دلال البزري : أهل بلاد الشام يوحّدهم طردهم من بلادهم – CANADA VOICE
السبت, أغسطس 22, 2026
السبت, أغسطس 22, 2026
Home عربيبأقلامهم دلال البزري : أهل بلاد الشام يوحّدهم طردهم من بلادهم

دلال البزري : أهل بلاد الشام يوحّدهم طردهم من بلادهم

by admin

تكاد سنوات حروب لبنان المتسلْسلة، المتنوّعة الأشكال، أن تشكّل محطّة شبه منتظمة لإشعال النار في البيوت والأفراد

العربي الجديد / دلال البزري – كاتبة وباحثة لبنانية

بلاد الشام مقسَّمة، مفتّتة، موزّعة بين محاور، متحاربة، مضرّجة بدمائها ولاجئيها. ولكن ولا مرة بدَت موحَّدة كما هي الآن. لا سياسياً، أقصد، ولا “فكرياً” أيضاً، إنما بذاك المصير الغريب، الطارد أبناء البلد من بلادهم.

من الأول: الإسرائيليون، بإعلانهم عن تأسيس دولتهم، عام 1948، أخرجوا مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم، وحوّلوهم إلى لاجئين في دول الجوار. ولاحقاً، لأصحاب الحظوظ من بينهم، هجرة ثانية، مضطربة، مؤقتة، أو مطمئنة في بلاد الله الواسعة. وخلال تلك الهجرات، المطمْئنة منها والقلِقة، احتاج كل فرد فلسطيني نال جائزة العيش أن يفعل ما يفعله كل من خرب بيته: أعادوا بناء حياتهم، كأنهم يستأنفونها. أما الذين “بقوا”، أو “عادوا” إلى الضفة الغربية والقطاع، فلم تخلُ حيواتهم من الاهتزاز، من العذاب، أو من الحلم بالمغادرة يوماً ما. فيما أقرانهم من الذين لم يخرجوا سنة النكبة، فهم منتقصو الحقوق، لا تقلّ حيواتهم اضطراباً وقلقاً من خطط الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على النّيل من أدنى حقوقهم. والمجموعتان تتأرجح مصائر أصحابهما بين أيادي غيرهم، لا بين أياديهم.

من الآخر: السوريون عرفوا، طوال هذه الأثناء، نوعين من السُبُل: الانقلابات العسكرية المتتالية، التي خلطت أوراق بعض مواطنيها، فرحلوا، أو هاجروا، أفراداً معدودين، ليس أكثر. وبعد هذه المرحلة، أتى الاستقرار المديد لحكم حافظ الأسد. رغم حربَي 1967 و1973، لم تتبدّل حيوات السوريين كثيراً، إلا عام 1982، عندما شنّ الأسد حملة دموية، شبه سرّية، على “الإخوان المسلمين”، وعلى مدينة حماه، فتبعثرت حيوات آلافٍ من السوريين، فيما السجون كانت تطبق على كل من تسوّل له نفسه نقد الأسد، أو الانتماء لحزب غير أحزاب “الزينة التقدّمية – الوطنية”، التي كان يتباهى بها حزب البعث الحاكم. والفلسطينيون الذين استقبلتهم سورية سنة النكبة كانوا أوفر الفلسطينيين حظاً بالحقوق، مثل التي “يتمتع” بها السوريون. الاستقرار الذي أرساه الأسد كان من النوع الأمني البوليسي إذن. تستمر الحياة على منوالها السابق، على رتابة سجونها، على هنائها أيضاً، تسيطر عليها قبضة من حديد.

  • خرج ثلاثة عشر مليون سوري من بيوتهم، والأرجح أن أياً منهم لن يعود، ليؤسّس خارج البيت أو خارج الوطن حياة جديدة، ولو تحت خيمة بلاستيك

بقيت هذه القبضة ناجحةً، عامرة، حتى اندلاع الثورة السورية ضد بشار الأسد ونظامه. ومن يومها، دُمِّرت حيوات ثلاثة عشر مليون سوري، ومعهم عشرات الآلاف من الفلسطينيين – السوريين: نصفهم خارج سورية، والآخر في داخلها. يعني تقريباً، بدفعة واحدة، ومن دون تمهيد كما حصل مع الفلسطينيين الذين كانوا يواجهون الهجرة اليهودية إلى فلسطين قبل تأسيس إسرائيل بسنوات .. خرج ثلاثة عشر مليون سوري من بيوتهم، والأرجح أن أياً منهم لن يعود، ليؤسّس خارج البيت أو خارج الوطن حياة جديدة، ولو تحت خيمة بلاستيك، حتى لو كان قد تجاوز الخمسين أو الستين من العمر. وهنا لا تُنسى تفاصيل حياة الذين “بقوا” من السوريين تحت قبضة بشار الأسد أو المجموعات الإسلامية المسلحة في الشمال، أو الكردية في شمال الشرق. و”العادي” أن حياة هذه الملايين يشوبها ألف توتّر وإذلال وحرمان، كي لا نقول تدمير لحياة أو لبيت…

بين الأول والأخير، بين سورية وفلسطين لبنان. قدرته على تدمير الحيوات تعود إلى استقلاله على الأقل: من وقتها، أي منذ ثمانين سنة، لم ينعم لبنان بأي عشر سنوات متتالية من “الاستقرار”. تكاد سنوات حروبه المتسلْسلة، المتنوّعة الأشكال، أن تشكّل محطّة شبه منتظمة لإشعال النار في البيوت والأفراد، وكسر خط حياتهم، يميناً وشمالاً.

  • لم ينعم لبنان بأي عشر سنوات متتالية من “الاستقرار”

ولا تتوقف عملية الترحيل من لبنان على تلك المحطات الدموية. إنما علينا أن نحسب، من بين حيوات الأفراد، القرارات التي اتخذها عدد كبير منهم بالهجرة في أوقاتٍ اعتُبرت “قابلة للاستقرار…”، فيما الهجرة المؤقتة كانت غالباً تُتبع بهجرة أخرى، نهائية… إلى ما هنالك من قصصٍ مدوّخة. تقاليد الهجرة اللبنانية الأكثر من مئوية، هي وحدها التي سهّلت على اللبنانيين عملية طردهم من أرضهم، طوال تلك العقود، وجعلتهم “مهاجرين”، لا “لاجئين”، أي أقلّ بؤساً وشظفاً من نظرائهم السوريين والفلسطينيين.

للمقارنة فقط: مقابل قوة الدفع هذه التي أخرجت الشعوب الثلاثة من ديارها، وقلَبت حياتها وحياة أفرادها رأسا على عقب، مقابل هذه “الأوطان” التي لم تحتضن أبناءها، أكان المسؤول عنها إسرائيليا، عربيا، أو أميركيا … إليكَ مصر مثلاً: الطافشون منها قبل استلام أنور السادات الحكم، كانوا قلائل، وعليهم قيود، والكتلة الأكبر منهم عرفت بـ”مصريي الشام”، وهم أثرياء تضايقوا من سياسة جمال عبد الناصر الاقتصادية. بعد ذلك، مع عهد سمّاه انفتاحاً، أصدر السادات دستور 1971، تسمح فيه الدولة لمواطنيها بالهجرة، الدائمة والمؤقتة، فكانت الغالبية العظمى منهم تختار الثانية، المؤقتة، في دول الخليج أساساً، (باتفاقات مع الحكومة المصرية) وقليل من الأفراد إلى دول أوروبية وأميركية. وأخيرا فقط، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أطلق العنان لخروج الإخوان المسلمين من مصر، أو التواري، أو السجن المؤبد. ولكن بالإجمال، ويمكنكَ المقارنة بين حياة الفرد المصري، المستقر، على الرغم من كل حروبه وهزّاته، وحياة الفلسطيني، اللبناني، والسوري اليوم…

الآن، عودة إلى تلك الشعوب الثلاثة: أقدارها لا تشبه إلا نفسها. ولكل واحدٍ من هذه الشعوب والأفراد قصة تُروى عن المسار الذي اتخذته حياته. وبصرف النظر عن اختلاف الأشكال والتواريخ، فإن نقطة واحدة تجمعهم. على الرغم من أن السوري دُمرت حياته جهاراً ومتأخراً، بعدما كانت هياكل هذه الحياة مبْنيةً على طين الخوف، بعد سنوات وعقود من التدمير الآخر، اللبناني والفلسطيني، فإن النقطة البديهية التي تجمع الثلاثة هي أنهم لم ينعموا بالاستقرار في أيٍّ من تلك الفترات القريبة والبعيدة.

والاستقرار يعني أشياء كثيرة: إنه يؤمّن الديمومة والتوازن والتراكم والاستدامة (كلام التنمويين) والثقة والتماسك والقاعدة المتينة لأي فكرة، لأي مشروع. وكل هذه المقوِّمات هي من الشروط الدنيا لحياة الأفراد السليمة التي بواسطتها تستطيع الشعوب، عبر أفرادها، أن تبني العائلة والمهنة والموهبة والطاقة والموارد والغراميات والصداقات والعلاقات الاجتماعية، الأحيائية، والمناطقية، والاقتصاد المنتج طويل المدى. باختصار، أن تكون لهم يد في تقرير مصيرهم الشخصي والعام، فمن دون أن تكون لهم هذه الحياة، لا يمكنهم أن يسعدوا، أو يبنوا، أو يثابروا، أو ينطلقوا، أو يحافظوا على اندفاعتهم، أو شغفهم.. كما يودّون.

إنه الجذع المشترك بين هذه الشعوب الثلاثة: تاريخهم القريب لم يبنِ استقراراً، إلا الاستقرار القسري. ولا بالتالي استطاعوا أن يربحوا من أجدادهم إرثاً، أو درساً، أو يخوضوا في المشاريع، أو يكوِّنوا بدائل، أو يسعدوا بالحياة ببساطة، كما يسعد البشر في أنحاء المعمورة. لا توحّدهم لغة أو مؤامرة أو ثقافة أو أطماع، قدر ما يوحّدهم طردهم من ديارهم، بوتائر مختلفة، وممتدة على عقود.

المزيد عن : بشار الأسد/حزب البعث/الإخوان المسلمين/أنور السادات

 

 

 

 

 

 

 

 

You may also like

12 comments

pinco 24 مايو، 2025 - 5:26 م

557086 176407Enjoyed reading by means of this, really excellent stuff, thankyou . 122941

Reply
winomania 25 مايو، 2025 - 10:53 م

24260 307480Hi there! Nice post! Please do inform us when we could see a follow up! 390785

Reply
las vegas seo consulting 27 مايو، 2025 - 12:18 م

500030 132233Merely wanna state that this is very helpful , Thanks for taking your time to write this. 606090

Reply
Prayer Book 20 يونيو، 2025 - 7:02 م

893694 496208quite good put up, i definitely adore this web web site, maintain on it 977357

Reply
Cbd gummies uk 27 يونيو، 2025 - 3:38 ص

35744 151568I like what you guys are up also. Such intelligent work and reporting! Maintain up the superb works guys Ive incorporated you guys to my blogroll. I feel itll improve the value of my web site . 54052

Reply
เช็คสลิปโอนเงิน 10 يوليو، 2025 - 12:59 ص

868814 36386Most heavy duty trailer hitches are designed employing cutting edge computer aided models and fatigue stress testing to ensure optimal strength. Share new discoveries together with your child and keep your child safe by purchasing the correct style for your lifestyle by following the Perfect Stroller Buyers Guideline. 225828

Reply
ไอศกรีมงานแต่ง 3 أغسطس، 2025 - 9:12 ص

156946 61262I love this information presented and possesses given me some type of resolve forpersistance to succeed i actually enjoy seeing, so sustain the outstanding function. 651978

Reply
wikipedia reference 2 سبتمبر، 2025 - 3:13 ص

852697 46815Aw, i thought this was an very great post. In thought I would like to invest writing in this way moreover – taking time and actual effort to manufacture a very great article but exactly what do I say I procrastinate alot and no indicates apparently go completed. 587306

Reply
next 5 سبتمبر، 2025 - 10:19 ص

551672 307808Thanks for all your efforts that you have put in this. quite interesting data. 593035

Reply
Invest in Go X scooters 26 سبتمبر، 2025 - 7:11 ص

923747 110906I adore gathering helpful info, this post has got me even far more information! . 529592

Reply
pop over to this web-site 9 يناير، 2026 - 1:03 م

498920 123440Wahhhh,!! I dnt believe its food thats creating her tummy groww!!|tiitaBoo| 791307

Reply
pinco casino официальный сайт скачать 29 يوليو، 2026 - 2:37 م

254202 277797As far as me being a member here, I wasnt aware that I was a member for any days, in fact. When the article was published I received a notification, so that I could participate in the discussion of the post, That would explain me stumbuling upon this post. But were definitely all members within the world of tips. 824737

Reply

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA'S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE EPUBLISHING NEWS - MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS - Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

TOP NEWS

الإعلام الإسرائيلي يكشف ملامح صفقة الأسرى والهدنة

by admin

توصية أميركية بحصول كبار السن على جرعة أخرى من لقاحات كورونا

by admin

اتفاق محتمل للأطراف الليبية يهدد مصير حكومة الدبيبة

by admin

زاو ووكي فنان التجليات البصرية الروحية

by admin

لماذا لا تدرّس الجامعات العربية علم الجمال؟

by admin

حملة لـ”كسر الصمت” حيال التحرش داخل أماكن العمل في الأردن

by admin

الجراحة الروبوتية ثورة في عالم الطب تبشر ببزوغ عصر جديد

by admin

عودة ثنائية “دي بروين – هالاند” الأكثر رعبا في أوروبا

by admin

زيدان على رأس أهداف مالك مانشستر يونايتد الجديد لخلافة تن هاغ

by admin

Retour du visa pour les visiteurs mexicains au Canada

by admin
Facebook Twitter Youtube
Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili