الخميس, مارس 5, 2026
الخميس, مارس 5, 2026
Home » دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة (5)

دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة (5)

by admin

 

شركة “السي أن تسي سي” هي أكبر مصنع للسيجارة في العالم، يصل معدل إنتاجها إلى أربعين بالمائة من الإنتاج العالمي للسجائر

العربي الجديد / دلال البزري  كاتبة وباحثة لبنانية

الصين “الشيوعية” في حمى الإنتاج الرأسمالي للسيجارة

مثل كل الدول التي تحترم نفسها، وقّعت الصين منذ عقدين ما هو معروف رسميًا بـ”الاتفاقية الإطارية” لمنظمة الصحة العالمية لمكافحة التبغ. أي أنها التزمت بخفض استهلاك السجائر، بالحدّ من الدعاية لها، بحماية غير المدخنين من دخانها، وبالتنبيه إلى مخاطرها الصحية.

وهي تقوم بكل ما يلزم من أجل ذلك، أي أنها تخوض حملات تسميها “حملات وطنية صحية”، عبر التلفزيون، والإعلانات في المستشفيات والمدارس والمؤسسات. وتحتفل باليوم العالمي من غير تدخين (31 أيار/ مايو)، وتنظم مؤتمرات طبية وفعاليات وتصدر البيانات. وتفرض حظرًا على التدخين في بعض الأمكنة العامة مثل المستشفيات والمدارس والنقل العام والمباني الإدارية. بل وتستهدف أعضاء الحزب الشيوعي الحاكم، بمنعهم من التدخين في المكاتب الحكومية، وتطلب منهم الحدّ من تقديم السجائر أثناء المآدب الرسمية.

ومع ذلك، فإن أعلى نسب الوفاة بين الصينيين تعود إلى تدخينهم السجائر، أو إلى تنشّق دخانها سلبًا. أكثر من مليونين ونصف مليون شخص تصيبهم أمراضها المعروفة: الجهاز التنفسي، الأوعية الدموية، القلب، فضلًا عن السرطان.

فهناك ثلاثمائة مليون مدخّن في الصين، وغالبيتهم من الرجال، ومن الطبقات الدنيا: عمال، مهاجرون من الريف يعملون في البناء والمصانع والنقل والمناجم. عملهم صعب متعب وضاغط. والسيجارة عندهم تخفف التعب وتفتح نافذة على شيء من الراحة، وعلى العلاقات الاجتماعية. في الريف السيجارة أعظم شأنًا، لأنها رخيصة، ويكثر المتحمّسون لها.

في الطبقات المدينية المتوسطة، تجد تدخينًا أقل، انتقائيًا، وإن ظل محتفظًا بطابعه الاجتماعي. يدخن من يحضر مأدبة، أو فعالية، أو مجرد لقاء عام، أي أن السيجارة هنا ليست إدمانًا، إنما “وسيطًا” للعلاقة مع الآخرين.

ثم تنخفض نسبة التدخين كثيرًا في الطبقات العليا المدينية المتعلمة. حيث مستوى التعليم مرتفع، والمحيط الضيق يرفضه، وتنتشر في وسطه أفكار تشبه الحملات الإعلامية ضده.

والرجال يدخنون أكثر من النساء، وبنسبة هي الأعلى في العالم. ذلك أن التدخين الصيني مرتبط بالرجولة وبطبيعة العلاقات الاجتماعية التي يقيمها الرجال، مثل البزنس والسياسة والجيش. وتقديم السيجارة سلوك رجالي شائع.

المهم من كل هذا، أن التدخين تقليد شعبي راسخ، ذو جذور وامتدادات. لذلك ترى أنه خلافًا لأي حملة وطنية صينية، فإن كل الحملات التي “تلتزم” بها الصين مع منظمة الصحة العالمية “معتدلة”، رمزية أكثر مما هي جوهرية، ذات أثر محدود، وتطبيق انتقائي، وعقوبات ضعيفة على مخالفتها (أيضًا عكس العقوبات في مجالات أخرى)، ورقابة أضعف منها. فيما أسعار السجائر هي بمتناول أفقر الطبقات، أي أنه لم يدخل إليها الردع المالي، القاضي برفع سعرها، منعًا لاستهلاكها على نطاق واسع.

لماذا؟

السيجارة وصلت إلى الصين في القرن السابع عشر، عن طريق الأوروبيين. وقتها، كان يتعاطاها المثقفون والنخب المدينية وكبار الموظفين. التدخين في ذاك الوقت هو دليل رقي وترفيه، وانتماء إلى طبقة رفيعة. بعدها، في القرن التاسع عشر، ظهرت السيجارة المصنّعة، تنتجها شركات بريطانية وأميركية. فانخفض سعرها وتوسّع سوقها.

في الصين الماوية، أي الخمسينيات والستينيات، انتشرت السيجارة بين الرفاق الرجال، يشجعها الحزب الثوري القائد، وتنتجها الدولة. وتصبح جزءًا من العمل المهني والانخراط بالجيش والعلاقات السياسية. كل الرجال يدخنون في تلك الأيام، والتمايز الاجتماعي ضعيف.

بعد إصلاحات الثمانينيات، و”الانفتاح الاقتصادي”، والتوسع الحضري، ولدت المفارقة الصينية التي ما زالت قائمة حتى اليوم: الطبقات العليا والمتعلمة تتوقف عن التدخين، والطبقات الدنيا تتابعه بدأب. فيما الدولة التي يشرف عليها أعضاء الحزب الشيوعي الصيني المنتمين إلى الطبقة الأعلى، تنتج السجائر، وتخصص لها شركتين وطنيتين.
كيف؟

الشركة الوطنية الصينية للتبغ (السي أن تي سي): هي مؤسسة تابعة للدولة، والدولة يحكمها الحزب الشيوعي. وهذه الشركة تعمل بحسب المعايير الرأسمالية الصرفة: تحسب العوائد، تخصص الأسواق المختلفة، تبتكر الطرق التسويقية الجديدة، وتفصل المستهلكين، بين مناطق وأنحاء. تعمل كمؤسسة رأسمالية احتكارية، أي من دون أن يكون هناك من ينافسها.

وميزة شركة التبغ هذه أنها غير معرَّضة لأي ضغط أيديولوجي. لا حساسية خارجية منها، ولا تهديد لسيادتها، ولا تبعية جيوسياسية تجاه الخارج. أي أنها قطاع اقتصادي نموذجي لتحصيل المال من دون صراع داخلي أو خارجي. بالعكس: إنها أداة جمركية شبه سرية. لا ضريبة علنية مكروهة، إنما ضريبة غير مباشرة ولا بالتالي صراع اجتماعي مباشر. إيراداتها ضخمة، مخاطرها السياسية معدومة. وهذه الإيرادات، لضخامتها، يحسب الاقتصاديون أنها قادرة على تمويل الرواتب والمستشفيات والبنى التحتية.

أما الموظف في هذه الشركة فهو “قريب” من الحزب الشيوعي الحاكم، أو كادر من كوادره. الحزب يعيّنه بناء على أهدافه الاقتصادية المباشرة، وبناء على ولائه السياسي. أي أنه ينتسب إلى الحزب، لا إلى وزارة الصحة، ومعيار نجاحه أو بقائه هو الإيرادات الضريبية التي يحققها، وحجم المبيعات وربحية الشركة واستقرارها ومساهمته في ميزانيات القرى، وانخفاض استهلاك السجائر هو مؤشر سلبي على مستقبله المهني. لذلك، عليه الارتباط الوثيق بالشبكات المناطقية العابرة للقرى، مثل الحكام وأعضاء لجان الحزب. وله دور سياسي في محاربة الحملات الفردية ضد التبغ التي تبزغ هنا وهناك في أنحاء القرى.

