عفيفة لعيبي ثقافة و فنون دلال البزري من تورنتو.. سرطان الرئة بالذات (2): معركة من نوع آخر by admin 1 يوليو، 2026 written by admin 1 يوليو، 2026 11 “إذا كان التستّر على المرض من تقاليد السياسيين الغربيين، فإن السلوك الغربي “الشعبي” يميل إلى الإعلان عن المرض، والتعامل معه كأنه “طبيعي”” ضفة ثالثة / دلال البزري أعلم إذًا أنني مصابة بسرطان الرئة. ولكن، قبل المباشرة بالعلاج نفسه، أي الدخول إلى المستشفى، عليّ الانتظار. ريثما تخرج نتيجة فحصين: الخزعة الرئوية، والتصوير المقطعي (المعروف باسم “سي. تي. سكان”). أحب الانتظار هذه المرة، أحب الصبر، على غير عادتي. لأنه يطيل أمد الأمل، بأنني لست مصابة بالمرض. فأنا ما زلت غير مصدقة. وأتمسك بفكرة أن الفحصين يؤكدان تشخيص المرض، أو ينفيانه، كما يجيبني الممرضون والأطباء الذين أصادفهم في الممرات الطويلة للمستشفى. أراهن على نتيجة الفحصين ليعلنوا لي بأنهم أخطأوا. ليعتذروا لي عن الهلع الذي سببوه لي ولعائلتي. لكن فترة السماح هذه لا تدوم. ولا يدوم صبري أيضًا. لا يوافق طباعي. أريد أن أعرف حقًا ماذا يدور في خلد رئتي. لا يتردد جسمي في استباق نتيجة الفحصين الحاسمين. تغرق رئتاي بالسائل، وأختنق كما أخبرت. ومنذ تلك اللحظة، أصبح موضع عناية ومراقبة وتنسيق بين الأقسام، كأن يدًا عليا تنظم وجودي هنا في مستشفى مايكل غارون. لا يدفع المرضى مليمًا لقاء علاجهم. أحتاج إلى الوقت للتصديق بأن هذه المستشفى مجانية، أقارن طوال الوقت بينها وبين مستشفياتنا. أميل غصبًا عني إلى التقليل من شأنها. أريد أن أنتقل إلى مستشفى آخر، يحمل اسم الأميرة مارغريت، شقيقة الملكة الراحلة إليزابيث الثانية. مجاني صحيح، ولكنه الثاني في العالم في معالجة السرطان. يكتب أخي سعيد رسالة إلى إدارة مايكل غارون، طالبًا نقلي إلى “الأميرة مارغريت”. ولكن طلبه مرفوض. لأن بروتوكول العلاج هو نفسه. ولأن بيتي قريب من مستشفى مايكل غارون. فعلام أزيد من زحمة السير الخانقة التي يضج منها سائقو المدينة؟ على كل حال، ذهبت إلى مستشفى الأميرة مارغريت ومستشفى أنديت الذي لا يقل سمعة عنه، لأغراض مرضية ثانوية. وحمدتُ حظي بأنه اختار لي مستشفى مايكل غارون. فوق أنهما بعيدان فعلًا عن سكني، يمكن أن يغرقا المعنويات في النسيان، بسبب ضخامتهما واحتشادهما بمرضى السرطان، بما يوحي بأن لا مرض غيره على وجه الأرض. “والمستشفيات الخاصة…؟ أليست موجودة هنا؟”. أسأل للفضول… لأقارن. أريد التفكير بشيء آخر، غير الورم. فأنا لا أرغب بالانتقال إلى واحدة منها على كل حال. والجواب لا يتأخر: العيادات الخاصة إن وُجدت فهي من أجل فحوصات تشخيص المرض، أو إعادة تأهيل بعد العلاج، أو بعض التجارب السريرية، أو لإعطاء “رأي ثانٍ” في المرض، كما هو رائج هنا. أنا الآن في المستشفى. بداية، يدخلونني في قسم القلب لتفريغ رئتي من السائل، ويضعون في أنفي ذاك الأنبوب البسيط للأكسجين. ونوع من الإبرة تغرسه طبيبة بإشراف الطبيب المتخصص بالقلب، الدكتور تشارلز ليفكوفيتش. أحاول تخمين أصله من اسمه. وأستنتج بأنه يهودي بولوني. شبيه الممثل الأميركي داستن هوفمن. مثله من أوروبا الشرقية، إذا صح استنتاجي بأصوله. ومثله تضحكني جديته البالغة. وتحضر الدكتورة لي المشرفة على علاجي، لا يصعب معرفة أنها صينية. من اسمها وعيونها. ولكنني أتأكد بعد سؤالي. والاثنان يتناوبان. الدكتور تشارلز يقول إنه سبق والتقى بي. نعم، أقول له، التقينا منذ سنة، عندما تهربتُ من فحص القلب بعد حادثة خلع كتفي إثر وقوعي. وما أكثر حوادث وقوعي… ذلك أنني كنت ما زلت مدخنة، وأتجنب الفحوصات التي تكشف عن رئتيّ التعبتين، ونصائح الأطباء بالتوقف عن التدخين. أحاول