رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي ووزير الصحة في حكومته خالد عبدالغفار (أ ف ب) عرب وعالم المواطن المصري والحكومة… علاقة ملتبسة مشاعرها متناقضة by admin 4 أبريل، 2025 written by admin 4 أبريل، 2025 9 لقاء وزير الصحة الأخير والمواطنين بأحد المستشفيات يكشف توليفة تجمع بين متقابلات عدة بينها الإعجاب والرهبة والاحترام والاعتراض والتبجيل والغضب والانبهار وتمني الاندثار بين الدولة والمواطنين اندبندنت عربية / أمينة خيري علاقة المصري بالدولة التي تعدها القاعدة العريضة “الحكومة” علاقة من نوع خاص، فهمها يتطلب إقامة طويلة في البلاد واختلاطاً عميقاً بالعباد وفهماً حقيقياً للثقافة، وهضماً كلياً لطبيعة العلاقات وتركيبة المصالح ومكونات التوازنات. من “تنين” هوبز (الفيلسوف البريطاني توماس هوبز) والسلطة المطلقة التي يقدمها المواطن للدولة، متنازلاً عن جانب من حقوقه مقابل قيام الدولة بالحفاظ على أمنه وسلامته، إلى مواطنه جون لوك و”عقده الاجتماعي” و”حكومته المدنية” ورفضه فكرة الحق الإلهي للملوك وتدشينه مبادئ العقد الاجتماعي القائم على رضا المحكوم، باعتباره مصدر شرعية الحاكم، ومنهما إلى السويسري جان جاك روسو ومفهومه عن العقد الاجتماعي، وكيف أن الدولة لا تكون شرعية إلا إذا التزمت بالإرادة العامة للمواطنين، وغيرهم العشرات بل المئات من الفلاسفة والمفكرين ممن أمضوا حياتهم في البحث عن العلاقة بين الدولة أو الحكومة والمواطن، والأمور الحاكمة للعلاقة والمبادئ المؤسسة لها والأمور المهددة لها. من بين كل هؤلاء وأفكارهم يمكن القول إن علاقة المصري بالدولة أو الحكومة أقرب ما تكون إلى مزيج من “جمهورية” أفلاطون و”سياسة” أرسطو، إذ الدولة وسيلة لتنظيم المجتمع بناء على أسس وقواعد ومبادئ وحقوق وواجبات، في ظل مؤسسات وفي وجود منظومة أخلاق وإطار ثقافي. وهذا هو التصور الفلسفي الأقرب للعلاقة بين المصري والدولة على مر التاريخ، لكن دون شرط مكون السعادة الذي تحدث عنه أرسطو أو المثالية الراسخة في فكر أفلاطون. بصورة عامة، يخلط أو يعد أو لا يهم المصريين كثيراً مسألة التفرقة بين مفهوم الدولة والحكومة. الدولة للغالبية هي الحكومة، أية حكومة، والحكومة هي الدولة، وكلتاهما تمثل السلطة والقوة والبأس والقدرة والحق في اتخاذ القرار، سواء كان صائباً أم جانبه الصواب، وغيرها من المفردات الدالة على نظرة المواطن إلى الدولة أو الحكومة على مر العصور، باعتبارها في مرتبة أعلى منه ومكانة أسمى من تلك التي يتبوأها، وهو ما يستوجب وجود توليفة من المشاعر تجمع بين تناقضات عدة، مثل الإعجاب والرهبة، والاحترام والاعتراض، والتبجيل والغضب، والانبهار وتمني الاندثار. الشكر قبل الشكوى العلاقة بين أية دولة أو حكومة والمواطن، أي مواطن، دائماً تعتريها مشاعر “حب – كراهية” غير معلنة، أو شد وجذب تطفو على سطح الأخبار أو مطالبة المواطنين بالحقوق ورد الحكومة بتأكيد الواجبات أولاً أو تزامناً مع الحقوق، ومصر ليست استثناء، لكنها استثناء في تركيبة العلاقة وترتيب أولوياتها وتفنيد مكوناتها، وفهم مفرداتها في السياق المصري المتفرد. الفيديو المثير للجدل الذي جمع نائب رئيس الوزراء وزير الصحة والسكان المصري خالد عبدالغفار وعدد من المسؤولين والمواطنين المرضى وأقاربهم داخل مستشفى العدوة المركزي في محافظة المنيا (صعيد مصر) قبل أيام، أعاد فتح أبواب التفكير في هذه العلاقة الغريبة الفريدة بين المصري ودولته أو حكومته. الفيديو نشره موقع مصري قبل أيام، ومنذ نشره وأبواب الجدل والنقاش والدفاع والهجوم مفتوحة على مصاريعها. ويصور الفيديو حديثاً دار بين عبدالغفار ومجموعة من المرضى، ويبدو أن الوزير توقف أثناء تفقده المستشفى للحديث مع عدد من المواطنين وسألهم عن الخدمة المقدمة، وهو يظن أنه لن يسمع إلا إطراءً للخدمة وثناءً على المعدات وشكراً على العلاج. لكن ما حدث أن أحد المواطنين تحدث بطلاقة واضحة وبلاغة لافتة وثقة ثاقبة، قائلاً “نحن نريد معاملة أحسن، لا نريد أن نتلقى معاملة مثل طلبة الابتدائي”. وزير الصحة والسكان المصري خالد عبدالغفار (أ ف ب) وشكا الرجل من معاملة أفراد الأمن ومن التأخير والمبالغة في وقت انتظار تلقي العلاج وغيرها من المشكلات، وبعد أن قال عبدالغفار إن التأخير حتماً غير مقصود، وإن الغرض من النظام هو الحفاظ على المرضى وسلامتهم وصحتهم، أضاف متسائلاً ومستنكراً “لماذا يشكو بعض من بعض الأضرار؟ الدولة افتتحت المركز الجديد لغسيل الكلى وتقدم للمواطنين خدمات مجانية، لكن لم يشكر أحد الدولة على ما تقدمه من خدمات”. وبينما حاول عدد من المرضى وذويهم الملتفين حول الوزير إضافة مزيد من الشكوى، تجاهلهم الوزير واستمر في القول “حتى الآن لم أسمع كلمة متشكرين إن الدولة أنشأت هذا المكان”. وأضاف مؤنباً “لو دأب أحد أهل بيتك كلما رآك أن يوجه لك شكوى ويحكي لك مشكلة. الأول يا أخي قل متشكرين على المبنى والأجهزة، ثم قل إن هناك بعض التضررات”. هنا قال المريض مضطراً “فاتتني دي (هذه) يا معالي الوزير. شكراً على أفضالكم علينا”. واستمر الوزير في الدق على وتر الشكر قبل الشكوى، قائلاً “أنتم صعايدة والصعيدي لا يفوت الأصول وهذه هي الأصول. وهذه ليست أفضل. وهذا حقكم علينا”، مع الإشارة إلى أن المرضى في المستشفى يعالجون “على حساب” الدولة. حديث الحساب والشكر والفضل والحق أعاد أسئلة العلاقة بين الدولة والمواطن، وهي الأسئلة التي لا تشغل بال المصريين في الأحوال العادية، وكذلك خلال أوقات الاستقرار، لا سيما المصحوبة بالضغوط الاقتصادية التي تحول دون المرء وشطط التفكير ورغد التحليل. هذه المرة، فرض مقطع المواطن الشاكي والوزير الممتعض نفسه على النقاش الشعبي على رغم أنف الأوضاع الاقتصادية الضاغطة بشدة، ودون النظر إلى ملابسات الزيارة، أو الآثار المترتبة على ما قد يبدو أنه مجاهرة بانتقاد أو اعتراض. علاقة ملتبسة النقاش هذه المرة يعود إلى مربع العلاقة بين الدولة والمواطن، وهي العلاقة التي أعيت الباحثين وأدهشت المتابعين، وكذلك المشاهدين. السينما المصرية حافلة بالأفلام التي تطرقت إلى العلاقة الملتبسة منذ عقود، وربما قرون بين المواطن والحكومة، ومنها “ضد الحكومة” و”العصفور” و”أهل القمة” و”طيور الظلام” و”اللعب مع الكبار”، و”معالي الوزير” و”زمن حاتم زهران” و”الهروب” و”الإرهاب والكباب”، وغيرها أفلام تطرقت إلى العلاقة الفريدة والمسكوت عنها برضا الطرفين، أو في الأقل برضا طرف وقبول الآخر. الغالبية المطلقة من هذه الأفلام حققت نجاحاً ساحقاً لدى عرضها