بأقلامهم حازم صاغية يكتب عن: أبعد من مهاترات حول التفاوض مع إسرائيل by admin 24 مايو، 2026 written by admin 24 مايو، 2026 9 لم يعد مستغرباً، والحال هذه، أنَّ أزمنةَ السلم البارد، الفاصلة بين حربين، لم تنجح في صياغة ثقافة صلبة أو أسطورة مؤسِّسة جامعة يُعتدّ بها. هكذا ساد الخواء والفولكلوريّة اللذان شهدت عليهما الرواية التقليديّة عن لبنان «الواحد»، الشرق الاوسط / حازم صاغية مثقف وكاتب لبناني؛ بدأ الكتابة الصحافية عام 1974 في جريدة «السفير»، ثم، منذ 1989، في جريدة «الحياة»، ومنذ أواسط 2019 يكتب في «الشرق الأوسط». في هذه الغضون كتب لبعض الصحف والمواقع الإلكترونية، كما أصدر عدداً من الكتب التي تدور حول السياسة والثقافة السياسية في لبنان والمشرق العربي. يتناول أحدُ الأخبار اليوميّة البارزة في لبنان صعوبةَ التَّوصّلِ إلى قانون للعفو عن المساجين. أمّا سببُ الصعوبةِ فتوزُّعُ أولئكَ المساجين على ثلاثِ كتلٍ طائفيّة، وإصرارُ ممثّلي كلّ واحدةٍ من الطوائف الكبرى على اعتبار أنّ أبناءَهم هم الأكثرُ استحقاقاً للعفو، مع ميل إلى إنكاره عن أبناء الطائفتين الأخريين. في الوقت نفسِه تقريباً تنشر «الدوليّة للمعلومات»، وهي مؤسّسةٌ يسلّم بصدقيّتها أفرادٌ متباينو الآراء، استقصاء للمواقف من إسرائيل والعلاقة بها. وبنتيجة الاستقصاء هذا، تبيّن أنّ 92 في المائة من الشيعة يرفضون السلام مع الدولة العبريّة، فيما يوافق عليه 84 في المائة من الدروز، و77 في المائة من الموارنة، و72 في المائة من الأرثوذكس. والحال أنَّ هذه الأسطر ليست معنيّة بتحديد المُصيب والمخطئ حيالَ مسألتي العفو وإسرائيل. إلّا أنَّ ما تحاوله هو التنقيب في إمكانيّة أن يكون هناك أصلاً موقف مصيب أو مخطئ، على نطاق وطنيّ، في ظلّ انقسام جذريّ كانقسامنا. فالرأيُ والسجال وفرز الصواب عن الخطأ لا تشتغل في ظلّ قطيعة تسندها ثقافات فرعيّة متينة تنهل بدورها من قراءة خاصّة للتاريخ والمصالح والعلاقات. والتناقض هذا لا يسري عليه إلاّ قليلاً جدّاً تغيّر القَناعات الذي قد يحوّل «يمينيّاً» إلى «يساريّ»، أو العكس، مانحاً السجال في الأفكار موقعاً مركزيّاً. فنحن، والحال هذه، لسنا حيال زمرة من الضالّين، كي لا نقول المرضى والعملاء، بل أمام «جماهير» تريد «السلام» وترفض «المقاومة»، مقابل «جماهير» تريد «المقاومة» وترفض «السلام». وهو ما يقود إلى أنّ أيّ تفكير بسياسات استراتيجيّة، أكانت تتّصل بالشؤون الخارجيّة أو بالعدالة، يطرح تلقائيّاً مسألة التعدّد ووحدة لبنان، جاعلاً اعتماد أيّ خيار انتصاراً لـ«جماهير» معيّنة وهزيمة لـ«جماهير» أخرى. والخشية تالياً هي أن نكونَ في لبنان، ولكنْ أيضاً في سائر بلدان المشرق العربيّ، قد وصلنا إلى استحالة الفصل بين الوحدة الداخليّة والقرار السياسيّ، لا سيّما منه الخارجيّ. فخلافات الشأن الداخليّ أشدّ قابليّة للعلاج من خلال تقسيم الموارد والمناصب، فيما السياسة الخارجيّة تثير أسئلة وجوديّة تطال تعريف الأشياء، ممّا ينضوي فيه فهم المصلحة الوطنيّة، وتالياً تحديد الصداقات والعداوات ومدى الاستعداد للتضحيات والحروب… وفي ظلّ هذا التشبّع بتعريفات مكتملة ومتضاربة، يغدو السجالُ في «الصحّ» و«الخطأ» مهاترةً مجّانيّة، أو تعبيراً عن تأثّر برواية برّانيّة، «تقدّميّة» أو «إصلاحيّة»، يُراد تطبيقها على وضع داخليّ خاصّ. وقد يقال بحقّ إنَّ هذا التنازع اللبنانيّ ليس جديداً، فمنذ نشأة «لبنان الكبير» انحازت جماهير لبنانيّة إلى هذا المشروع، وانحازت جماهير أخرى إلى دولة فيصل الأوّل في دمشق. وفي مراحل لاحقة كان هذا الانقسام يعاود تجديد ذاته، مع جمال عبد الناصر وضدّه، ثمّ مع المقاومة الفلسطينيّة وضدّها. بيد أنَّ ما نعيشه راهناً أعنفُ كثيراً وأشدُّ كثافة لأنّه، من جهة، تتويج لذاك التاريخ الصراعيّ بالمكبوت منه والمعلن، كما أنّه، من جهة أخرى، لحظة تكاملت فيها الهويّات الصغرى وتبلورت كنزعات متضادّة تجد تغذيتها في دولة كانت قويّة وغنيّة كإيران. فلم يعد مستغرباً، والحال هذه، أنَّ أزمنةَ السلم البارد، الفاصلة بين حربين، لم تنجح في صياغة ثقافة صلبة أو أسطورة مؤسِّسة جامعة يُعتدّ بها. هكذا ساد الخواء والفولكلوريّة اللذان شهدت عليهما الرواية التقليديّة عن لبنان «الواحد»، فكانت الدولة لا تكاد تُصاب بالانتكاس حتّى تطلّ برأسها الثقافات الفرعيّة للطوائف والجماعات. وهي، في الأصل، دولة دائمة الحَبل بدويلات صغرى، كان أحدث البراهين على ذلك عقوبات واشنطن التي طالت بعضَها العسكريّ الأمنيّ. وليس بلا دلالة كذلك أنّ كافّة التسويات التي أنهت منازعات التاريخ اللبنانيّ الحديث كانت الأطراف الخارجيّة مرجعيّتها ومُقرّرها. ولئن تساوتِ اليومَ بلدانُ المشرق أمام هذا الواقع، فقد عاشه لبنانُ أطولَ وأبكرَ ممّا عاشته البلدانُ الأخرى. فهذه عرفت أنظمة عسكريّة قوميّة فرضت على مجتمعاتها وحدة قسريّة في النظر والتأويل، كما أحالتِ النواقص والعيوب إلى «مؤامرة على الأمّة». فما إن سقطت تلك الأنظمة حتّى تساوينا في إعلان التفسّخ والعيش في ظلاله. وفي غابة كهذه يتحدَّث الجميع عن عاطفة التعايش ويضمرون عاطفة الإلغاء. وقبل أيّام قليلة نُقل عن قياديّ في «حزب الله» أنَّ 10 في المائة من مقاتلي حزبه يقاتلون إسرائيل فيما 90 في المائة جاهزون للداخل اللبنانيّ. ومن دون أن يُحمل مضمون هذا الكلام على محمل الجدّ يبقى أنّ النوايا التي تقيم خلفه، وخلف كلام كثير مماثل تتفوّه به الأطراف جميعاً، جدّيّة جدّاً. وفقط بهدف القياس، قد يكون مفيداً أن نستعيد فكرةً علّمها الفيلسوف الاسكوتلنديّ ديفيد هيوم منذ القرن الثامنَ عشر. فهو رأى أنّ العواطفَ والتعاطف، لا الحسابات العقلانيّة البحتة، أهمُّ ما يبني المجتمعات، وأنَّ من دون ذاك الشرط الشارط يتفكّك المجتمع أفراداً منعزلين لا يسعون إلّا وراء مصالح ذاتيّة ضيّقة، أو، وفق إضافة لبنانيّة، وراء طوائفَ متكارهةٍ حتّى النخاع. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post إيران تواصل حملة إعدام “جواسيس الحرب” You may also like Iran’s Drone Strategy (Part 1): Wartime Performance and... 23 مايو، 2026 مايكل سينغ يكتب عن: كيفية تحقيق الأهداف الأمريكية... 23 مايو، 2026 رضوان السيد يكتب عن: ثقافة الدولة واستعادة الثقة 23 مايو، 2026 عباس بيضون – الصفحة الشعريّة:الشعراء يبقونَ شباناً 23 مايو، 2026 رضوان السيد يكتب عن: ثقافة الدولة واستعادة الثقة 22 مايو، 2026 عبد الرحمن الراشد يكتب عن: جبهة إيران العراقية 22 مايو، 2026 زمن تآكل الديمقراطية 21 مايو، 2026 حازم صاغية يكتب عن: الانتصار الأميركي الصعب والانتصار... 20 مايو، 2026 داود رمال يكتب في نداء الوطن عن: سيمون... 19 مايو، 2026 حازم صاغية يكتب : … عن «الدولة»و«المقاومة» 18 مايو، 2026