لذلك يمكن اعتبار شركة “السي أن تي سي” مثل الذراع اليمنى للدولة، وأداة حكم محلية وسد منيع أمام أي سياسة معادية للتبغ يمكن أن تظهر. فالحزب يضع “الحدود الأيديولوجية” المسموحة بخصوص التبغ، والأولويات “الاستراتيجية” التي تخصه، فيما الشركة تعظم الإنتاج والمبيع وهوامش الربح.

ثمة شركة ثانية تهتم بالتبغ الصيني هي “الإدارة الحكومية الصينية لاحتكار التبغ” (أس تي أم أي). إنها رسميًا “المنظم الإداري” لإنتاج السجائر. تصدر الأوراق الرسمية، والمعايير، وتنظم وتمنع وتراقب. أما لماذا شركة ثانية؟ فللتوافق مع المعايير العالمية بـ”الفصل” بين الإنتاج وتنظيم الإنتاج، منعًا لتهم الاحتكار “التعسفي” ولخرق قوانين منظمة الصحة العالمية ونقد سياسة الدولة، أو ليأخذ الحزب الحاكم حريته الكاملة في تعظيم إنتاج السجائر، من دون أن يبدو أن هناك تناقضا بين هذا الإنتاج وبين سياسته الصحية المعلنة.

إذًا في الصين، الدولة هي التي تصنع السيجارة. وهذه الصناعة هي مورد هام لماليتها. والتدخين ظاهرة جماهيرية شعبية. وشركة “السي أن تسي سي” هي أكبر مصنع للسيجارة في العالم. يصل معدلها إلى أربعين بالمائة من الإنتاج العالمي للسجائر.

هنا بعض أرقام هذه الشركة: تصنع ملياري ونصف مليار سيجارة في العام الواحد. ربحت العام الماضي 302,8 مليار دولار (الولايات المتحدة ربحت 108,5 مليار). هناك بين ثلاثة إلى ثلاثمائة مليون صيني يدخنون. السجائر تساهم بنسبة 11% من الإيرادات الضريبية الصينية.

ولا تكتفي شركة “السي أن تي سي” بالسوق المحلية، على ضخامتها. فأسوة ببقية صناعاتها، تصدر الصين إلى الخارج إنتاجها التبغي، وبأسعار منخفضة، وأرباح أقل، كما في كل “بداية”. ولكن ليس إلى دول الغرب، بل إلى أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. وبماركات تختلف عن الفاخرة المحلية منها. تعتمد أسماء أخرى لسجائرها، محايدة أو قريبة إلى الإنكليزية. ذات تصميم شبيه بـ “الدولي”، متوسطة ومنخفضة الجودة، ومتلائمة مع الأذواق المحلية. بعضها يحمل اسمًا ملائمًا أيضًا مع الثقافة المحلية. أفريقيا مثلًا تسمّي سجائرها “القرد الذهبي”، أو “الباندا”. أما في العراق وسورية وليبيا، فاسم سجائرها “مانشستر”، أو “لندن”، أو “بوس”…  وأحيانًا من دون أسماء، عندما تكون الماركة في أدنى درجات الجودة.

قطاع التبغ خلق طبقة جديدة في الصين، اسمها “مليونيرات التبغ”. هؤلاء لم يثروا خارج الحزب- الدولة، إنما من داخلهما. لا يملكون شيئًا في البداية. هم فقط كادرات عليا في الحزب، قادة في قراهم أو مناطقهم، تكنوقراط في صناعة التبغ، أو أصحاب شركات “نصف عامة”، ليست خاصة تمامًا ولا حكومية بالكامل؛ وثروتهم تأتي من أجورهم المرتفعة، والمكافآت الموسمية، وحوافز الأداء الجيد، والمزايا العينية، وما تدرّه عليهم رقابتهم على معابر إلزامية، تعود إلى العلاقات الراسخة مع السلطة.