داخل دور العرض، وتلقى نسب مشاهدة مرتفعة لدى عرضها على الشاشات حتى اللحظة. وبعض يفسر ذلك في ضوء نجاح الفيلم جماهيرياً، لكن التفسيرات الأكثر عمقاً تتطرق إلى أن الأعمال الدرامية التي تدق على أوتار حساسية العلاقة بين الدولة أو الحكومة والمواطن، التي غالباً تسلط الضوء على الفساد في بعض الأروقة الرسمية، أو سوء معاملة المواطن من قبل بعض الجهات الرسمية، أو غيرها من أوجه استعلاء الدولة أو الحكومة على المواطن غالباً “تفش غل” المواطن، وتكون عادة صمام أمان يسعد بقدراته التنفيسية، ويهفو إلى الاستماع لمن يتحدث باسمه عن مواطن الألم، دون أن يتعرض هو شخصياً للخطر أو المساءلة. العلاقة الملتبسة غالباً تضع الدولة أو من يمثلها والحكومة أو من ينوب عنها في مكانة قوامها توليفة من السيد صاحب العطايا القادر على المنع والمنح، والغريم الذي تخشى المجاهرة بانتقاده أو اعتراضه، والكيان المميز السامي الراقي الذي يناطح النجوم في علوها، وهو أيضاً لا غنى عنه ولا مجال لتصريف شؤون المعيشة من دونه. بمعنى آخر، هي علاقة زواج كاثوليكي، لحين إشعار آخر. واللافت أن طرفي المعادلة يجمعهما الإيمان أو توارث أو العمل بقواعد هذه العلاقة. فالمسؤول في الدولة أو الوزير في الحكومة، أية حكومة، يعي أن العلاقة بينه والمواطن قائمة على هذه التوليفة، لحين إشعار آخر. وفي حالة الحكومة، يأتي الإشعار حين يترك المسؤول أو الوزير منصبه، فيتحول من هذه الجبهة إلى تلك. والمصري في الغالب لا يفرق بين الدولة والحكومة، يعدهما كياناً واحداً وجهة واحدة. رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام السابق الكاتب الصحافي كرم جبر كتب تحت عنوان “الفرق بين الدولة والحكومة” (2024) “الدولة هي الكيان الكبير، المكون من الشعب والأرض والسلطة، الشعب بكل أفراده وطوائفه، والأرض المحددة بالحدود الرسمية للبلاد، والسلطة التي تحكم، التنفيذية والتشريعية والقضائية. أما الحكومة فهي فقط السلطة التنفيذية التي تكلفها الدولة بممارسة صلاحيات محددة وتحقيق الأهداف وتنفيذ القوانين والحفاظ على الأمن والاستقرار في المجتمع”. وبعيداً من أن الكاتب وضع “السلطة التي تحكم، التنفيذية والتشريعية والقضائية” ضمن مفهوم الدولة، فقد أشار إلى أن “مفهوم الدولة أكثر أكثر شمولاً واتساعاً، وتضم جميع أفراد الشعب والمؤسسات والأرض، مما يعنى أن الحكومة ما هي إلا جزء من الدولة، وأن الدولة ليست الحكومة والحكومة ليست الدولة”. وتطرق الكاتب إلى أنه على رغم وضوح هذه المفاهيم والفروق فإن الخلط يحدث كثيراً، “إذ يظن البعض أن الحكومة هي الدولة والعكس صحيح”. ومضى قدماً دامجاً منصب الرئيس ضمن “خط أحمر الدولة”، فكتب “إذا كانت الدولة خطاً أحمر، فمنصب الرئيس يتمتع بذلك أياً كان اسمه، ليس تقديساً أو تبجيلاً، لكن لأن المهام الملقاة على عاتقه تستوجب ذلك بمقتضى الدساتير والقوانين المعمول بها في مختلف الدول”، مستطرداً ليصل إلى النقطة الرئيسة “من يتحمل مسؤولية الأخطاء التي تحدث في تنفيذ مختلف السياسات العامة إذاً؟” مثل حدوث أخطاء في تشييد جسر أو مدرسة أو مصنع أو غيرها، مشيراً “هل نحمل المسؤولية للدولة أم الحكومة؟” مؤكداً أن “الفصل واجب لعدم الخلط”. المثير أن هذا تحديداً ما عكسه حوار الوزير المسؤول والمواطن المريض قبل أيام، فما أن بدأ المريض يشكو سوء المعاملة وساعات الانتظار وغيرهما، حتى صحح الوزير المسار “الدولة هي التي تعالجه، وهي التي شيدت المستشفى، وهي التي تسدد نفقات علاجه… إلخ”، وهو الخيط الذي التقطه المواطن المريض سريعاً، فهرع إلى شكر “أفضالكم” علينا، وذلك قبل أن يحاول العودة إلى قائمة الشكاوى. “أفضال” الدولة أو الحكومة مسألة غارقة في العاطفية، وهو أمر قلما يتكرر في العلاقات بين المواطنين وحكوماتهم. وفي مصر، يصر الطرفان على اعتبارهما كياناً واحداً، هو الإصرار الذي يعكس إما تمسكاً بالموروثات عملاً بمبدأ “هذا ما وجدنا عليه آباءنا”، أو مقاومة للتجديد والتحديث، أو خوفاً من الخروج من حصن أمان “ما نعرفه أفضل مما لا نعرفه”، أو ربما بسبب “تروما يناير 2011” (صدمة) التي نتج منها كسر حاجز الخوف بين الطرفين، لكن انكسرت معه حواجز الأمن والقانون والانضباط وقواعد الدولة الآمنة لأسباب أخرى. أشهر ما بعد أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011 شهدت تغولاً للمواطن في بعض الأحيان على المسؤول، ربما كرد فعل انتقامي أو ثأري لعقود من فساد الحكم، أو بفعل الأدرينالين الثوري أو تحت تأثير فوضى الجموع الغفيرة وغيرها. وأسهم ذلك إضافة إلى عوامل أخرى في شعور المواطن العادي بأهمية هيبة الدولة إلى حد كبير، وكذلك فائدة الحكومة وجدوى المسؤولين. هذه الفترة المضطربة الملتبسة لم تحل معضلة العلاقة، أو تفك لوغاريتماتها التي يستعصي فهمها على غير المصريين، أو تعالج الخلل في المفاهيم الذي يخلط أحياناً بين انتقاد المسؤول أو الاعتراض على الحكومة من جهة ومعاداة الدولة أو افتقاد الشعور بالولاء والانتماء والوطنية من جهة أخرى، ناهيك بالخلط المتوارث بين الدولة والحكومة والمسؤول، وكذلك بين اعتبار انتقاد الأداء أو الاعتراض على السياسات عصياناً أو خيانة أو “مفيش (لا توجد) كلمة شكراً؟!”. خصوصية العلاقة بين المواطن والدولة في مصر متعددة الأوجه. فإذا كانت القوانين هي الحاكمة في هذه العلاقة نظرياً، فإن الطرفين فعلياً ينأيان بنفسهما عن الاحتكام إليها حال حدوث خلاف يتعلق بالحقوق الفلسفية أو الواجبات المتوقعة، ومن بينها الشكر على الخدمات والامتنان للقيام بالمسؤوليات. مقاضاة مواطن للدولة أو الحكومة، أو مقاضاة الدولة أو الحكومة لمواطن (على رغم وجود قضايا تتعلق بالأملاك والتعديات وغيرهما) أمر “لا يصح”، وأشبه بالفانتازيا. مركز العقد الاجتماعي وبعيداً من الفانتازيا وفي ما يتعلق بالواقع لكن من وحي الماضي خلال عام 2007، دشنت مصر “مركز العقد الاجتماعي”. ووقتها لم يكن المسمى معروفاً أو مأهولاً. خطة عمل المشروع المشترك بين “مركز معلومات ودعم اتخاذ القرار” التابع لمجلس الوزراء وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي كانت “تهدف إلى توفير مشورة فنية لمتخذي القرار وصانعي السياسات، استناداً إلى الدلائل والبراهين التي جرى استخلاصها نتيجة رصد الأوضاع والممارسات والتجارب السابقة، وذلك بهدف “إحداث تغيير جوهري في العلاقة بين المواطن والدولة، مبني على أسس الإدارة الديمقراطية ومبادئ المواطنة الحديثة”، وذلك بحسب وثائق المركز. واليوم، اختفى المركز لكن مسمى “العقد الاجتماعي” دائم الاستخدام من قبل الدولة (الحكومة). ضغوط وأحداث وحوادث الأعوام الـ18 السابقة (منذ تأسيس المركز) كانت كفيلة بمحو الذاكرة الشعبية عن المركز والغرض منه. وبعض من المصريين بالطبع يعي المقصود بـ”العقد الاجتماعي”، لكن القاعدة العريضة تعرفه بأنه “عقد شفهي بين مالك ومستأجر”، أو “كلمة شرف بين شخصين”، أو “عادات وتقاليد وأعراف”، أو غيرها من الاجتهادات الشعبية التي تربط بين “العقد” كوثيقة و”اجتماعي” من منظور العادات والأعراف. الذكاء الاصطناعي والتنفيس ما العلاقة التي تربطك بالدولة؟ سؤال يخشى بعض الإجابة عنه، ويحوله بعض إلى الاعتراف بأفضالها ثم الاستغراق في الشكوى من أفعالها، وهي الشكاوى التي تؤكد أن الدولة هي الحكومة والحكومة هي الدولة في عرف الغالبية. الغالبية التي استنكرت وغضبت من الحلقة الأحدث من مسلسل رشق قطارات السكة الحديد بالحجارة من قبل أشخاص، غالباً يكونون أطفالاً ومراهقين وشباباً، لا ترى صلة أو علاقة بين رشق قطار (تملكه الحكومة) بالحجارة وإلحاق الضرر بممتلكات الشعب. لكن الرؤية تتضح تماماً حين يصاب راكب، وقتها تتحول المسألة إلى قضية جديرة بالنقاش وظاهرة تستوجب الاجتثاث. قبل أيام، رشق “مواطنون” قطاراً في محافظة المنوفية نجم عنه فقء عين طفلة من ذوي الهمم وإصابة والدها، وغضب المواطنون وتحركت الحكومة. ظاهرة الرشق عمرها أعوام. وإذا كان الراشقون أطفالاً ومراهقين غير مدركين لما يفعلون، فإن ذويهم وسكان قراهم والمارة من حولهم لا يعدون عملية الرشق دليلاً دامغاً على فقدان حلقة وصل رئيسة بين المواطن والحكومة (الدولة)، بل لا يربطون بين الرشق وعوار العلاقة من الأصل. قبل ثلاثة أعوام، انتقد الرئيس عبدالفتاح السيسي فيلم “الإرهاب والكباب” (عُرض عام 1992)، وذلك في إطار حديثه عن العلاقة بين المواطن و”البلد”. انتقد الفيلم، الذي يعرض قصة مواطن يتوجه إلى “مجمع التحرير” الذي كان معقل البيروقراطية المصرية، ليستخرج الأوراق الحكومية اللازمة لنقل ابنه من مدرسة حكومية إلى أخرى، ويصطدم بالعقبات والعقد الإدارية، وتنتهي به الحال دون أن يدري أو يقصد حاملاً سلاحاً في وجه الجميع. وعبر الرئيس السيسي عن اعتراضه لفكرة جعل “البلد” خصماً، لا سيما أنه عدَّ أن هذه الخصومة أدت إلى “هدم البلد” في إشارة إلى أحداث عام 2011، وذلك بدلاً من أن يسلط الفيلم الضوء على “سلبية المواطن” باعتبارها الخصم الحقيقي لا “البلد”. الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي (أ ف ب) رؤية الرئيس ينبغي أن تؤخذ في الحسبان ومعها أيضاً رؤية “الحكومة” للمواطن ورؤية المواطن لـ”الدولة” و”الحكومة” و”البلد”. أما الرؤية المستبعدة حالياً في هذه العلاقة المعقدة والفريدة، فهي رؤية الذكاء الاصطناعي ومدى قدرته على فك الالتباس، وربما تصويب العلاقة وتحديث الفكرة برمتها. تقول ورقة عنوانها “الذكاء الاصطناعي في العلاقة بين المواطن والدولة” (2025) إن في إمكان الذكاء الاصطناعي أن يتوقع حاجات المواطنين، وأتمتة العمليات الإدارية وتحسين الخدمات العامة. وتقر الورقة بالتحديات الكثيرة التي تواجه العلاقة بين المواطن والدولة حول العالم، وأن الدولة تواجه معضلات عدة أبرزها أن تكون خدماتها أكثر كفاءة وسهولة في الوصول إليها، إضافة إلى معرفة الحاجات الفردية والمختلفة للمواطنين لتوفيرها. وتضيف “يمكن تقليص البيروقراطية التي طالما عدت بطيئة ومعقدة باستخدام الذكاء الاصطناعي الاستباقي، الذي لا يستجيب لحاجات المواطنين فحسب بل يتوقعها أيضاً. والحلول التكنولوجية قادرة على تقديم نماذج يقدم من خلالها المواطنون طلباتهم وشكاواهم، فتستجيب الأنظمة. ليس هذا فحسب، بل في مقدور الذكاء الاصطناعي أن يستبق ذلك بخطوة أبعد، فيحدد الحاجات قبل التعبير عنها والمشكلات قبل حدوثها وذلك في ضوء المعطيات، ويقدم لها حلولاً آنية”. وتشير الورقة إلى مثال من مجال الرعاية الصحية، إذ يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي التنبؤ بالأخطار الطبية والتوصية بالاستشارات الطبية قبل تفاقم الحالة. وتسرد بقية الفوائد ومنها تسريع العمليات وتقليل الأخطاء الإدارية، وتحسين إمكانية الوصول إلى الخدمات، وكل ذلك يؤدي إلى توثيق العلاقة بين المواطنين والحكومة. في هذه الحالة وفي الوضع المصري لن يطلب الذكاء الاصطناعي من المواطن على الأرجح توجيه الشكر أولاً إلى الدولة أو الحكومة، وذلك قبل أن يطلق العنان لمشكلاته أو حاجاته. وفي الوقت نفسه، لن يفهم الذكاء الاصطناعي من شكاوى المواطن وآهاته إلا الشكاوى الحقيقية، لا الكيدية والآهات الناجمة عن أخطاء الحكومة أو قراراتها غير الصائبة، لا آهاته العامة أو تحويله لقاء “الحكومة” والتواصل معها إلى فرصة لـ”فش الغل” العام أو التنفيس عن الغضب المتراكم، أو حتى رشقها بالحجارة كما يفعل مع قطار “الحكومة”. يشار إلى أن الورقة التي تتناول قدرة الذكاء الاصطناعي على تحسين العلاقة بين المواطن والدولة منشورة على موقع “أبلويتيكال” والمخصص لكل موظف حكومي، وترجمتها الحرفية من الإنجليزية “خادم عام” للتواصل وتبادل الأفكار. وهذه زاوية أخرى جديرة بالتفكير، إذ الموظف العام أو الحكومي سواء كان وزيراً أو موظفاً في قاعدة الهيكل الوظيفي يطلق عليه “خادم عمومي”. تعرف المعاجم “الخادم العام” بأنه الشخص الذي يعمل في وظيفة أو منصب حكومي ويتقاضى عنه أجراً، ويأتي هذا الأجر من موازنة الحكومة، وهي الموازنة التي تعتمد بصورة كبيرة على الضرائب التي يسددها المواطنون. المزيد عن: مصرالدولة المصريةالحكومة المصريةوزير الصحةالمواطن المصريجان جاك روسوخالد عبد الغفارأفلاطونأرسطو 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “رينالدو” أثمن هدية قدمها هاندل لوطنه بالتبني: إنجلترا next post عودة القروض في لبنان: مؤشر تعاف أم فخ جديد؟ You may also like من يسلح الجيش السوري الجديد؟ 4 أبريل، 2025 الجيش السوري الجديد: عدد فرقه والمنضمون إليه 4 أبريل، 2025 هجوم صيني مضاد على حرب ترمب التجارية 4 أبريل، 2025 موسم الهجرة المعاكسة للأدمغة من الولايات المتحدة 4 أبريل، 2025 أميركا العلمانية تتراجع… فكيف يؤثر تغير المشهد الديني... 4 أبريل، 2025 إسرائيل تتراجع عن خطة تشغيل دروز سوريا لأسباب... 4 أبريل، 2025 هل يخدم “موراغ” خطة التهجير أم بوابة للاستيطان؟ 4 أبريل، 2025 تركيا لا تريد مواجهة مع إسرائيل في سوريا 4 أبريل، 2025 حاكم “المركزي” : على مصرف لبنان مكافحة غسل... 4 أبريل، 2025 عودة القروض في لبنان: مؤشر تعاف أم فخ... 4 أبريل، 2025