ثقافة و فنونعربي جاك بيرك مستشرق أم مجرد محب للعرب؟ by admin 3 مارس، 2021 written by admin 3 مارس، 2021 172 مترجم “الأغاني” متحدثاً عن “الجريمة الكبرى”: لو أنهم أصغوا إليّ! اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب “في ذلك الحين كان يهيمن علم أعراق يستمد جذوره من المدرسة المنتمية إلى الباحث جيمس فريزر، علم أعراق يرى الطقوس السحرية قائمة في كل مكان، تغمر حياة الأقوام المسماة “بدائية”. ولم يكن هذا كله سوى وسيلة للتعبير عن تفوق المراقب على الشعب الخاضع للرصد، ورفض كل تاريخية يمكن عزوها إلى الشعوب المدروسة. أما أنا فإن هذه التاريخية هي بالتحديد، ما كنت أريد إعادتها إلى تلك الشعوب”. ذلك الحين ربما كانت شهادة جاك بيرك هذه، التي جاءت في تقديمه واحداً من كتبه الأخيرة “مذكرات الضفتين” الذي صدر عام 1989، تعبيراً عن جذور الاختيارات التي قادت خطاه طوال مساره العملي والحياتي. فحين يقول بيرك “في ذلك الحين”، يقصد سنواته العلمية الأولى في جبال الأطلس المغربية، حيث أبعدته السلطة الكولونيالية الفرنسية التي لم تستسغ بعيد الحرب العالمية الثانية رفضه إجراءات فوقية كانت تريد ممارستها. لم تدرك السلطات، أنها بنفيها ذلك الباحث الشاب إلى أبعد نقطة ممكنة، إلى جبال الأطلس، كانت تحدد مصيره، وتمهد أمامه الطريق ليصبح من خيرة دارسي المناطق العربية والشعوب “المستبعدة”. فاختلاط بيرك بأهل جبال الأطلس، وقيامه بمشاركتهم الحياة اليومية، هو الذي قاده لاحقاً، إلى الاهتمام بالشعوب العربية، ليصبح خلال النصف الثاني من القرن العشرين، واحداً من المراجع الأساسية في حضارة وتاريخ وحاضر تلك الشعوب، وواحداً من أبرز العلماء الغربيين الذين عملوا طوال حياتهم على اكتشاف وإعادة اكتشاف الجذور الروحية التي تحرك حياة تلك الشعوب، الجذور الإسلامية. بين المستشرق والمستغرب من هنا لم يكن غريباً من جاك بيرك أن يرفض، على الدوام، لقب المستشرق وألا يقبل، إلا على مضض، أن يلقب بـ”المستعرب”، لأنه كان يرى أن اختياراته الأساسية يجب أن تخرج عن إطار التصنيف الأكاديمي. كان يحلو لجاك بيرك أن يشرح شغفه العلمي كالتالي “كل ما في الأمر، أنني وقعت يوماً في هوى منطقة وشعوبها وتاريخها، فانكببت على دراستها، من دون أي رغبة مسبقة في أن أكون يوماً مستشرقاً، أو مستعرباً بالمعنى المهني للكلمة”. وإذ سُئل كيف يحب أن يصنف كان يجيب “أنا بالأحرى مناضل في سبيل التقريب بين الضفتين، بين فرنسا والعالم العربي، وفي سبيل إفهام قرائي، الفرنسيين منهم خاصة، ما هي حقيقة الإسلام، بعيداً من الكليشيهات والتعصب والأفكار الجاهزة”. ولادة جزائرية ولد جاك بيرك عام 1910 في قرية جزائرية، من أعمال وهران، ورحل عن عمر ناهز الخامسة والثمانين في قرية فرنسية لا تبعد عن مدينة بوردو. والحال أنه أمضى جل سنوات حياته وهو يخوض ذلك النضال الذي اختاره لنفسه ذات يوم في صباه، متأثراً بوالده. كان الأخير من أعيان الإدارة الكولونيالية في شمال أفريقيا، لكن ذلك لم يمنعه من انتقاد سياسة بلاده إزاء الشعوب الواقعة تحت سيطرتها. وإذا بابنه يكرس جل كتاباته، هو الآخر، للتعريف بتلك الشعوب وللعمل على رسم مساراتها التاريخية. لم يكن من قبيل المصادفة إذاً أن يجمع جاك بيرك ذكرياته وتجاربه وتاريخه الشخصي في كتاب “مذكرات الضفتين”. فبدلاً من أن يختار الانتماء الديني والأيديولوجي إلى العرب وإلى الإسلام على طريقة مستشرق فرنسي آخر هو فنسان منصور مونتاي، وبدلاً من أن يحذو حذو برنارد لويس فيدرس الشرق وعربه ومسلميه انطلاقاً من نظرة فوقية دائمة ومن نزعة إلى التقويم وإعطاء الدروس… اختار الوقوف على الضفتين معاً. لم يمنعه حبه للإسلام وتبجيله للحضارة العربية والإسلامية من أن يظل كاثوليكياً، كما أن تعلقه بالعرب لم يمنعه من أن يظل فرنسياً حتى النهاية. ومن المؤكد أن هذا الانفتاح على الآخر، مع التمسك بالجذور، أسهم في ذلك القسط الكبير من الاحترام الذي حظي به جاك بيرك لدى النخب العربية المثقفة، ولدى عديد من المسؤولين العرب الذين كانوا يستقبلونه بالترحاب، ويستمعون إلى آرائه واقتراحاته بود واهتمام، بدءاً بالرئيس عبدالناصر الذي كان يحفظ له مكانة خاصة. “لو أن المسؤولين الفرنسيين أعاروني انتباههم كما فعل العدد الأكبر من صانعي القرار العرب (قال بيرك في الكتاب، هذا الصدد) لأمكننا أن نتجنب سوء التفاهم الذي نشأ بين الأمتين في حالات كثيرة”. تاريخ جريمة وكان بيرك يرى أن فرنسا مسؤولة إلى حد كبير عن تزايد حدة سوء التفاهم هذه، بسبب ممارساتها الكولونيالية من حرب الجزائر والعدوان الثلاثي، وصولاً إلى حرب الخليج والحرب اللبنانية. والمحطتان الأخيرتان حركتا لديه القدر الأكبر من الغضب. فحرب الخليج قربته من وزير الدفاع الأسبق جان – بيار شوفانمان. أما الحرب الأهلية في لبنان، فجعلته يكتب ذات يوم من 1990 في صحيفة “ليبراسيون”، والمعارك عند ذروتها في بلد الأرز، في مقالة بعنوان “لبنان، تاريخ جريمة “إن دموع أولئك الذين يتباكون اليوم على لبنان(كتب بيرك) تصل متأخرة بعض الشيء”. وأشار بإصبع الاتهام إلى الاعتقاد السائد في فرنسا، الذي لا يرى في ذاك البلد “أكثر من غيتو مسيحي قائم وسط أرض مسلمة”. إن الواقع رهيب جداً، واقع أن فرنسا لم تعد تفهم لبنان برأيه، “ونحن، معشر الفرنسيين، تخلينا عنه ثانية في العام 1982، حين غزاه جيش مناحيم بيغن الذي كنس جيوش الأمم المتحدة وقصف بيروت كلها فكانت أول عاصمة عربية يتم احتلالها. يومذاك اكتفينا بالاحتجاجات اللفظية وبالمعونات الإنسانية التي كانت محترمة بالتأكيد، لكنها كانت مجردة من أي وزن سياسي على الإطلاق”. حيادية باحثي المكاتب الرجل الذي يعطي ما سبق فكرة عن المواقف والتصريحات التي تميز بها على الدوام، عرف كيف يضفي على جهده العلمي بعداً جديداً، لا علاقة له من قريب أو من بعيد، بالفكر الاستشراقي. بالنسبة إلى جاك بيرك، وكما يستنتج في “مذكرات الضفتين” لم تعد هناك حاجة ملحة إلى ذلك النوع من الباحثين الذين يكتفون بالجلوس داخل مكاتبهم ومختبراتهم لدراسة الشعوب “المتخلفة” بالميكروسكوب والمنظار المكبر، وطرح استنتاجاتهم وآرائهم بحيادية تغيظ. فإما أن يكون الاهتمام والدراسة نابعين من شغف أو لا يكونان. وذاك الشغف طبع عمل بيرك على الدوام. نقع عليه منذ الكتاب الأول الذي وضعه من منفاه في “الداخل المغربي” بعنوان “البنى الاجتماعية في الأطلس الأعلى” الذي أثار ضجة كبيرة لدى صدوره في باريس مطلع العام 1955، وصولاً إلى العمل الذي كان منكباً عليه لدى وفاته وهو ترجمة “السنة النبوية”. وكان الراحل يتوخى من هذه الترجمة، بالدرجة الأولى، استكمال “محاولته في ترجمة معاني القرآن” الصادرة في فرنسا قبل ذلك بسنوات. كما أنه كان يطمح إلى تعريف القارئ الفرنسي والغربي عموماً، بجانب غني وأساسي من التراث الإسلامي. بين دراسته للبنى الاجتماعية في الأطلس وعمله على ترجمة السنة النبوية، أصدر جاك بيرك أكثر من ثلاثين كتاباً، معظمها يعد اليوم مرجعاً في ميدانه، من “العرب بين الأمس واليوم” إلى “الإسلام في زمن العالم”، ومن دراسته الفذة “عن المواثيق الرعوية لدى بني مسكين” 1936 الذي يعد مؤلّفه العلمي الأول، إلى “علماء، مؤسسون وثوار في المغرب” الذي كان واحداً من كتبه الهامة الأخيرة، ومن تحقيقه لـ”نوازل” الوزاني 1944، إلى ترجمته لكتاب “الأغاني” خلال السنوات الأخيرة من حياته، ومن كتابه المهم “مصر، الإمبريالية والثورة” 1967 إلى جزئي كتابه “من الفرات إلى الأطلس” 1978م. رصد ميداني شغوف كل هذه الأعمال وغيرها وضعها جاك بيرك انطلاقاً من رصيد ميداني وإلمام بالواقع الذي يتحدث عنه. غير أن اللافت في مسيرته هو أنه بدأ راصداً ميدانياً لأحوال المغرب والمشرق، لينتهي إلى الانكباب على التاريخ الزاهي للحضارة الإسلامية. كأن تقدمه في السن قاده إلى التوغل عميقاً في الزمن، أو كأنه يئس من وصول العرب والمسلمين إلى حقوقهم في الغرب من طريق إثارة حماسته، فآلى على نفسه أن يغوص في ماضيهم مستكشفاً لحظاته الكبرى أي اللحظات التي كان فيها العرب والمسلمون متصدرين للحضارة البشرية. المزيد عن: فرنسا/لبنان/المغرب/الجزائر/الاستشراق/جبال الأطلس 12 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post فيتامين “بي 3”.. 3 فوائد “سحرية” لا غنى عنها next post أمين الزاوي يعبر تناقضات العالم في رحلة العثور على الحرية You may also like محمد خان… مخرج الأمكنة الذي لا يصرخ إنما... 3 أغسطس، 2026 الشعر والسينما… العالم كقصيدة تتحرك 3 أغسطس، 2026 موسيقى كَناوة تواصل اكتساح الحياة الفنية في المغرب 2 أغسطس، 2026 كارين اليان ضاهر في “اندبندنت عربية”: الدبكة اللبنانية…... 2 أغسطس، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: “ملكة القطن”… حقل... 2 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: “يوبيك” رواية فيليب... 2 أغسطس، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: أبرز مسلسلات أغسطس…... 2 أغسطس، 2026 موسى برهومة في “اندبندنت عربية”: جورج وسوف يتمرد... 2 أغسطس، 2026 “بوبية” فيلم جزائري يستلهم العشرية في كوميديا سوداء 1 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: آين راند من... 1 أغسطس، 2026 12 comments Mostbet 26 مارس، 2025 - 2:38 ص 925934 984847For anybody who is interested in enviromentally friendly issues, may possibly possibly surprise for you the crooks to keep in mind that and earn under a holder simply because kind dissolved acquire various liters to critical oil to make. day-to-day deal livingsocial discount baltimore washington 168040 Reply ติดเน็ต ais 5 مايو، 2025 - 2:29 ص 400652 969720surely like your web site but you need to check the spelling on several of your posts. Several of them are rife with spelling troubles and I find it quite troublesome to tell the truth nevertheless I will undoubtedly come back once again. 257812 Reply jogo Fortune Tiger 777 Brazil 25 مايو، 2025 - 2:51 م 63313 786694As soon as I located this web web site I went on reddit to share some of the adore with them. 587665 Reply VOX Casino app 31 مايو، 2025 - 1:46 ص 387623 615755Hey! Fantastic post! Please do tell us when we can see a follow up! 334020 Reply horren kiepraam 24 يونيو، 2025 - 12:43 ص 910774 384552Soon after I initially commented I clicked the -Notify me when new feedback are added- checkbox and now each time a remark is added I get four emails with the same comment. Is there any method you will be able to take away me from that service? Thanks! 385211 Reply หนังใหม่ออนไลน์ 2 يوليو، 2025 - 8:57 ص 407470 388345Good post. I previousally to spend alot of my time water skiing and watching sports. It was quite possible the top sequence of my past and your content material kind of reminded me of that period of my life. Cheers 502270 Reply PinUp yukle 3 أغسطس، 2025 - 5:27 ص 257898 154614Wow! This can be 1 particular of the most helpful blogs We have ever arrive across on this topic. Truly Great. Im also an expert in this subject so I can comprehend your hard function. 103091 Reply her explanation 1 سبتمبر، 2025 - 10:40 م 103694 893824hello I was quite impressed with the setup you used with this blog. I use blogs my self so congrats. definatly adding to favorites. 970171 Reply have a peek at this web-site 5 سبتمبر، 2025 - 3:37 ص 960480 167610Your writing style has been surprised me. Thank you, very nice article. 923986 Reply หนังโป๊ 22 أكتوبر، 2025 - 9:38 ص 914186 232494This internet web site is my breathing in, extremely excellent pattern and perfect content . 63917 Reply Ulthera ราคา 4 نوفمبر، 2025 - 8:12 م 214355 333197When I originally commented I clicked the “Notify me when new comments are added” checkbox and now each time a comment is added I get three e-mails with the same comment. Is there any way you can remove people from that service? Bless you! 840413 Reply learn the facts here now 9 يناير، 2026 - 7:36 م 39732 758543Cool text dude, maintain up the very good function, just shared this with the mates 962774 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.