وإذا كان الواحد منهم عضوًا في الحزب الشيوعي الحاكم، فسيغتني بأسرع وأسهل مما يفعل أي كادر آخر من خارجه.

الآن ثمة مشكلة صينية مع السيجارة. كما مع غيرها من البضائع، تحتل الصين مع السيجارة صدارة الإنتاج العالمي، ومستهلكوها هم أيضًا في الصدارة العالمية. السيجارة تتسبب بالنسبة الأعلى من الوفيات.

ولكن: من ينتجها؟ الدولة عبر “شركة الوطنية الصينية للتبغ”، كما رأينا. لا قطاع خاص أو أفراد يصنعونها.

أي أن الدولة تصنع السجائر، وتدفع أثمان العلاج من آثاره. وتكون بذلك هي الخاسرة على المدى البعيد؛ تبني المستشفيات وتنفق على العلاج الذي يكون التدخين من مسبباته. وتكون النتيجة وفيات مبكرة وخسارة أيدي عاملة، أو إعاقات دائمة، أو أُسر أصابها الفقر.

حسنًا، ولماذا لا تتدخل الدولة، أو تخطط لأجندة صحية توفر على الصينيين كل هذه الخسائر؟

لأن الدولة مستعدة أن تدفع ثمن “الخسائر” البشرية، مقابل أرباح صناعتها للسيجارة.

فهي تجني إيرادات ضريبية ضخمة، تؤمن عددًا من الوظائف في زراعة التبع وصناعة السيجارة وتوزيعها. وترسي “استقرارًا اجتماعيًا” ثابتًا في المقاطعات المعنية بتلك الأنشطة. ومجرد خفضها سوف يترتب عليه تعويض المقاطعات المنخرطة بها، والبحث عن ملايين الوظائف البديلة، وطبعًا خسارة إيرادات ضخمة.

التناقض الصيني مزدوج في هذه الحالة.

أولًا كسياسة صحية، الصين توقع على اتفاقيات منظمة الصحة العالمية للحدّ من تدخين السجائر، تقوم بحملات “وقاية” منها، ولكنها تستمر بصناعتها وبيعها على نطاق داخلي وخارجي.

التناقض الثاني، والذي ينال من صفة الدولة نفسها وحزبها الحاكم: أن الصين تتصرف كما لو كانت إحدى القوى الرأسمالية الاحتكارية الكبرى، بتعارض بنيوي مع المصلحة العامة، أي مصلحة الشعب الصيني؛ مثل كبريات القوى الرأسمالية للقرن التاسع عشر الإنكليزية والفرنسية الألمانية، وقد أجاد كارل ماركس بوصف طبيعة نشاطها: بعبارات امتلاك وسائل الإنتاج وفائض القيمة وتعظيم الربح وخفض الأجور وزيادة الإنتاج.

مع الفرق أن الرأسمالية الأوروبية كانت شأنًا “خاصًا”، ملكيات خاصة. فيما الرأسمالية الصينية هذه هي شأن الدولة، وليس أي دولة. إنما دولة يحكمها حزب شيوعي، قام بثورته ضد الرأسمالية الاستغلالية. دولة تحكم باسم الشعب، لكنها تحكم وكأنها مديرة ريع واحدة من موارده. دولة يقودها حزب شيوعي تكنوقراطي، لا يأبه بالتكلفة الإنسانية لسياستها، أولويته هي “الاستقرار المالي”.

دولة وضعت حدودًا بين الطبقات، حتى في ماركات سجائرها. فبين سيجارة “المعبد الأحمر على رأس الجبل”، المتوسطة الجودة، وماركة “يونان”، الفاخرة، وماركة “السعادة المزدوجة”، نصف الفاخرة، وماركة “الرمال البيضاء” الأدنى سعرًا من بين بقية السجائر، سيجارة العمال والموظفين الصغار. ترتسم الطبقات التي قامت ضدها ثورة أدمت الصين خلال عدة عقود…

(يتبع)

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00