حازم صاغية : إيران أو تحويل القضيّة فخّاً لصاحبها – CANADA VOICE
السبت, سبتمبر 5, 2026
السبت, سبتمبر 5, 2026
Home عربيبأقلامهم حازم صاغية : إيران أو تحويل القضيّة فخّاً لصاحبها

حازم صاغية : إيران أو تحويل القضيّة فخّاً لصاحبها

by admin
الشرق الاوسط اللندتية / حازم صاغية

أسوأ ما يصيب القضايا وحروبها، عادلةً كانت أم غير عادلة، أن تتحوّل أفخاخاً لأصحابها، بحيث لا يستطيعون كسبها في مدى زمنيّ معيّن ولا يستطيعون، في المقابل، مغادرتها وطيّ صفحتها. هكذا يقعون أسرى الحرب للحرب، والقضيّة للقضيّة، فيما يغدو استنزاف الموارد وتبديد العقل حصيلة مؤكّدة.

النظام السياسيّ، متى كان ضعيف الشرعيّة، غلبَه الميل إلى عزف على هذا الوتر علّه يُكسبه الشرعيّة التي يفتقر إليها. لكنّ الأمر لا يلبث أن يتحوّل إلى عقيدة مقدّسة يعجز النظام الذي أسّسها عن التحكّم بها. هنا تقع الأمّة في فخّ القضيّة بدل أن تكون القضيّة رافعة لقوّة الأمّة.
اللعبة تغدو، والحال هذه، أكبر من اللاعب.

حيال هذه القضايا وقد صارت أفخاخاً تتراجع أهميّة الحق واللا-حق، إذ تستقلّ القضيّة – الفخّ بذاتها، بمعزل عن أصولها الواقعيّة، وبدل أن يقودها العجز عن الانتصار إلى المراجعة، فإنّه يقودها إلى التحجّر والتثبّت المَرضيّ. ومقابل نقص البراهين الراهنة التي تعد صاحبها بالنصر، أو تجعل النصر احتمالاً ممكناً، تُلحّ الاستعانة بالماضي، فعليّاً كان أم مؤسْطراً. فهي تضمن البقاء في الفخّ عبر ردّ كلّ جديد نواجهه إلى ما سبق أن واجهناه وانتصرنا فيه أو تراءى لنا ذلك. وهذا، في السياسة، إنّما ينسج على منوال التعاطي الأصوليّ المعروف مع ظهور اكتشاف علميّ جديد إذ يقال إنّنا سبق وامتلكناه في زمن مضى أو نصّ قديم.

ألمانيا، في مطالع القرن العشرين، عصفت بها قضيّة ما لبثت أن صارت فخّاً للألمان: إنّها تريد حصّتها «العادلة» من المستعمرات على النحو الذي يساوي ما غنمه البريطانيّون والفرنسيّون. الأمر انتهى بها إلى الحرب العالميّة الأولى وإلى هزيمتها المدوّية. تكرّر الأمر على نحو أشدّ فجائعيّة في وقت لاحق: صار الردّ على صلح فرساي المهين وعلى الانهيار الاقتصاديّ سبباً لرفع النازيّين إلى سدّة السلطة، وكانت المحرقة والحرب العالميّة الثانية ودمار ألمانيا ثمّ تقسيمها إلى دولتين متخاصمتين.

قضايا مُحقّة وقضايا غير مُحقّة أو متفاوتة في حقّيّتها قد يتلقّفها هذا المصير. في روسيّا بزعامة فلاديمير بوتين وفي تركيّا بزعامة رجب طيّب إردوعان شيء من هذا: شعور بالاستضحاء مبالَغ فيه وطلب للعظمة لا تدعمه معطيات الواقع. في هذه الغضون، يتعاظم التخبّط بالأزمات والتدخّلات والحروب الصغرى كما تزداد الحياة السياسيّة وَهَناً وضموراً فيما تتردّى صورة البلد في العالم.

عربيّاً، لم يكن أسوأ وأخطر من قيام إسرائيل في 1948 سوى تحوّل الردّ عليه إلى قضيّةٍ – فخٍّ للفلسطينيّين وللعرب المحيطين بفلسطين: حرب بعد حرب وهزيمة بعد هزيمة وتبديد للموارد وتعطيل للحياة السياسيّة وإيجاد مُسوّغات للقمع وتفسيخ للمجتمعات، فضلاً عن تعليق حياة الأفراد الفلسطينيّين وتجميدها. لكنّ هذا كلّه لم يكفِ لأن يعطي مراجعة هذا النهج جاذبيّةً شعبيّة. وبسبب عمق الفخّ، لا تزال الطاقة السحريّة لـ «المقاومة» تُعيي مَن يداويها.

لقد ظهر قادة حاولوا ردع قضاياهم عن التحوّل إلى أفخاخ وردعَ شعوبهم عن الوقوع فيها. ما اقترحه الرئيس التونسيّ الحبيب بورقيبة في خطاب أريحا الشهير عام 1965 كان من هذا القبيل. تندرج في الوجهة نفسها موافقة الجنرال شارل ديغول على استقلال الجزائر الذي تمّ في 1962 ضدّاً على آيديولوجيّة «الجزائر الفرنسيّة». الأمر ذاته أقدم عليه اسحق رابين في اتّفاق أوسلو عام 1993. ديغول واجه محاولتي انقلاب عليه ومحاولات اغتيال عدّة. رابين اغتيل. بورقيبة شُهّر به ولا يزال يُشهّر.

النظام الإيرانيّ اليوم لا يفعل إلاّ هذا: تحويل القضيّة النوويّة إلى عقيدة شعبيّة مقدّسة، لا يهمّ مدى توافقها مع قدرات إيران الاقتصاديّة، أو مع حاجاتها التنمويّة، أو مع موقع البلاد في توازنات القوى الدوليّة، أو مع احتمال جعل المنطقة كلّها مساحةً للتخصيب وللاستيراد النوويّين. أمّا أن يُقتل على هذا المذبح كبير قادتها العسكريّين وكبير علمائها وأن تُضرب منشأتها النوويّة الأولى فتلك تفاصيل لا تستوقف المعنيّين بالأمر.

واليوم، حتّى لو نجحت إيران في رفع العقوبات الأميركيّة التي بات يصعب عدّها، ومعها العقوبات الأوروبيّة، وهو موضوع معقّد وملتبس، يبقى العقاب الأكبر لإيران وقوعها في هذا الفخّ – فخّ القضيّة. فالنظام الذي يعتبر وقف الحروب شبيهاً بـ «تجرّع السمّ»، وفق العبارة الشهيرة للخميني، والذي صلّب نفسه وأعاد تأسيسها على قاعدة حرب الثمانينيّات مع العراق، يتطلّب القضيّة – الفخّ شرطاً للبقاء. وهكذا يلوح الخروج من الفخّ مدخلاً إلى سقوط النظام، بالمعنى الذي قيل فيه إنّ موافقة حافظ الأسد على السلام تعني إطاحته. أمّا أن يكون سقوط هذا النظام مدخلاً إلى خروج الإيرانيّين من الفخّ فهذا أقرب إلى تحصيل الحاصل.

 

 

 

You may also like

5 comments

private jet plane 9 أبريل، 2025 - 2:17 ص

This is exactly what I was looking for. Thanks for the useful information.

Reply
หนังใหม่ออนไลน์ 30 مايو، 2025 - 4:20 م

300345 466868I located your weblog web site on google and check several of your early posts. Continue to preserve up the superb operate. I just further up your RSS feed to my MSN News Reader. Searching for forward to studying extra from you in a although! 999834

Reply
website 7 يوليو، 2025 - 8:21 م

193469 571593Read More HERE. I bookmarked it. 714976

Reply
bookofra 14 أغسطس، 2025 - 8:57 م

697869 484817Actually your creative writing abilities has encouraged me to get my own web site now. Really the blogging is spreading its wings quickly. Your write up is a good example of it. 176857

Reply
煙彈 24 سبتمبر، 2025 - 11:28 م

478822 886754What a superb viewpoint, nonetheless is just not produce every sence by any means discussing this mather. Just about any technique thanks and also i had try and discuss your post directly into delicius but it surely appears to be an concern inside your blogging is it possible you need to recheck this. thank you just as before. 176694

Reply

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA'S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE EPUBLISHING NEWS - MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS - Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

TOP NEWS

الإعلام الإسرائيلي يكشف ملامح صفقة الأسرى والهدنة

by admin

توصية أميركية بحصول كبار السن على جرعة أخرى من لقاحات كورونا

by admin

اتفاق محتمل للأطراف الليبية يهدد مصير حكومة الدبيبة

by admin

زاو ووكي فنان التجليات البصرية الروحية

by admin

لماذا لا تدرّس الجامعات العربية علم الجمال؟

by admin

حملة لـ”كسر الصمت” حيال التحرش داخل أماكن العمل في الأردن

by admin

الجراحة الروبوتية ثورة في عالم الطب تبشر ببزوغ عصر جديد

by admin

عودة ثنائية “دي بروين – هالاند” الأكثر رعبا في أوروبا

by admin

زيدان على رأس أهداف مالك مانشستر يونايتد الجديد لخلافة تن هاغ

by admin

Retour du visa pour les visiteurs mexicains au Canada

by admin
Facebook Twitter Youtube
Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili