن أمامي معركة معنويات تضاهي معركة الكيمياء والحقن المتقدمة والطرق الهولستيكية الموازية للطرق العلمية “التقليدية”. ضفة ثالثة/ دلال البزري أمضي ثلاثة أشهر ونصف الشهر بهناء تام. توقُّف عن التدخين. نشاط ونضارة وأحلام ووعود بشيخوخة ميسرة، وتوفير اقتصادي يعطيني الحرية بشراء الكتب الورقية التي أرغب بها؛ بعدما سئمت القراءة في جهاز “كنْدل” الإلكتروني، المغري بانخفاض أسعار الكتب “النازلة” فيه. وعندما يوجعني صدري، أو يكثر سعالي، أستشير كبار المتوقفين عن التدخين، فيجيبون بأن هذا “طبيعي”، وبأن هذا يدلّ على أن جسمي يمر بحالة “انتقالية… يتخلص أثناءها من أوساخ التدخين”. هذه الأشهر الثلاثة والنصف لا تبقى على هنائها. في البداية، نهاية شهر شباط/ فبراير، وبداية شهر آذار/ مارس، أقول لنفسي إن خمسة وخمسين عامًا من التدخين يحتاجون إلى تنظيف “مؤلم… طويل”. أعود فأتصل بمدخنين قدماء وأستفسر عن مُدد التنظيف وأشكالها. يطمئنونني. يقولون إن الأشكال مختلفة. وإنني على الطريق الصحيح… ولكن الأشكال تتطور. ينقطع نفَسي بسعال يكاد يخنقني. أهرع ليلًا من فراشي إلى الشرفة، حيث الحرارة تتجاوز العشرين تحت الصفر. أحاول التنفس لعل السعال يخفّ قليلًا. فأقول لنفسي لا بأس… هذه أثمان عليك دفعها. وبعد أيام، يضيق نفسي، وأتعثر بالكلام. فأقرر المضي عند “طبيب العائلة”، الدكتور مايكل أنتل، وبثقة من توقف عن التدخين طوال أشهر. فهو هنأني في لقائنا الأخير لتوقفي عن التدخين، بعدما كاد أن ييأس من إمكانية أن أنضم إلى “حلقة المدخنين السينيور”، الذين تجاوزوا السبعين من العمر، وما زالوا يدخنون. ثلاث مرات اتصلوا بي، شخصيًا، وحددوا موعد لقاء تلك الحلقة، وأنا أعدهم بأنني حتمًا قادمة، وأنني متحمّسة جدًا. وأكذب عليهم سلفًا، كما أكذب على الدكتور مايكل بخصوص عدد السجائر التي أدخنها، وأنفي بحماسة إمكانية أن تؤثر السيجارة على أوجاع مفاصلي ورأسي، أو أي نوع آخر من الأوجاع. وأكذب عليه عندما أعود وأتحمَّس، مرة أخرى، لمواعيد “حلقة المدخنين السينيور”. أكره الكذب، ولكن في حالة السجائر والتدخين، كذبت على كل الأطباء الذين سألوني عن عدد السجائر التي أدخنها، أو عن إمكانية أن أتوقف عن التدخين. إذًا، يطلب مني الدكتور مايكل فحص دم. ويستدعيني على عجل بعد صدور نتيجته. فيعلن لي بدماثته المعهودة، من دون أي تغيير في تعابير وجهه، كأنه يود أن يخفي عني حزنه علي، بأن نتيجة فحص الدم “غير مرْضية”. فيعدد الاحتمالات: إما مياه في الرئة، أو قصور في القلب، أو سرطان. لا أصدق ما يقول، أو بالأحرى، أريد أن أصدق الاحتمالين الأولين: والدي الذي قضى بذبحة قلبية، والدتي التي انتهت حياتها بغرق جسمها بمياه رئتيها… “وراثة”، أقول، مدافعة. “والسرطان”، يسأل، “أليس في عائلتك من أصيب به؟”. بلى بلى، تناسيتُ سرطان خالتي سلمى، وخالي محمد. ولكن يا دكتور ما هي درجة احتمال السرطان؟ هي أقوى الاحتمالات، يجيب بلطف وجدية، كأنه مهموم. الخطوة التالية للتأكد هي “السيتي سكان” والخزعة. وما زلت غير مصدِّقة. رغم أن الجَرّاح العراقي يعلنها لي صراحة من دون مواربة ولا مسايرة. إنه سرطان من الدرجة الرابعة حجمه عشرة سنتمترات، ملتصق بالقلب. ولا مجال لإجراء جراحة لاستئصاله. ابنتي نور إلى جانبي. تبكي عندما يتكلم الجراح العراقي. فأقول لها بأن لا داعي للحزن، فأنا ما زلت غير مصدقة ما يعلنه الطبيب. أعود طفلة. لا أصدق، لا أريد أن أصدق. ألوذ ببراءة عدم الفهم. لا ليست هذه قوة. إنها عجز عن استيعاب جديد هذه الحالة. عجز عن إيجاد معناها، أو كلماتها. حالة انفصال بيني وبين نفسي. هذه المصابة بسرطان شديد من الدرجة الرابعة ليست أنا. هذه المُصابة غريبة عني. ولا يعكر ذاك الهروب غير قدوم أخي سعيد من بوسطن حالما أبلغه بالخبر، من دون أن أصدقه: – يقول الطبيب… – أنا طبيعية الآن… – يجب التأكد… – فحص الخزعة يبيّن الحقيقة… – يجب انتظار فحص الخزعة… لولا تلك الصعوبة بالتنفس؛ يريد أخي أن يموِّه عني بانتظار قرار تحسمه نتيجة الخزعة. نمضي في مشوار في وسط البلد. ندخل إلى متحف أونتاريو الملَكي. فيتوقف نفَسي، ونخرج منه مسْرعين. ثم نذهب إلى مقهى “مرْكوريو” الإيطالي الذي أحبه، القريب من “غابة الفلاسفة”. ونعود إلى البيت. وفي الليل تشتد الخنْقة، يتفاقم ضيق النَفس، وتنتفخ قدماي. أقاوم الذهاب إلى قسم الطوارئ. لا أطيق الساعات الطويلة في أروقته. وأخي يحاول إقناعي. حسنًا، نمضي إلى هناك. يعطونني الأوكسجين بانتظار الطبيب المختص الذي يقرر من دون تردد إدخالي إلى المستشفى؛ بعدما يكشف عبر فحص الإيكو، الأمواج الصوتية، أن رئتي غارقتان بسائل يضخّه ذاك الورم الملتصق بقلبي. هكذا، يحلّ عليّ السرطان رسميًا. وتهرع أختي ناريمان لاهثة من بيروت. تقارنني بأبي. تقول إنني أشبهه عندما دخل إلى المستشفى بعد واحدة من ذبحات قلبه. وأضع ساعتها كل مخيلتي في خدمة التصديق بالمرض، مستقبله، وقته، آلامه… الآن كل أخوتي تبلغوا بالموضوع. كان علينا الالتقاء في الدار البيضاء عند أختي الأكبر، سلوى، في نهاية شهر آذار/ مارس. ولكنهم ألغوا سفرهم. وباتت عيونهم هنا في تورنتو في مستشفى مايكل غوردن. سبعة أخوة: سعيد، وناريمان، وسلوى، ومحاسن، وهشام، وعصام، وأنا طبعًا. متفرقون في أنحاء الدنيا. كل واحد في بلد، موزّعون على ثلاث قارات. يتوالون تباعًا، منهم من تدوم إقامته. كل بدوره، حسب مقر سكنه. ومعهم التاريخ. تاريخ العائلة. وما درج على تسميته بـ”الذكريات”، وما يجدر تسميته بـ”الذاكرة”. كل واحد، في البلد الذي عاش فيه، بالمرحلة التي ترك فيها لبنان، له حكاية، خبرة، تجربة، معاني مختلفة عن الوطن والحب والزواج والأولاد والأخلاق. مختبر من الآراء والمشاعر القديمة الجديدة، مختبر من الطبائع المختلفة المنسجمة. المرات السابقة التي اجتمعنا فيها، مثل وفاة أمي، كانت مختلفة. كان خطر وفاتها الذي سبق أن جمعنا حولها قبل ثمانية أشهر، كان هذا الخطر قد زال. اجتمعنا على حزن فراقها، على خطر زال بوفاتها. لكن اليوم، الأخوة يلتقون حول مصيري المعلَّق: فيفجر حبهم لي. وينفجر حب ولداي، همام ونور، وحب أقاربي وأصدقائي. لم أشعر في حياتي بهذا الحجم من الحب. حتى في عزّ غرامياتي. حب متدفق وعفوي. حب طاغ، إشعاعه نووي، لا يعرف الحدود ولا المساحة. يفاجئني كل هذا الحب. أريد أن أستوعبه، أن أفهمه؛ لماذا يولد السرطان كل هذا الحب، خلافًا لغيره من الأمراض، أو المحن؟ ليس حبًا لمفقود، أو راحل، ليس حدادًا، أو حادثة مفاجئة، أليمة، أو خسارة معركة هامة. إنما مصيبة، لعنة، تعلق المصير، لا تحسمه. مرض غير منطقي. يصيب حتى الذين احترزوا منه. اختبار إلهي مباغت، علاج كيميائي طويل، تساقط الشعر، تعكر المزاج، جفاف الجلد، تضاؤل الهمّة، تبدّل الهيئة، نحول، أو سمنة، لعبة حظ غامضة. ليس مآلها مضمونًا. هل ثمة إيمان قديم بأنه يحتاج إلى “معنويات قوية”، وأن هذه المعنويات يوفرها الحب؟ على كل حال، الحب يغمرني. فيعطيني تلك “المعنويات”. بالحب، أيضًا، أتمكن من الاعتراف لنفسي بأنني فعلًا مصابة بالسرطان، وأن أمامي معركة معنويات تضاهي معركة الكيمياء والحقن المتقدمة والطرق الهولستيكية الموازية للطرق العلمية “التقليدية”. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post محمد أبي سمرا في “المدن”-بيروت: قصة تأليف كتاب عن صرّاف عكّا اليهودي next post دلال البزري من تورنتو.. سرطان الرئة بالذات (2): معركة من نوع آخر You may also like دلال البزري من تورنتو.. سرطان الرئة بالذات (2):... 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في “المدن”-بيروت: قصة تأليف كتاب... 1 يوليو، 2026 محمد حجيري في “المدن”-بيروت : ستهزمينه يا دلال 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت/ بنت... 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت: سوق... 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت: بنت... 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في”المدن” – بيروت: مسيحيو صور..... 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت: حارة... 1 يوليو، 2026 حين تتقاطع الرومنطيقية الفرنسية والنهضة العربية 30 يونيو، 2026 إبراهيم العريس في اندبندنت عربية : رحلة ديلاكروا... 30 يونيو، 2026