أن أرطّب الجو معه، أن أرحب به عندما يزورني، أن أدخل بعض المزاح في أحاديثي وأسئلتي، لعلني أخرج قليلًا من مزاج الزهق الذي أدخلني به المكوث في المستشفى. ولكن عبثًا. الدكتور تشارلز ليس طبيبًا لبنانيًا. مثله مثل الدكتورة لي، هو في غاية التحفظ. كأنهم وضعوا قناعًا على وجوههم. لا مشاعر على الإطلاق. البرود العلمي فقط. الدكتورة لي خصوصًا، كأنها تقرأ تقريرًا علميًا عن عالم الفضاء أو البحار: أنتِ مصابة بسرطان من الدرجة الرابعة، طوله عشرة سنتيمترات، ممكن أن تبقي على قيد الحياة، ممكن أن يتقلص حجمه، لكنك لن تشفي. تسلمني تقريرًا من عدة صفحات، أفهم أنه ما هو متعارف على تسميته “بروتوكول العلاج”، يصف مراحل العلاج الكيميائي، ومحتوى هذا الكيميائي، وما سوف يلحقه من علاجات “مناعية”. تذهلني صراحتها الباردة. أكرر سؤالي: تقصدين أنني سأبقى مصابة بالسرطان رغم العلاج؟ وتكرر الجواب: نعم… والدكتور تشارلز يختلف عن الدكتورة لي. قناعه أقل سماكة. ربما شبهه مع داستن هوفمن، أو سرعة تفريغ قلبي من السائل. فوق أنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من الانشراح كلما أطلّ عليّ، أمام جديته التي تنفجر ضحكًا. وما يدعم إحساسي هذا هو تواضعه العلمي. سألته مرة، بعد خروجي من المستشفى، وهو يجري تخطيطًا لقلبي، إن كان العلاج الكيميائي يؤذي القلب. قال إنه لا يعرف، وإنه سوف يستشير أحد المواقع الطبية. وطلب مني عدم مغادرة العيادة وانتظار استشارته. فكان الجواب بأنه نعم، الكيميائي يضر بالقلب. ولكنه لم ينل من قلبي. ومع ذلك، يبقى عجبي. لماذا يصرّ الدكتوران لي وتشارلز على المبالغة في الجدية والتجهم؟ بعكس ما ألفته مع أطبائنا اللبنانيين؟ لأن مريض السرطان ليس كغيره من المرضى. إنه يقترب من الموت المحتّم. الشفاء منه غير مؤكّد، غير نهائي. وعلاجه له مفاعيل ثانوية ضارة. غامض الأسباب. مثل التدخين، كما في حالتي، حيث نسبة المصابين بسرطان الرئة من المدخنين ضئيلة، وثمة غير مدخنين يصابون به أيضًا. أسأل الدكتورة لي، بعدما أتأكد من المعلومة: “لماذا أنا بالذات؟”. سؤال يبدو لي اليوم عديم الجدوى. كأنني أسألها عن القدر، أو الحظ، أو ربما الله… والسرطان مرض شائع في كندا. يفوق المعدل العالمي بنحو النصف… وُجب على الطبيب عدم تشجيع المريض على بناء أوهام شفاء هابطة. تُملَى عليه الصرامة العلمية في كل لحظة تجنبًا للخذلان. هذه الصرامة العلمية تبدو لي مثل تعويذة تدرأ خطر الموت بالمرض. وثمة وجه غريب لـ”الصرامة” العلمية لدى الدكتورة لي وزملائها. المرض شائع، والثقة كبيرة بعلاجه، ومعها البرودة في التكلم عنه، ولكن الرعب من السرطان يبقى قائمًا. ومن باب الصرامة، شيوع اللغة “الحيادية” بين الأطباء والمصابين لوصف المرض. عبارات وكلمات من نوع: “سرطان موضعي”، “في مرحلة مبكرة”، أو “طور متقدم” أو “منتشر”، “في مراحله الأولى… الثانية… الثالثة… الرابعة…”… عكس ما تعتمده لغتنا المتداولة، إذ ندخل عواطفنا فنقول: “هيداك (ذاك) المرض”، أو “المرض العضال” (أي المستغلق والشديد)، أو “الخبيث”، أو “الفتّاك”، أو “الشرس”… ثم نكتمه، نعزل المصاب به. وكم من أخبار النعيات تردنا بأن المرحوم قضى بعد “صراع طويل” مع المرض. فنفاجأ بأنه كان مصابًا بالسرطان ولم يعلم به إلا أطباؤه. والغرب يخصص الكتمان من المرض لرجال الدولة المصرّين على البقاء في الحكم رغم الإصابة. مثل الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران، الذي كان مصابًا بسرطان البروستات قبيل انتخابه رئيسًا، وبقي يعالج منه طوال عشر سنوات في سرية مطلقة، حتى عمّ الخبر في أواخر سنوات ولايته الثانية. فاهتز الرأي العام الفرنسي. وما زاد من حنقه أن ميتران بالذات كان ينتقد سلفه جورج بومبيدو لتكتّمه على إصابته بسرطان الدم. إذا كان التستّر على المرض من تقاليد السياسيين الغربيين، فإن السلوك الغربي “الشعبي” يميل إلى الإعلان عن المرض، والتعامل معه كأنه “طبيعي”. تلاحظ بأن لغته أكثر حيادية، تميل إلى التوصيف، لا إلى الأهوال. فلا ضير من إعلانه أمام الملأ. وإخراج المصاب به من القمقم الذي يميل إلى اللجوء إليه نتيجة صدمته من الوقوع به. وهذا الخروج يسمح لـ”الصراع الطويل مع المرض”، مغلقًا ومكتومًا، أن يتحول إلى مغامرة مفتوحة معه تلامس أحيانًا متعة الاكتشاف. هل المرض يُقاوَم فعلًا؟ هل يُحارَب؟ مثل الاعتقاد أو الإيمان بأن المعنويات المرتفعة، والمواقف الإيجابية من المرض، والتفاؤل والإرادة والإيمان… يمكن أن تقهره. وأن الحزن و”الستريس” واليأس… يمكن أن يفعلوا العكس. أطرح السؤال على الدكتورة لي، في أحد لقاءاتنا. ولا تتراجع أبدًا عن صرامتها. ولكنها تبتسم بخفر، كمن تريد ألا تخون مهمتها العلمية، شكّها العلمي. وتعوّض عن الابتسامة بالتكرار بأنني لن أشفى، لن يختفي الورم من يمين قلبي، وأنه يمكن أن يرافقني طوال بقية حياتي. وتنبّهني بأن “المرحلة الانتقالية” التي أمر بها الآن هي ربما الأصعب. لا تعطيني تفاصيل، كأنها ترميني في بحر الواقع اليومي الذي أعيشه تبعًا لـ”بروتوكول” العلاج. أي أن العلاج الكيميائي سيكون وقعه أقوى من المرض نفسه: سيرتجف صوتي، سيبهت جمالي، ويتساقط شعري، وتضعف طاقتي، ثم الغثيان والإكتام والصداع… ثلاثة أشهر من الكيمياء السامة سيدخل جسمي، ويتحول جسدي إلى ساحة معركة، مركزها قريب من قلبي. وكل مجريات المعركة مرهونة بكيفية تعاملي مع وقائعها. بين أن أترك جسمي، وبين أن أدافع عنه. بأن لا أنكر المعركة، أو أهرب منها، ولكن أيضًا بأن لا أستسلم لها. بأن “أرتاح” عندما “أتعب”، أن أقاوم مكابرتي وكبريائي، وأيضًا بأن لا أرتمي في حضن هذا التعب. بأن أضع لنفسي شروطًا، كأن أتابع الرياضة، وإن اقتصرت على نصف ساعة في النهار. بأن أشتري باروكة، التي لم تعجبني، بأن أجد لها بدائل حلوة، مثل ربطات مناديل مستوحاة من تراث الحجاب، بأن أتابع الرياضة، بأن أضع الكريمات والماسكات على وجهي، بأن أتكحّل، بأن أُكثر من سماع الموسيقى، بأن أقرأ الأدب، بأن أحدد موعد عودتي إلى العمل. بأن لا أفوّت على نفسي أخبار الحرب الآتية من بلادي، بحجة أنني تعبانة ولا أستطيع تحملها، بأن أهزأ من السرطان، أسخر من لفظه، فأقول “سرطون”، أو “قنسر”. معركة من نوع آخر. أجد من بين النساء من هن أكثر شجاعة مني: النساء اللاتي لا يخفين صلعتهن بعد سقوط كل شعرهن. يمشين على الأرض برؤوس مرفوعة. يا لهن من أمازونيات! (يتبع) 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post دلال البزري من تورنتو : سرطان الرئة بالذات.. عندما يعلن عن نفسه (1) You may also like دلال البزري من تورنتو : سرطان الرئة بالذات..... 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في “المدن”-بيروت: قصة تأليف كتاب... 1 يوليو، 2026 محمد حجيري في “المدن”-بيروت : ستهزمينه يا دلال 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت/ بنت... 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت: سوق... 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت: بنت... 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في”المدن” – بيروت: مسيحيو صور..... 1 يوليو، 2026 محمد أبي سمرا في “المدن” – بيروت: حارة... 1 يوليو، 2026 حين تتقاطع الرومنطيقية الفرنسية والنهضة العربية 30 يونيو، 2026 إبراهيم العريس في اندبندنت عربية : رحلة ديلاكروا... 30 يونيو، 2026