ثقافة و فنونعربي حزن وسلام فصمت: عن تعادل أخلاقيّ مريح by admin 19 أغسطس، 2020 written by admin 19 أغسطس، 2020 112 عرب 48 / فسحة/ جمال مصطفى صرنا نشبه الأشياء تختار الأشياء الطريق المريح، حتّى في الفيزياء، عندما يُجْبَر التيّار الكهربائيّ على الاختيار بين طريقين، سيلائم ثقله بشكل نسبيّ مع الطريق الّذي يتضمّن أقلّ كمّيّة من المقاومة، ويجتنب “صدمة الاختبار الأخلاقيّ” بالإجابة عن سؤال: أيّهما مريح أكثر؟ بمعنى: أيّهما الضامن لأقلّ ضرر يمكن أن يلحق بالدائرة الكهربائيّة؟ دون علاقة للخير والشرّ. على هذا الأساس تُبنى خيارات الأشياء. ونحن البشر، خاصّة العقلانيّين منّا، صرنا نشبه الأشياء كثيرًا، إلّا أنّ الراحة عندنا تذهب نحو تعويد القلب والمشاعر على تلك الصدمة – هذا يؤدّي إلى فقدان فاعليّتها في تحريك أخلاقنا وإرادتنا – وليس مجرّد الاطمئنان على المواءمة والتكيّف معها. وقد نضيف، كما يخبرنا عبد الوهاب المسيري، “الذكاء” و”السرعة الذاتيّة” مُعْطَيَيْن لآليّة التقييم، ومن ثَمّ الاختيار الأخلاقيّ والقيميّ. “سرقوا دهشتي”، قال لي صديق، ورمقني رمقة صفراء، كأنّه يريد منّي، عبرها، التأكيد له أنّ مكان الدهشة ليس فارغًا، فيه شيءٌ ما وُلِدَ من جديد، سنكتشفه غدًا. هذا “الذهاب نحو الراحة” يلخّصه ممدوح عدوان في ما يلي: “نحن لا نتعوّد يا أبي، إلّا إذا مات شيء فينا، وتصوّر حجم ما مات فينا حتّى تعوّدنا على كلّ ما حولنا”. الاعتياد/ استيطان الصدمة في كتابها الحواريّ “الفلسفة في زمن الإرهاب”، تحدّثنا جيوفانا دورادوري عن استيطان الصدمة في الذاكرة؛ آنذاك عادة ما يسعى الضحايا إلى أن يُطَمْئِنوا أنفسهم بأنّهم قادرون على تحمّل الصدمة الّتي يمكن أن تتكرّر. هذا الاستيطان بدأ قصّته معنا منذ قرن من الزمن. وبعد أن اكتسب جيل قد استنزفته الصدمات مناعة، بتنا نعتاد على ما يلي: صدمة، وحزن، وتضامن، وفزعة، ومن ثَمّ مطالبة بتحقيق عينيّ لهذه الحادثة أو تلك، ونكاد ننسى في خضمّ هذه الصدمات لارتفاع وتيرتها، البنى والنظم، الّتي تنتجها وتعيد إنتاجها. حديثًا، أرسلت قلوبنا سلامها لبيروت. كم حَزِنّا، بصدق، على أجساد تتطاير أشلاء! إلّا أنّ الصدق لا يضمن الحقيقة، فإنّ نظرة من علياء السماء – حيث تسكن هذه الأشلاء الآن – إلى “سلام قلوبنا”، كافية لاستكشاف تعبيره عن “أخلاقنا الزائفة” بفعل الاستيطان، آنف الذكر. لا نحمل أكثر من السلام، من بعيد نلوّح بأيدينا، ونبعث عبره رسالة بسيطة مفادها: لا نريد الالتزام بأكثر منه. لأخلاقنا حدّ لا يتعدّاه. والألم الحقيقيّ سنشعر به لأجلنا نحن؛ فقد نُصاب بما أصابكم، وهذا عزاؤكم الوحيد. ومن ثَمّ، وبتعبير كانط، أيّ فعل آخر لا يقع ضمن الالتزام بالواجب الأخلاقيّ. إنّه السلام ذاته، لحلب واليرموك وغزّة (يا أخي، ما أكثر مدننا ومخيّماتنا المنكوبة والمنسيّة!). وعلى الفرق الجوهريّ بين هذه “الانفجارات” كان السلام ذاته حاضرًا، وهذه قضيّة بعينها. أيضًا، يشبه السلام هذا سلامنا لجورج فلويد وإياد الحلّاق، أو لـ “طبيب الغلابة”. الغلابَة في الثامن والعشرين من تمّوز (يوليو) 2020، توفّي طبيب في مصر اسمه محمّد عبد الغفار مشالي. قالت الحكاية إنّ ثمن الكشف الطبّيّ تحت عنايته كان زهيدًا، وأكثر من هذا، فقد كان مجّانًا بالفعل للفقراء و”الغلابة”. وقالت رواية أخرى إنّ طبيبنا كان يشتري الدواء للغلابة لعدم قدرتهم على اقتنائه. بعد موت مشالي، كانت أخلاقنا مختبئة وراء الحزن، متمسّكة بمرارة عدم الالتزام لأكثر من السلام، والتضامن والوجع؛ لقد رحل طبيب الغلابة، وهذا عبء أخلاقيّ كبير، نحن لن نهتمّ بعناء تكوين بديل له، وقد يصبح الغلابة من المتردّدين على عيادته دون طبيب، لا قدر واضحًا لهم بعد موته، لكنّنا حَزِنّا، وهذا “تعادل” مريح؛ لهذا يمكننا النهوض غدًا من الفراش لبدء اليوم بشكل روتينيّ، دون أن نسأل كيف صار الغلابة غلابة، ودون أن نأبه بعناء التفكير في هذه القصص الكثيرة، كفصل من رواية نعيشها في هذا العالم. هؤلاء الغلابة لا نتذكّرهم إلّا بعد الموت، موتهم هنّ وهم، أو موت مَنْ يهتمّ بهنّ وبهم، كأنّنا نرفض هذه الحياة برمّتها، نرفض التفكير فيها. في التفكير خيالٌ ما قاسٍ؛ إذ عند تخيُّل لحظة يُهْدَم فيها هذا البؤس، يظهر اليأس مذكّرًا، بلحظات أضحت تجارب وذكريات لجيل حَلُمَ وفعَل من أجل التغيير، في يوم من الأيّام. ستارٌ لخوفنا من المجهول هنا كان خوفنا فَرِحًا بتفاعلنا الحزين فقط مع الصدمات. فرح لديمومته، الّتي تضمن تأجيل المواجهة والحسم مع الغد ولقاء المجهول، وتتحاشى المغامرة في سبيل تغيير وضعنا القائم، ولنحلُم قليلًا، في سبيل قلب هذا العالم، على بؤسه. نحن نرضى بالتعادل، ولو المؤقّت. لقد رجونا العودة للحياة “الطبيعيّة” كما كانت قبل تفشّي فايروس كورونا، ولم نقل – ليس كمدرّب تنمية بشريّة كلاسيكيّ – لتكن أزمة كورونا بداية ما، أو محاولة لتغيير نظم توضّحت لنا آلة فعلها في ظلّ الأزمة؛ حتّى هنا كان الرجاء والتضامن مع الماضي سيّد المشهد، لا نُجِد غيره. هذا الخوف من المجهول، الّذي يحاصر خيالنا عبر تهديده بالماضي، يستمرّ في الحضور على أشكال شتّى: هل ستزداد الأوضاع سوءًا؟ يسألني الصديق (صاحب الرمقة الصفراء) عشيّة تخيّلنا لفعل عمل ثوريّ. لكنّه – أي المجهول – فيه شيء يحثّ على الفعل، ويستشعر مرارة مشاهدة الصدمات تمرّ الواحدة تلو الأخرى دون فعل حقيقيّ، الرغبة؛ رغبتنا في تأكيد وجودنا في هذا العالم تستتر فيه وتخوض حربنا معه؛ إذ يجاهد هو في الحفاظ على توازن يضمن عدم الانزلاق نحو “أخلاق السادة” بكلمات نيتشه، عند إرادة الفعل. ما الّذي سيحصل لو أقدمنا على المجهول؟ هكذا تُكْتَم الإجابة عن السؤال الأخير، وتُترك الأحداث للسير وحدها تراكمًا، بينما نحن نترقّب، برفقة مجهولنا ورغبتنا، “ساعة الصفر”. الوضوح يكمن في تفاصيل اللوحة هاتِ فَلْنُسَمِّ الأشياء بأسمائها: نحن ببساطة شعرنا بغيرة ما من صبايا بيروت وشبابها، أو من السود في الولايات المتّحدة، هنّ وهم في الشارع، يبعثون الأمل، ونحن لا نرى من هذا إلّا اليأس جالسًا في آخر النفق، ونغرق داخل غرفنا وبيوتنا، نلملم دروس ما خبرناه، كلٌّ على حدة، وفي أفضل الأحوال قد “نعبّر عن أنفسنا” في رفع شعارات “ضدّ القتل” دون أن نخدش القاتل، ونصرخ “نحن مقموعون” دون أن نزعج القامع في نومه، دون اصطدام مباشر بالدولة ومواجهة أجهزتها وهي تصول وتجول في حياتنا. نحن يا صديقي، ما زلنا نرفض إدراك هشاشتنا، لكنّنا نستمرّ في الصراخ: ذراعاي مكبّلتان، وشغفي أُقْصِيَ، ومن ثَمّ اسْتُبْدِلَ به اليأس، لأعيش معه محاولًا ألّا أفقد معنى الحياة، واليأس يتقن هذا “التعايش”… هؤلاء الشابات والشباب مثلنا، لكنّهم عبء يضرب معادلة تفوّق أخلاقيّ بيننا والمستعمِر، من خلال تأكيد مقاومتنا له، حتّى عبر “لملمة الدروس”؛ فالمظلوم يحظى بالشرعيّة الأخلاقيّة وليس الظالم. هذا تعادل جميل: أنتم الظلمة، ونحن أصحاب التفوّق الأخلاقيّ؛ لهذا حظي الموت في طنطا ومينيابولس واليرموك وبيروت، وباقي الصدمات، بحصّة الأسد من أخلاقنا ومشاعرنا وتفاعلنا، وحظيت الحياة بالفتات. لقد كان يشبهنا أكثر. نحن يا صديقي، ما زلنا نرفض إدراك هشاشتنا، لكنّنا نستمرّ في الصراخ: ذراعاي مكبّلتان، وشغفي أُقْصِيَ، ومن ثَمّ اسْتُبْدِلَ به اليأس، لأعيش معه محاولًا ألّا أفقد معنى الحياة، واليأس يتقن هذا “التعايش”. ثمّ إنّنا لا نجتهد كثيرًا في النبش وراء هذه الأكبال لاجتثاثها؛ فيصير الغضب حزنًا يتحدّث في العموميّات، دون أن يضع يده على تفاصيل اللوحة. في هذه المصارَحة، وبكثير من الأسف، لا أحمل لكم تضامنًا يصبّ مباشرة في السياسة، ولا تضامنًا يتموضع في سلّم أولويّات نضالي السيّئ الذكر، أو حتّى أملًا كاذبًا، بل هو تضامن لذاته، يهدمها ويبني إرادة للفعل الحقيقيّ. جمال مصطفى من كفر كنّا في فلسطين. طالب فلسفة وفيزياء، عضو “جفرا – التجمّع الطلّابي في جامعة تل أبيب”. يكتب المقالة السياسيّة والثقافيّة في منابر فلسطينيّة وعربيّة. المزيد عن : طبيب الغلابة /انفجار بيروت /الأخلاق /الفيزياء /من قلبي سلام لبيروت /كانط /نيتشه /فلسفة الأخلاق /نضال السود الأميركيين /الأفارقة في الولايات المتحدة /مصر /جمال مصطفى 8 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post ثورة ثمّ صمت ثمّ ذوبان آخر، والدورة تعيد نفسها next post المركز القومي للفنون في كندا يُثّمن الوجود الإثني الثقافي ودوره الفاعل You may also like د. رشيد العناني في “الشرق الأوسط”: جنسنا البشري... 5 أغسطس، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الأوسط”: بهلوان قصر هشام 5 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: كليوباترا… كما نعرفها ولا... 5 أغسطس، 2026 أنطوان أبو زيد في”اندبندنت عربية”: حازم صاغية يستعيد... 5 أغسطس، 2026 مئة عام على ميلاد البياتي… و27 سنة على... 4 أغسطس، 2026 قصيدة «أتذكر السياب»… بين درويش والنقاد 4 أغسطس، 2026 الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 8 comments big bass splash 21 مارس، 2025 - 11:47 ص 925267 393327You want to join in a contest 1st with the finest blogs on the internet. I most surely will suggest this website! 991638 Reply sexxybet168 12 يوليو، 2025 - 1:56 ص 4910 725944Youre so proper. Im there with you. Your blog is surely worth a read if anyone comes throughout it. Im lucky I did because now Ive obtained a entire new view of this. I didnt realise that this issue was so important and so universal. You absolutely put it in perspective for me. 293580 Reply pg168 30 يوليو، 2025 - 3:18 م 859259 115765I found your blog on yahoo and can bookmark it currently. carry on the nice work. 885838 Reply look at this site 6 سبتمبر، 2025 - 4:00 ص 823043 682701Oh my goodness! a great post dude. Thank you Even so I will be experiencing concern with ur rss . Dont know why Can not subscribe to it. Will there be any person finding identical rss difficulty? Anybody who knows kindly respond. Thnkx 60302 Reply see 9 ديسمبر، 2025 - 3:27 ص 67611 851043When I saw this page was like wow. Thanks for putting your effort in publishing this post. 640265 Reply lsm99k 25 يناير، 2026 - 8:45 م 460138 427650Howdy! Do you know if they make any plugins to safeguard against hackers? Im kinda paranoid about losing everything Ive worked hard on. Any suggestions? 972173 Reply บทความ LSM99 30 يناير، 2026 - 1:47 م 718560 730002This web site is really a walk-through it actually is the details you wanted concerning this and didnt know who to inquire about. Glimpse here, and youll absolutely discover it. 774173 Reply Verloskundigen Kampen 31 يناير، 2026 - 7:24 م 883652 246396Some genuinely good and utilitarian information on this website, as well I believe the style has got wonderful functions. 869493 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.