ثقافة و فنونعربي جون راسكين الناقد الفني الذي أمضى حياته يصنع ثواراً حقيقيين by admin 23 أكتوبر، 2020 written by admin 23 أكتوبر، 2020 130 هاجم اقتصاديي الرأسمالية مدافعاً عن البشر وألهمَ المهاتما غاندي اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب كان بالتأكيد رساماً متوسط المستوى، لكنه كان في المقابل ناقداً فنياً كبيراً ناصر تورنر وخاض معارك قضائية ضد ويستلر. وإلى هذا كان باحثاً في نظريات الهندسة المعمارية خلّف كتباً رائعة في هذا المضمار. وكان نجماً في المجتمع اللندني في زمنه وصاحب نفوذ في الجمعية الملكية للفنون فيما كان رسامو تيار “النيو رافائيلية” يعتبرونه زعيمهم وحاميهم. ولكن كل هذا لم يكن يكفيه. كان يريد أن يكون زعيماً سياسياً ومصلحاً اجتماعياً أيضاً. والحقيقة أنه تمكن من ذلك ولو جزئياً. وبحسبنا أن نقرأ ما قاله عنه يوماً جورج برنارد شو: “لقد قابلت خلال حياتي عدداً لا بأس به من الثوار الحقيقيين، وكنت كلما التقيت بواحد منهم أسأله: من الذي وضعك على طريق الثورة… أهو كارل ماركس؟ فيجيبني: بل هو جون راسكين…”. ولم يكن شو من الذين يلقون الكلام على عواهنه بحيث يصل بشكل مجاني إلى حد مقارنة أيّ كان بكارل ماركس الذي كان بالنسبة إليه مثلاً أعلى. ومن هنا تزداد أهمية هذا الكلام ويصبح التساؤل مشروعاً عن جون راسكين، والأمور التي جعلته قادراً على أن ينفخ الثورة في أفئدة “ثوار حقيقيين” من طينة الذين كان من شأن شو أن يتعرّف عليهم. ولعل الأمر يزداد حدة إن نحن تنبهنا إلى أن فيلسوفاً كبيراً هو هنري برغسون لم يتوانَ عن المزايدة على شو حين قال: “لقد أدهشني دائماً ما لدى جون راسكين من ثراء في كتاباته، ومن عبقرية”. بين راسكين وغاندي ونحن لو بحثنا عن خلفيات هذين الموقفين في كتابات راسكين ومواقفه سنجدنا أمام عشرات الكتب والدراسات. ومن هنا لا بد من الاختيار. وليكن هذا الاختيار واحداً من أشهر كتب راسكين في ميدان علم الاجتماع، المعنون “حتى هذا الأخير”. والواقع أنه بقدر ما كان العنوان مربكاً وعصياً على الإدراك على الرغم من بساطته، إلى درجة أنه بقي في اللغة الإنجليزية في معظم الترجمات وسوف يستخدمه غاندي على تلك الشاكلة في اقتباس هندي للكتاب، كان النص نفسه واضحاً وسهلاً. فالكتاب نصّ في الاقتصاد الاجتماعي نشره راسكين على حلقات شهرية في “كورنهيل ماغازين” في ديسمبر(كانون الأول) 1860 سرعان ما اضطرت المجلة إلى إيقاف نشرها حين تزايدت احتجاجات قرائها وهدد كثر منهم بسحب اشتراكاتهم. هؤلاء لم يتحملوا ذلك الجهد العلمي الذي بذله راسكين لفضح الاقتصاديين الرأسماليين الذين كتبوا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. كان الكتاب كتاب معركة ومن هنا، طبعاً، اهتمام الزعيم الهندي غاندي به في شبابه حين اكتشفه وهو بعد في جنوب أفريقيا. في هذا الكتاب الذي يغلب عليه مزيج من الطابع الإيديولوجي والتقني، هدف راسكين في آن معاً إلى تعريف الثروة من ناحية، ومن ناحية أحرى البرهنة على أن الحصول عليها يحتاج إلى توافر عدد من الشروط الأخلاقية. وبالتالي فإن جلّ فصول الكتاب مكرّس لدحض العديد من الآراء الشعبوية التبسيطية الرائجة من حول فكرة الثروة. بالنسبة إلى راسكين لا يمكن الركون مثلاً إلى فكرة ستيوارت ميل حول الإنسان الاقتصادي الذي من شأن إقباله على العمل أن يخلق الثروة في المجتمع. فالمسألة ليست ميكانيكية إلى هذه الدرجة إذ أين هو الإنسان نفسه في هذا كله؟ الإنسان البسيط الذي هو الخالق الحقيقي للثروة؟ هذا الإنسان كان هو محور كلام راسكين وغاندي من بعده بالطبع. جون راسكين كما رسمه تورنر (غيتي) ابن حقيقي للقرن العشرين من هنا علينا أن لا ننسى هنا أن جون راسكين كان، في ثقافته وحداثته وميوله الفكرية والاجتماعية، ابناً حقيقياً للقرن العشرين حتى وإن كان قد افتتح بموته بداية 1900 أحزان هذا القرن، هو الذي عمل خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته على محاولة سحب كتبه الأولى، التي وضعها حول الفن وفلسفة الفن، من التداول، ولكن عبثاً لأن إقبال الجمهور عليها جعل لها مكانة كبرى في تاريخ الفن. ولعل السبب الذي حدا براسكين إلى محاولة إخفاء كتاباته، هو أنه كان ينادي فيها علناً بأن المعمار والفن اللذين يبدعهما شعب من الشعوب إنما هما التعبير الحقيقي عن إيمان ذلك الشعب الديني وعن أخلاقه وعن تطلعاته القومية وأعرافه وعاداته الاجتماعية. فالحال أن راسكين كان عند نهاية حياته الطويلة، قد أضحى من النزوع الفردي في النظر إلى عملية الخلق الفني ما يمنعه من قبول نظرياته السابقة، حتى وإن كان في الوقت نفسه قد أمعن في استلهام المبادئ الاشتراكية والاجتماعية في دعواته السياسية والفلسفية الخالصة التي شغلت منه النصف الثاني من حياته، بخاصة بعدما كان قد أنجز نشر الجزء الخامس من كتابه الشهير في نقد الفن والتنظير له “فنانون محدثون”. وفي هذا الإطار نشير إلى أن حياة راسكين قد انقسمت قسمين متساويين في عدد سنيهما: انهمك في أولهما في التنظير للفن ولضروب الابداع كافة، كما أنه كتب الشعر ورسم اللوحات، بينما حوّل نفسه في ثانيهما إلى مصلح ومنظر اجتماعي اهتم بالمشكلات الاجتماعية وبالمسائل الدينية والتربوية والأخلاقية. شبيه لروسو على الطريقة الإنجليزية ولد جون راسكين العام 1819 ابناً لأسرة موسرة مثقفة، وكان والداه من الاهتمام بحيث منعاه من أن تكون له طفولة عادية، بل أصرّا على أن يحشرا رأسه بكل ضروب الآداب والفنون الكلاسيكية، فزار برفقتهما القصور والكاتدرائيات والمتاحف في طول أوروبا وعرضها، وتعرف على الموسيقى الكلاسيكية وعلى أعمال كبار الرسامين والمسرحيين. وفي المقابل نراه لم يفلح في الدراسة كثيراً لأن ثقافته كانت أكبر من أن يستوعبها عمل مدرسي. ثم حين لاح له أن يهتم بالدرس حقاً وهو في الخامسة عشرة من عمره، وقع في غرام فتاة فرنسية وكان غراماً مستحيلاً، أقعده عن أي رغبة في التحصيل، وحوّله إلى شاعر ورسام. وكان هذا أمراً طبيعياً لمن له ثقافته وحساسيته. وهو بدأ يلفت الأنظار، باكراً كشاعر ورسام، ثم ركز أموره وتحول إلى ناقد، لكن نقده كان هرطوقياً في مقاييس تلك المرحلة، إذ إن الجزء الأول من سفره “فنانون محدثون” والذي خصصه لأعمال الفنان تيرنر أثار من حوله عاصفة نقدية، بينما ظل تيرنر نفسه صامتاً إزاءه. غير أن العاصفة لم تثبط من عزيمة راسكين، بل تابع كتابته وراح ينشر الكتب والدراسات وهو موقن من أنه سيصل أخيراً إلى إقناع معاصريه بصواب نظرته حول علاقة الإبداع بالمجتمع. وهو تمكن من ذلك بالفعل في كتابه الأفضل “مصابيح الهندسة العمرانية السبعة” (1849) الذي كرسه وفتح أمامه كل الأبواب. بعده لم يتوقف راسكين عن الكتابة، فأصدر خلال عقد ونصف العقد نحو دزينة من الكتب كان أبرزها إلى جانب “حتى ذلك الأخير”، “حجارة البندقية” و”موانئ إنجلترا” و”عناصر الرسم” و”عناصر المنظور” وصولاً في 1860 إلى الجزء الأخير من “فنانون محدثون”. ومع هذا الجزء قرر التوقف عن الكتابة في الفن ليخوض الكتابة في المجتمع والتربية والدين والأخلاق قائلاً: “أنا لم أعرف في حياتي شخصاً يمكنني أن أزعم أنني أشبهه كلياً، سوى جان جاك روسو”. وبالفعل بدأ راسكين ينشر ويحاضر ويجادل حول نظريات اجتماعية اشتراكية وإنسانية تقربه من روسو، وواصل طوال عقدين من السنوات إصدار الكتب الفكرية في الوقت الذي أصبح مدرساً في جامعة أوكسفورد (1869 – 1884)، وألقى في 1870 محاضرات تابعها جمهور غفير، ما جعله يشعر بأنه قد حقق حلمه بأن يصبح معلم أجيال حقيقياً. ولقد ساعدته الثروة التي ورثها عن والده في تعزيز موقفه عبر دعم المشاريع الثقافية وإنشاء المتاحف وإعطاء منح للطلاب المتفوقين وتأسيس الجمعيات الاشتراكية والثقافية. ثم فجأة سئم ذلك كله، وانعزل خلال العشرية الأخيرة من حياته في عزبة له كان اشتراها قرب برانتوود، منكباً على تصحيح بعض نصوصه القديمة على ضوء معارف ومكتشفات العصر. وهو حين رحل عن عالمنا كان موضع احترام جماهير المثقفين في إنجلترا وفي جميع أنحاء أوروبا أيضاً. المزيد عن: جون راسكين/جورج برنارد شو/المهاتما غاندي/الهندسة المعمارية/فن تشكيلي/جامعة أوكسفورد 8 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post كريستيان برجر: ندعم الأطراف كافة للتوصل إلى حل لأزمة سد النهضة next post “البازار الأسود” تكشف صعوبات اندماج المهاجرين في المجتمع الفرنسي You may also like الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 محمد غندور في” اندبندنت عربية”: “عصافير الحرب”… قصة... 3 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في” اندبندنت عربية”: غوته مفكر الشعر... 3 أغسطس، 2026 محمد خان… مخرج الأمكنة الذي لا يصرخ إنما... 3 أغسطس، 2026 الشعر والسينما… العالم كقصيدة تتحرك 3 أغسطس، 2026 موسيقى كَناوة تواصل اكتساح الحياة الفنية في المغرب 2 أغسطس، 2026 كارين اليان ضاهر في “اندبندنت عربية”: الدبكة اللبنانية…... 2 أغسطس، 2026 8 comments usa89 11 مارس، 2025 - 10:37 ص 559086 473212This web site is my aspiration , extremely great pattern and perfect articles . 996471 Reply Saber más 14 يونيو، 2025 - 1:03 ص 406745 641780This internet web site is my breathing in, really excellent layout and perfect content material . 947634 Reply website 15 يونيو، 2025 - 11:26 ص 80749 202034Greetings! Quick question thats completely off subject. Do you know how to make your website mobile friendly? My weblog looks weird when viewing from my iphone. Im trying to locate a template or plugin that may be able to fix this problem. In the event you have any recommendations, please share. Appreciate it! 470292 Reply Polkadot mushroom for sale usa 26 يونيو، 2025 - 9:50 م 396211 297936Whilst youre any with the lucky enough choices, it comes evidently, even though capture the fancy with the particular coveted by ly folks other useful you you meet may possibly possibly nicely have hard times this particular dilemma. pre owned awnings 997302 Reply เช็คสลิปโอนเงิน 1 أغسطس، 2025 - 5:27 م 395077 321060Wow! This could be one particular of the most beneficial blogs Weve ever arrive across on this topic. In fact Wonderful. Im also an expert in this topic therefore I can realize your hard work. 760340 Reply Alexander Debelov 1 أغسطس، 2025 - 8:43 م 402456 813659You created some decent points there. I looked on the web for the problem and discovered most individuals will go coupled with along with your internet site. 752238 Reply หนังสั้นจีน 6 سبتمبر، 2025 - 4:49 ص 945688 137564For some cause the picture just isnt loading appropriately, is at this time there an problem? 947778 Reply Giffarine 30 سبتمبر، 2025 - 11:12 ص 684272 928667Hey. Quite good internet website!! Man .. Superb .. Wonderful .. Ill bookmark this web web site and take the feeds alsoI am pleased to locate so much valuable details here within the post. Thanks for sharing 11823 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.