الهولندي سيس نوتبوم يتأمل في وحدة الكائن ومصيره – CANADA VOICE
الخميس, سبتمبر 3, 2026
الخميس, سبتمبر 3, 2026
Home عربيثقافة و فنون الهولندي سيس نوتبوم يتأمل في وحدة الكائن ومصيره

الهولندي سيس نوتبوم يتأمل في وحدة الكائن ومصيره

by admin

شخصيات رواية “طقوس” تطرح أسئلة جوهرية لا أجوبة لها

اندبندنت عربية / أنطوان أبو زيد 

تحمل لنا ترجمة الروايات أعمالاً أدبية وأسماء أدباء من العالم، ما يستدعي الإعجاب والتأني لبعضها. ومن هذه الروايات المترجمة إلى العربية، والصادرة حديثاً عن دار “منشورات الجمل”، رواية بعنوان “طقوس” للكاتب الهولندي سيس نوتبوم ذي المكانة الأدبية العالية في بلاده والعالم 180 كتاباً، التي تتوالى ترجمة بعضها إلى العربية.

للوهلة الأولى، تبدو حكاية الشخصية المحورية في رواية “طقوس” باسم “إني وينثروب” الرجل المولع بالفنون، وصاحب الأسهم، والمنتحر في أمستردام، إثر خساراته الفادحة في سوق الأسهم، حكاية عادية ومألوفة، ولا تستوجب الاهتمام. ولكن سرعان ما تتكشف للقارئ، لدى توالي المشاهد في الفصل الأول من الرواية (الفاصل الموسيقي)، خصوصية اللغة القصصية والروائية؛ هي خصوصية متأتية من إصرار الروائي على اعتبار المناخ الاجتماعي والفني و”الطقوسي” عنصراً مكوناً في الشخصية الروائية المحورية، وغيرها من الشخصيات، ومحفزاً لها على القيام بما تدفعها إليها هذه المناخات.

ولعل هذا الإصرار المفعم بالجدية والعمق والانتقائية في تناول الموضوعات الإنسانية الكبرى، مثل الحب، والزواج، والدين والطقوس، والموت والكمال وغيرها، مضافاً إليه توشيحات التهكم والفكاهة خلال النسيج القصصي المتقن وصفاً وسرداً وتعليقاً، هو ما يطبع أسلوب الكاتب نوتبوم، ويقربه من بعض الكتاب الخالطين الخفة مع ثقل المأساة الإنسانية، نظير ميلان كونديرا .

شخصية نموذجية

إذاً، يرسم الكاتب سيس نوتبوم في روايته “طقوس” ملامح شخصيته النموذجية هذه – أي إني وينثروب – ملمحاً إثر ملمح؛ فيشرع في وصفه، أولاً، على أنه مولع بالفنون، ومنها الموسيقى، وأن عشقه امرأته “زيتا” وزواجه منها، في قصر العدالة في مدينة “برينسينخراخت”، إنما كان بدافع تقديره العالي للأصوات التي يتكون منها اسمها واسمه على السواء “تعرف أن الأصوات الغريبة التي تشكل اسميهما قد رفعتهما فوق بقية العالم وعزلتهما عنه…” (ص: 25).

إلا أن الأمور ما بين الزوجين لا تلبث أن تسوء، فيقرر الانسحاب من تلك العلاقة الغرامية، بينه وبين عشيقته وزوجته التي لطالما دعاها “أميرة ناميبيا”، ما دام يحسب الحياة نادياً غريباً بعض الشيء، وقد صار عضواً فيها بالصدفة، ويمكن له الانسحاب منها ومن الزواج تالياً متى تسنى له ذلك، ومن دون أي شروح.

ولما كان الزمن المستعاد صيف عام 1963، فقد مضى “إني” يستحضر النساء اللاتي عرفهن وتركن أثراً في حياته، لا سيما تلك المسماة “بيترا”، المقيمة غرب أمستردام، لعلهن ينسينه زوجته “زيتا”. إلا أن طيف زوجت بقي يلح عليه، ويخمد كل ذكرى، ولا يدع (الطيف) شيئاً وراءه سوى الفوضى العارمة، وهبوط حاد في أسعار البورصة التي كان مساهماً فيها، إلى كونه هاوياً للتحف والرسوم القديمة والنفيسة.

وأتقدم مع الراوي إلى القسم الثاني المعنون “أرنولد تادس”، وفيه يعالج الكاتب “سيس نوتبوم” مسألة التربية الدينية المسيحية التي أنكرها “إني”، بعد أن كان تشربها في طفولته إبان مكوثه في مدرسة داخلية ومعاونته الكاهن الكاثوليكي في خدمة القداس.

وفيه يكشف الروائي أيضاً لقاءً، يلتبس على القارئ تصنيفه ووصفه بالواقعي أو المتخيل، بينه وبين أرنولد تادس “أكثر الأشخاص وحدة في هولندا” (ص:55)، لا بل أكثر وحشة من “إني”.

وفي أجواء من الخيبة الشديدة القتامة، تعبر عمة الراوي به أمكنة فاقدة هويتها الأولى، لتعرفه بأحد أقاربه، أرنولد تادس. وفي الأثناء، تروي له مسار انطفاء عائلته، موتهم انتحاراً أو اندحاراً تحت وطأة العوز وعبادة المال، الخطيئة المميتة لدى الكاثوليك، على ما تنقله له عمته “أبوك، عمك جوس، عمك نود، عمك بيير، عمتك كلير، كلهم إما أموات أو معدمون. إنك لا تملك شيئاً باستثناء ما يمكن أن تحصل عليه من جدتك في يوم ما…” (ص:63).

التعبير عن الذات

ولكن اللقاء بين إني وأرنولد تادس لم يجر على ما اشتهته العمة تريز؛ إذ أفصح “إني” لهذا الصهر ولعمته المتمسكين بأهداب المعتقد الكاثوليكي بأنه بات لا يؤمن، وبأن اهتماماته في مكان آخر. وعلى الرغم من ذلك التباين في الرؤى بين الراوي والقس تادس، فقد سكب له المشروب، وطلب منه أن يصف له طعمه، ومن ثم سأله عن جامعته، فقال إنه “لم يحصل على الثانوية، وطرد من أربع مدارس” (ص:74)، فيفهم القارئ، أن هذا اللقاء حصل للراوي في إحدى سنوات مراهقته، لما سدت في وجهه السبل، وكان بحاجة ماسة إلى المال.

وإذ راح أرنولد يستنطق الشاب “إني” عن معتقداته، انفتح للأخير باب التعبير عن ذاته، فأقر بأنه إنما ينتمي إلى مذهب اللاأدرية الوجودية، قال “وذات يوم فكرت في نفسي: إن المنظر الطبيعي، أي منظر طبيعي، لنقل هذا بعظمته الموضوعية، يستحضر فكرة الله وبمستطاعه، بالطبع، وبنحو جيد على حد سواء، أن يستحضر غيابه”. (ص:90).

الترجمة العربية للرواية الهولندية (منشورات الجمل)

ولما سأله تادس عما إذا كان عرف والده، أجابه بأن أباه الذي عرفه في عمر العاشرة، وقد تطلقت منه والدته، وتزوج من مربية الأطفال، كان قد “قتل في ذلك الشتاء في القصف الجوي على لاهاي” (ص:102)

وظل الجدال محتدماً بين تادس، المشبع بالعقيدة السكولاستية العامرة بالأدلة المبرهنة على وجود الله، والشاب “إني” ذي الروح المثخنة بجراح الوجود، واليتم، والخيبة من المثل، وانعدام الشفافية.

ولئن كان الحوار لم يفض إلى عودة الشاب “إني” إلى إيمانه، فإن عمته خصصت له مبلغاً من المال، في حين تناهى إليه خبر موت القس “أرنولد تادس” جامداً حتى الموت، “في موقع لا يبعد كثيراً عن كوخه” (ص:147).

صراع الأجيال

أما القسم الثالث من الرواية، وهو بعنوان “فيليب تادس” فيتناول فيه الراوي نفسه “إني وينثروب” وقد بلغ الأربعين من عمره، حدث لقاؤه بالصدفة مع “فيليب تادس” ابن المتوفى أرنولد تادس، والحوار الشائق الذي جرى بينهما حول أمور كثيرة انتهت بانتحار فيليب تادس، وإحراق جثته. ويبدأ القسم بحكاية الحمامات الثلاث التي كانت تلملم الطعام لحظة دهس دراجة نارية إحداها، ونزول راكبتها الشابة وحملها، في صحبة الراوي، المصادف مروره من هناك، إلى حيث يمكن لهما دفنها.

وبعد انتهائهما من مراسم الدفن، تردفه الفتاة العشرينية خلفها، على الدراجة إلى منزلها، حيث تطارحه الغرام بأريحية ظاهرة. وعندئذ تنكشف له هذه الهوة الكبيرة بين قيم جيله والأجيال اللاحقة، سواء في تطلبها الجنسي، أو في نظرتها إلى الموسيقى، أو في تجاوبها السريع مع الآلات العصرية، قال لها “هل لي أن أراك مجدداً في يوم ما؟- “لا، لدي عشيق” (ص: 161).

وبالعودة إلى اللقاء الذي جرى بين “إني” وفيليب تادس، فقد شاءت الصدف، أو الروائي، أن يكون إني مولعاً بالتحف الفنية، لا سيما منها الشرقية اليابانية، وكان زميل له شريكاً في هذا الهوس، ويلتقي بفيليب الذي كان يجهل أباه، فيعرفه إني على بعض جوانب شخصيته، ويتعرف بالمقابل على شخصية فيليب القلقة، وغير المتوازنة عاطفياً، والعبثية الميل، والتائقة إلى التحرر من ذاتها، عبر الانتحار. وهذا ما جرى له.

كلمة حق تقال، في هذا الحشد الانطباعي وتداخل خيوط السرد والوصف والتعليقات المتصلة بالدين المسيحي، والحرية الشخصية، والهوس بالفنون، والمداورات الأسلوبية الذكية، والإيحاءات المتضمنة في التواريخ وغيرها، إن هذه الرواية للكاتب الهولندي سيس نوتبوم هي من الذرى الأدبية التي يحتفى بها. ولئن تبدى بعض الوهن في المستوى الأدبي العالي، عبر الترجمة إلى العربية التي أنجزها الشاعر العراقي علي عبد الأمير صالح، فإن الجهد المبذول، من قبله، لحفظ بلاغة المضمون ومناخاته، جدير بالتنويه والاعتبار.

ولمن أراد المزيد من روايات نوتبوم فهنا بعض العناوين: “فيليب والآخرون” (1954)، و”البحارة من دون شفاه” (1958)، و”الفارس مات” (1963)، و”طقوس” (1980)، و”أغنية الوجود والظهور” (1961)، و”في جبال البلاد الواطئة” (1984)، و”البودا خلف السياج” (1986)، و”الحكاية التالية” (1991)، و”يوم الموتى” (1998)، و”خسران الجنة” (2004)، و”مطر أحمر” (2008)، وغيرها كثير.

المزيد عن: رواية هولندية/سيس نوتبوم/روائي/الحوار/أفكار/طقوس/فلسفة/تخييل/رمز

 

 

You may also like

9 comments

penis envy mushroom psilocybin 4 أبريل، 2025 - 3:25 م

143555 562774I like this post, enjoyed this one regards for posting . 186666

Reply
more 23 مايو، 2025 - 9:21 ص

620902 996576hey, your internet website is superb. We do appreciate your work 544376

Reply
situs toto 3 يوليو، 2025 - 10:24 ص

340169 991619Hi my loved 1! I want to say that this post is wonderful, great written and incorporate almost all vital infos. I would like to peer a lot more posts like this . 127327

Reply
aviator game online real money 14 أغسطس، 2025 - 2:19 ص

86108 250056hello, your web site is really excellent. We do appreciate your give very good outcomes 485136

Reply
สินค้ากิฟฟารีนทั้งหมด 2 أكتوبر، 2025 - 11:32 ص

842433 262835Thanks for helping out, outstanding data. 270553

Reply
UoBilad Alrafidain 20 أكتوبر، 2025 - 9:33 م

509562 422717I got what you intend,bookmarked , quite good internet web site . 504534

Reply
diyala project 21 أكتوبر، 2025 - 6:44 ص

710652 731688Satisfying posting. It would appear that plenty of the stages are depending upon the originality aspect. Its a funny thing about life should you refuse to accept anything but the most effective, you extremely often get it. by W. Somerset Maugham.. 200432

Reply
Federal Bureau Of Investigation Badges 25 أكتوبر، 2025 - 12:06 ص

Thanks for sharing your knowledge on this topic. It’s much appreciated.

Reply
cosmolot-casino.catsib.ru 28 يوليو، 2026 - 11:57 م

664064 368571In fact your creative writing abilities has encouraged me to get my own blog now. Actually the blogging is spreading its wings quickly. Your write up is a great example of it. 532757

Reply

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA'S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE EPUBLISHING NEWS - MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS - Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

TOP NEWS

الإعلام الإسرائيلي يكشف ملامح صفقة الأسرى والهدنة

by admin

توصية أميركية بحصول كبار السن على جرعة أخرى من لقاحات كورونا

by admin

اتفاق محتمل للأطراف الليبية يهدد مصير حكومة الدبيبة

by admin

زاو ووكي فنان التجليات البصرية الروحية

by admin

لماذا لا تدرّس الجامعات العربية علم الجمال؟

by admin

حملة لـ”كسر الصمت” حيال التحرش داخل أماكن العمل في الأردن

by admin

الجراحة الروبوتية ثورة في عالم الطب تبشر ببزوغ عصر جديد

by admin

عودة ثنائية “دي بروين – هالاند” الأكثر رعبا في أوروبا

by admin

زيدان على رأس أهداف مالك مانشستر يونايتد الجديد لخلافة تن هاغ

by admin

Retour du visa pour les visiteurs mexicains au Canada

by admin
Facebook Twitter Youtube
Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili