ثقافة و فنونعربي المدفون حياً يلتقي حبيبته ويعود في رواية “صاحب السر” by admin 3 أكتوبر، 2021 written by admin 3 أكتوبر، 2021 91 عمار علي حسن يمعن في السرد التخييلي إنطلاقاً من وقائع شعبية اندبندنت عربية \ محمد السيد إسماعيل مثلما اهتم النقد الأدبي الحديث بدلالات العنوان والإهداء وشكل الغلاف في ما يُعرف بعتبات النص التي لفت الناقد الفرنسي جيرار جينيت الأنظار إليها ووجّه إلى ضرورة الاهتمام بها بوصفها مداخل مهمة لقراءة النص، فهو اهتم أيضاً بدلالات أسماء الشخصيات السردية. وهذا ما نلاحظه في مجمل أعمال الكاتب المصري عمار علي حسن الروائية والقصصية، ومن ذلك اسم بطل روايته الأحدث “صاحب السر” (الدار المصرية اللبنانية) مرزوق الحر. فلا شك في أن لقب الحر هو سبب مأساة هذا الرجل، لأنه لم يقبل ظلم “العمدة” وفساده، ما جعل الأخير يقوم بدفنه حيّاً، مستغلاً إصابة الأول بغيبوبة مؤقتة من جراء اعتلال كبده. وعندما يفيق مرزوق، يجد نفسه راغباً بالثأر، الذي لا سبيل إلى تحقيقه سوى الخروج من القبر لينشر في قريته والقرى المجاورة ما يخفيه من أسرار العمدة. الرواية تدور بين الموت والحياة، إذ يتمكّن مرزوق من الحديث مع الأموات، بخاصة حميدة حبيبته التي اختطفها الموت. إنه على بعد خطوة من الموت لكنه ما زال حياً يصارع الفناء. وكما كانت نهايته في هذه الحالة البينية، كانت حياته – أيضاً – قريبة من هذه الصورة. فهو طالب حقوق لم يكمل تعليمه ومات والداه وأخوه بالتبني. وعلى الرغم من يتمه، فإنه كان محل ثقة الكثيرين، يحكون له أسرارهم كأنهم يمارسون طقس “الاعتراف” أمام أحد القساوسة. وكان السر المزلزل الذي حكته له زوجة العمدة يتلخص في أن ابنها ليس من صلب زوجها، وأبوه الحقيقي هو لص هاجم البيت وعندما رآها نائمة شبه عارية اغتصبها واستسلمت له بسبب حرمانها ومعاناتها من عجز العمدة. بين الحياة والموت هذا السر كان سبب وجود مرزوق في القبر بين الحياة والموت… “أنا حي إذن لكن ليس كالأحياء، ربما في منتصف المسافة بين الموت والحياة وبين الحضور والغياب وحتى لو كنتُ في المنتصف فهذا معناه أنني حي لأن الميت يكون قد ذهب إلى النهاية؛ تزحزح حتى الطرف الأخير من الحياة ثم سقط في الفراغ الذي لا يمكن الرجوع منه”. والمصري عامة – منذ الحضارة القديمة – يرى الموت بداية حياة أخرى أكثر نوراً وبراحاً؛ لأنها حياة الأرواح التي تحررت من سجن الأجساد. يقول السارد معبّراً عن هذا المعنى: “أنا في غرفة تتسلل الحياة إليها من هذا الثقب الذي يحمل نور الدنيا إلى الآخرة. آخرة الروح. نور مبهر وبراح بلا نهاية. لكن آخرة الجسد ضيق وعتمة”. الرواية المصرية (الدار المصرية اللبنانية) ينظر المصري إلى الموت بوصفه نوماً عميقاً، ولهذا لم يكُن غريباً أن يعتبر المقابر “منامات”. ولأن الأموات في نومهم العميق يدركون ما يدور حولهم في عالم الأحياء، فقد تعامل معهم ذووهم كما لو كانوا يدبّون على الأرض فيقدمون لهم ما كانوا يحبونه. وهنا يقفز إلى ذهن مرزوق بعض المواقف الطريفة مثل مشهد المرأة التي كانت تدس لأبيها السيجارة في ثقب القبر ثم تشعلها وتقول: كان يحب التدخين”، وتلك التي كانت تصب ماء وهي تقول: “مات عطشاناً وحين صببنا الماء في جوفه كان السر الإلهي قد خرج”. ويتوازى مع تلك المعتقدات ما يشيع في القرى من عادات شعبية مثل تذكر الموتى في تأبين يتكرر سنوياً. كشف المستور ولا شك في أن وجود مرزوق داخل القبر يجعل حضور الموت مهيمناً، فيسلي نفسه بتذكّر الموتى وترتيبهم أبجدياً وتحديد صفاتهم والتأكيد على أن بعضهم سيكون قبره “حفرة من جهنم” بسبب ما اقترفوه من ذنوب. إن مرزوق يحكي وهو يدرك أنه مقبل على الموت. لذلك فإنه يحاول فضح كل من عرفهم سواء كانوا أمواتاً أو أحياء. والحكي في هذه الساعات المتوترة يذكرنا بمالك بن الريب الذي رثى نفسه وهو ينزف دمه. كما ترد على ذهنه – أقصد السارد – ذكرى أحب الناس إليه، حميدة، التي لم يستطِع الزواج منها… “ذكرى حميدة هي الشيء الوحيد الذي أريد ألا تذهب عني حتى بعد أن أصير عظاماً نخرة مثل هذه التي تراني الآن وأنا أتقلب بينها كأن الجمر تحتي”. إن كل ما سبق يؤكد شوع تقنية الاسترجاع بحيث يعود مرزوق – وهو الذي يقوم بدور السارد الداخلي بضمير المتكلم – إلى طفولته المبكرة… “كان يمكن أن أستعرض حياتي أنا. كل ما أتذكره منذ أن كان عمري خمس سنوات وحتى اللحظة التي أكابدها الآن”. الروائي عمار علي حسن (الدار المصرية اللبنانية) وعلى الرغم من محطات الألم الرهيب التي مرّ بها، يظل ابتعاد حميدة عنه هو الأمر الأكثر إيلاماً. يتذكر اللحظات التي كان يقضيها معها خلف بيتهم، ويبدو الوصف – بخاصة وصف المكان – تعبيرياً، لا تقريرياً، لأنه يوضح مشاعر الذات وإحساسها بما يحيط بها. يقول في وصف قبره: “كانت العتمة قاتمة والصمت شاملاً. امتلأ أنفي بالروائح الكريهة وذرات الغبار الخانقة. فتحت عينيّ وأغلقتهما غير مرة، فلم أرَ غير السواد الحالك”. جماليات القبح وهناك ما يمكن أن نسمّيه بتحولات المكان، حين يرى السارد نوراً يكشف أمامه مساحات شاسعة من الأرض، فيرى “أشجاراً مصفوفة يجلس على أغصانها رجال يرتدون جلابيب بيضاء وتحلّق حولهم طيور زاهية الألوان. فجأة اختفى كل هذا وانبسطت أرض كالبلّور تلمع في النور الساطع”. ولعلنا نلاحظ المفارقة الواضحة بين أجواء القبر المعتمة المقبضة وهذا المكان بأشجاره المصفوفة وانبساطه كالبلور الذي يلمع في النور الساطع. ويستغل السارد ثنائية النور والظلمة في رسم صورة سينمائية تتراءى له على جدران القبر الرطبة… “بدا – يقصد الرجل الذي دُفن من يومين – وكأنه يرقص بينما انبعث نور مبهر من كومة عظام الطفل ثم راح يخفت تدريجياً. انجلى المكان وبانت على الجدران المشبّعة بالرطوبة خيالات تتحرك بلا توقف ثم لم تلبث أن صارت حركاتها رقصاً منساباً في براعة”. وعلى النقيض من هذا، نجد ما يُسمّى بجماليات القبح، حين يتفتت كبد مرزوق وبعد أن يتقيأ يرى فوق جسده دماً ملوثاً متخثراً، فيتركه ليتلهّى فيه الدود قليلاً قبل أن يبدأ مهمته في نهش جسده. هذه المفارقات بين صور المكان تبدو في صورة أخرى داخل نفس السارد الموزعة بين أمل في حياة قصيرة ويأس سببه موت سيأتي في وقت أقصر. وهكذا ظلّ مقسوماً بين يومه العصيب وغده الذي لن يراه. وفي بعض المواضع، يوظف السارد تقنية الفلاش باك حين يستحضر مشهد معاصر مشهداً ماضياً… “رأيت نفسي هناك في قلب الصحراء أقف محاذياً لزملائي، وكل منّا يضع في يده ماءه منتظراً أوامر الصول عبد الجواد”. صورة غرائبية إن دفن السارد حيّاً يجعله يستدعي إحدى قصص القرآن الكريم: “لستُ مجرماً، فأنا لا أفعل شيئاً سوى الثأر ممن ألقوا بي هنا. إنهم أسوأ من إخوة يوسف الذين ألقوا به في غياهب الجُب”. بل يرى نفسه متآلفاً مع أصوات الذئاب… “فعلى الأقل هي كائنات حية هنا في هذا المكان الموحش”. ولعله يستدعى معنى قول الشاعر “عوى الذئب فاستأنستُ بالذئب إذ عوى / وحين سمعتُ صوت إنسان كدتُ أطير”. وإذا كان الموت قد شُبّه قديماً بالوحش الذي ينشب أظفاره في جسد الإنسان، فإن ساردنا يراه “كائناً هائلاً لا تعرف أوله من آخره. له رأس أضخم من جبل. وله عينان وسيعتان جاحظتان لا قعر لهما. وله أذنان مفرطحتان تتدليان طويلاً”. ولا شك في أن نبوءة العرّافة التي أطالت النظر ذات يوم في كف مرزوق، ثم قالت: “نهايتك لا مثيل لها في بلدكم والمكتوب على الجبين لازم تشوفه العين”، قد ثبتت صحتها. وفي مقابل صورة الموت السابقة، نجد الحلم الذي يرى السارد نفسه فيه حافياً يسير في طريق طويلة ترابها ناعم، لونه أخضر داكن كالحناء. وأخيراً يتمكن مرزوق الحر من الخروج من قبره ويمضي في طريقه غير عابىء سوى بالأسرار التي تملأ رأسه وينوي نشرها على الملأ. وهكذا تظل نهاية الرواية مفتوحة على الاحتمالات كافة. المزيد عن: روائي مصري\رواية\تخييل\سرد\الراوي\الذاكرة الشعبية\خرافات 8 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post وجه أميركا المعتم تكشفه عين المصورة فيفيان مايير next post الشاعر قاسم حداد يبحث عن نفسه في صور الأصدقاء You may also like د. رشيد العناني في “الشرق الأوسط”: جنسنا البشري... 5 أغسطس، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الأوسط”: بهلوان قصر هشام 5 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: كليوباترا… كما نعرفها ولا... 5 أغسطس، 2026 أنطوان أبو زيد في”اندبندنت عربية”: حازم صاغية يستعيد... 5 أغسطس، 2026 مئة عام على ميلاد البياتي… و27 سنة على... 4 أغسطس، 2026 قصيدة «أتذكر السياب»… بين درويش والنقاد 4 أغسطس، 2026 الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 8 comments 사이트 15 مارس، 2025 - 6:51 ص 895652 249075I recognize there exists a terrific deal of spam on this blog internet site. Do you want support cleaning them up? I can assist among courses! 822952 Reply scammers 31 مارس، 2025 - 5:58 م 906668 543755Very superb info can be identified on weblog . 930604 Reply this page 2 أبريل، 2025 - 8:30 ص 445770 564268Outstanding post, I conceive individuals really should larn a lot from this weblog its very user friendly . 527067 Reply ดูพรีเมียร์ลีก ais 19 يونيو، 2025 - 7:00 ص 904461 353936Outstanding post, I conceive internet site owners really should learn a whole lot from this weblog its real user pleasant. 3969 Reply fortune rabbit app 21 يونيو، 2025 - 12:42 م 791665 758386Yay google is my king helped me to uncover this outstanding web site! . 480849 Reply มหาเฮง888 เว็บหวยออนไลน์ 13 سبتمبر، 2025 - 4:55 ص 518648 49855An fascinating dialogue is value comment. I feel that its very best to write extra on this matter, it may possibly not be a taboo subject nevertheless usually individuals are not enough to speak on such topics. To the next. Cheers 916867 Reply Army Police Badges 24 أكتوبر، 2025 - 11:41 م Thanks for sharing your knowledge on this topic. It’s much appreciated. Reply special info 9 يناير، 2026 - 7:08 م 297527 999457Hey man, .This was an exceptional page for such a hard topic to speak about. I appear forward to reading numerous a lot more wonderful posts like these. Thanks 94999 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.