ثقافة و فنونعربي الكاتب والمخرج الكندي اللبناني وجدي معوّض يواجه جماليا… خيبات العصر by admin 10 ديسمبر، 2019 written by admin 10 ديسمبر، 2019 133 معوّض يمسرح موت مغن شاب في عرض درامي شامل اندبندنت عربية / كاتيا الطويل يبدأ وجدي معوّض مسرحيّته الجديدة من النهاية. فمسرحيّته “حالة الوفاة المبكّرة لمغنٍّ شعبيّ في أوج عطائه” التي تشارك مع أرثور هيغولان (Arthur Higelin) مهمّة كتابتها، هي مسرحيّة الانهيار والموت كما يشير إليه العنوان. يبدأ معوّض منذ العنوان بالتطرّق إلى الموت والعقم وانهيار أحلام الشباب وخيانة عقائد عمر الشباب والإيمان، ليجد المتفرّج نفسه أمام بطل يخسر الكثير من وجوده وعطائه ويقول بحسرة وعجز: “لا تكمن المشكلة في التوقّف، المشكلة الحقيقيّة تكمن في كيفيّة الإكمال”. يكرّس وجدي معوّض في مسرحيّته الجديدة التي تُعرض على مسرح الكولّين الباريسيّ إنهاك فنّان وخيانته لمعتقداته التي كان متمسّكاً بها في بداية مساره الفنّي. فيسلّط الضوء على “أليس” فنّان في أواخر أربعينيّاته، أرهقته الحياة وأنهكت قواه فكفّ عن الإيمان بالعالم وبالقدرة على التغيير وتحوّل إلى كائن مريض لا يضارع بأيّة طريقة صورة الفنّان الذهبيّ المشرق التي يملكها عنه المعجبون به، معجبون قلّوا عدداً وحماسة وإقبالاً. الفنّان في عالم اليوم يبدأ معوّض عرضه والمتفرّج موضوع في خلفيّة المشهد ليتابع الأحداث من الكواليس، وكأنّه يرى ما لا يحقّ له أن يراه ويتطفّل على كواليس فنّان ذائع الصيت يملك قاعدة شعبيّة كبيرة. ويكتشف المتفرّج شيئاً فشيئاً أنّ فنّان معوّض “أليس” بطل مهزوم مريض، فنّان مهزوم يعلن في مقابلة مع صحافيّ -سيكون السبب في سقوطه لاحقاً- أنّه لا يملك رأياً في هموم السياسة ولا في قضايا البيئة ولا في أيّ أمر آخر. فيكون معوّض قد تطرّق بمشهده غير الاعتباطيّ هذا إلى ثيمة بالغة الأهمّيّة في عالم الفلسفة والفنّ والنقد: ما هو دور الفنّان أو المبدع في ظلّ التطوّرات التي تجري في العالم وما هو الموقف الذي يجب أن يتّخذه من محيطه؟ ما هو دور الفنّان في ظلّ الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة المحيطة به وهل يجب أن يوظّف فنّه لخدمة مجتمعه؟ شكّلت هذه الإشكاليّة نقطة جدال بارزة بين المثقّفين والنقّاد على مرّ العقود. فمن النقّاد من رأى أنّ على الفنّان أن يحمل همّ أرضه ووطنه وشعبه وأن يساهم في التوعية والإنماء، وهذا كان تيّاراً بارزاً في نظريّات الإبداع اعتنقه عدد كبير من النقّاد والفلاسفة من بينهم مثلاً “هيغيل” والنقّاد الماركسيّون والكاتب الفرنسيّ الملتزم “زولا”، فرأوا في المثقّف أو الكاتب أو الفنّان حاملاً لقضايا مجتمعه بأعماله وفنّه، ورأوا أنّ عمل الفنّان يجب أن يحمل قضيّة وأيديولوجيا. ومن النقّاد كـ”غولدمان” و”لوكاش”، مَن وجد أنّ الفنّ لا بدّ من أن يحمل في طيّاته رؤيا للعالم، رؤيا وفلسفة ووعيًا بالعالم المحيط به من دون أن يعني ذلك أيديولوجيا محدّدة بالضرورة. أمّا بعض آخر من النقّاد كالفيلسوف “كانت” أو “رولان بارت” و”تودوروف” وأهل النقد الحديث (New Criticism) مثلاً، فسلّطوا الضوء على العمل بذاته مؤمنين بمقولة “الفنّ للفنّ” من دون ضرورة تحميل العمل همّاً وقضيّة وأيديولوجيا، فركّزوا على بنية العمل وتقنيّته وتماسكه. ومن النقّاد والأدباء كذلك مَن اعتمد تيّاراً معتدلاً، فاعتبر أنّ الفنّ يدمج ما بين جمال الإبداع والبحث عن الحقيقة والوعي الاجتماعي كمثل “أدورنو”. وظلّت هذاه التيّارات المتناحرة في حال انشقاق في تاريخ الأدب والفنّ والنقد، وها هو معوّض يأتي اليوم من جديد ليطرح هذا السؤال الذي لا إجابة شافية له: ما هو دور المثقّف أو الفنّان اليوم؟ هل هو كائن منفصل عن محيطه منعتق عنه، أم هو فنّان منغمس في شؤون العالم يجب أن يساهم في تحسين مجتمعه وتوعية أهله؟ من العرض المسرحي في باريس (موقع مسرح لا كولين) موت مزيّف موضوع آخر لافت بقوّته وتوهّج حضوره في نصّ معوّض هو الموت. يبدأ النصّ بإجهاض “ديزيل” ووفاة طفلها في بطنها؛ و”ديزيل” هي مديرة أعمال الفنّان أليس والمنسّقة الإعلاميّة له. فيبدأ عمل معوّض بالمرض والإجهاض والتعب وفقدان الأمل. ثمّ يحضر “فوستان”، صديق قديم لـ أليس ومدير أعماله السابق ليزيد الطين بلّة. فيذكّر هذا الطيف القادم من الماضي أليس بمعتقداته القديمة وبإيمانه بالموسيقى وبالفنّ وبرغبته الدفينة في تغيير العالم، ويتّهمه بالخيانة. لقد خان الفنّان الخمسينيّ الفنّان الشاب الذي كانه وأدار له ظهره. أضاع “أليس” الخمسينيّ البوصلة وخسر جوهر عمله وفنّه. فجاء هذا اللقاء بالصديق القديم نوعاً من محاسبة الذات، فهو ضرب من ضروب تأنيب الضمير، ضمير استيقظ ليذكّر الفنّان بتاريخه وقيمه وتمرّده الذي كان فيه في سني شبابه قبل أن ينجرّ خلف المظاهر والقشور. وطبيعيّ أن يخرج الحلّ لهذا المأزق الواقع فيه أليس على لسان صديقه القديم ومرآة نفسه. فيقترح الصديق فوستان أن يزيّف أليس موته وأن يقوم الإثنان بحيلة يدّعيان فيها أنّ أليس توفّي ليتمكّن هذا الأخير من الاستراحة وكتابة الأغاني ورفع الطلب على أسطواناته. ومن الجدير بالذكر أنّ فوستان نفسه مصاب بالعقم فقد خسر أعضاءه التناسليّة منذ فترة وهجر باريس ليعيش في عزلة وهدوء بعيدًا عن الأضواء وصخب المجتمع. ومع اقتراح فوستان وتزييف أليس لموته، يتحوّل الموت إلى قيامة جديدة، يصبح الموت المزيّف هذا معموديّة وبوّابة إلى فنّ جديد يتوجّه إلى الروح والجوهر يسترجع عبره أليس تمرّده وتوهّجه ويزيل عنه آثار الخيانة التي حصلت. الكاتب والمخرج الكندي اللبناني وجدي معوض (يوتيوب) يتميّز عرض معوّض بديناميكيّته وصلابته وتماسكه. ومَن يتابع أعمال معوّض يرى في هذا العمل قفزة كبيرة نحو الكوميديا، قفزة غير متوقّعة إنّما لا تخفّف شيئاً من قيمة العمل وأهمّيّته إنّما تختلف كبير الاختلاف عن نصوص معوّض السابقة المفعمة بالقوّة والدراما والتراجديا واللحظات الموجعة المؤلمة. ويبقى الأمر اللافت هو الديكور الرائع المتميّز المتغيّر بين الدقيقة والأخرى، وقدرة معوّض على التحكّم بمسرحه وبمساحاته، فيقسم خشبة مسرحه إلى خشبات كثيرة يستثمرها بحنكة ودهاء ويترك المتفرّج مشدود الأعصاب مترقّبًا طيلة العرض. فينتقل الجمهور مع معوّض من كواليس مسرح، إلى خارج حفل موسيقيّ، فإلى مشهد في إذاعة راديو، ثمّ إلى غرفة منعزلة، فكافيه، فمشهد تحت المطر وغيرها. رعد وبرق ومطر على خشبة المسرح وأضواء متوهّجة أنيقة تساهم في تعزيز سطوة النصّ على الجمهور. أماكن لا عدّ لها ولا حصر يعرضها معوّض ويتحكّم بإخراجها بسلاسة ومهارة نادرة ومميّزة. ولا بدّ كذلك من التوقّف عند أدارة الممثّلين الخارجة عن المألوف. فمن أداء أليس الفنّان المتلاشي، إلى أداء ديزيل مديرة أعماله، و الحبيبة ماجدا القادمة من أصول لبنانيّة فلسطينيّة، شخصيّات غير متوقّعة وتمثيل رائع وأداء متماسك يرتقي ليحوّل الكوميديا نفسها إلى حبكة تراجي-دراميّة تطرق مواضيع حياتيّة بالغة الأهمّية كمثل التقدّم في العمر، وخسارة قيم الشباب، وخيانة الأيديولوجيات القديمة، والضياع في غياهب الحياة، والحبّ، والأنانيّة، والخوف من الموت، والفقدان، والتغيّر مع مرور الزمن، والكثير غيرها من القضايا الإنسانيّة التي تجعلنا كبشر كائنات دائمة التحوّل ودائمة التفكير والتألّم والتوجّس. لمسة إخراجية وتبقى لمسة معوّض الخاصّة والمميّزة واضحة في نصّه وعمله، فيظهر تعلّقه بالميثولوجيا الإغريقيّة عبر جعله أليس بطلاً أعمى يحاكي بعماه الملك الإغريقيّ أوديب الذي أصبح أعمى عندما اكتشف الحقيقة، وكأنّ نور الحقيقة كان أقوى من ان يتحمّله. وهكذا هي حال أليس الذي أصبح أعمى بعد انكشاف حيلة موته المزيّف، وكأنّ عودته من الموت منحته الحقيقة وحوّلت الولادة الجديدة إلى نور قويّ يُعمي الأبصار. من ناحية أخرى تظهر لمسة معوّض في قصّة شخصيّة ماجدا حبيبة أليس اللبنانيّة الفلسطينيّة الأصل. ولدت ماجدا خارج لبنان لكنّ والديها كانا شاهدين على مجزرة صبرا وشاتيلا التي وقعت العام 1983 وقد سقط والد ماجدا ضحيّتها من دون أن يدري أنّ امرأته حامل. وتعبّر قصّة ماجدا عن وجع اللاهويّة والخسارة الفلسطينيّة، خسارة الأب والأرض والانتماء. أمّا ما يكلّل وجود معوّض بكلّ ثقله وتألّقه فهو اختياره أغنية فيروز “أذكريني” التي يجعل ماجدا تغنّيها يوم دفن أليس المزيّف، فنرى معوّض يوجّه تحيّة دافئة إلى لبنان وتراثه وفيروزه بهذه اللفتة الجميلة البهيّة. “حالة الوفاة المبكّرة لمغنٍّ شعبيّ في أوج عطائه” مسرحيّة وجدي معوّض الرائع بأعماله ونصوصه ومسرحه، مسرحيّة الموت والانهيار وخسارة الإيمان في إطار كوميديّ يغشّ من الخارج. لكنّه لا ينسى أن يذكّر بالجرح والهمّ الإنسانيّين، همّ الموت والتلاشي والابتعاد عمّا كنّاه في ما سبق، وكما يقول معوّض على لسان بطله المتهافت: “ماذا يبقى في النهاية سوى الخيبة والمرارة؟” المزيد عن: مسرح كندي/وجدي معوض/عرض بصر/دراما مسرحية 12 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post هل انتهت تفاهمات روسيا وإسرائيل حول عدم الاحتكاك العسكري في سوريا؟ next post جوانب مجهولة من الحركة التشكيلية المصرية وتقاطعها مع المناخ العام You may also like د. رشيد العناني في “الشرق الأوسط”: جنسنا البشري... 5 أغسطس، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الأوسط”: بهلوان قصر هشام 5 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: كليوباترا… كما نعرفها ولا... 5 أغسطس، 2026 أنطوان أبو زيد في”اندبندنت عربية”: حازم صاغية يستعيد... 5 أغسطس، 2026 مئة عام على ميلاد البياتي… و27 سنة على... 4 أغسطس، 2026 قصيدة «أتذكر السياب»… بين درويش والنقاد 4 أغسطس، 2026 الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 12 comments www.mpricotti.it 8 مايو، 2025 - 6:13 ص 884990 803179I truly really like the theme on your internet site, I run a web internet site , and i would adore to use this theme. Is it a free style, or is it custom? 150503 Reply Gate of Olympus 31 مايو، 2025 - 5:05 م 752116 341710you might have a amazing weblog here! would you wish to make some invite posts on my weblog? 78017 Reply 1xbet 13 يونيو، 2025 - 6:06 م 568668 737972This design is spectacular! You obviously know how to keep a reader amused. Between your wit and your videos, I was almost moved to start my own blog (properly, almostHaHa!) Wonderful job. I genuinely enjoyed what you had to say, and far more than that, how you presented it. Too cool! 870299 Reply Christian Prayer Books 20 يونيو، 2025 - 6:02 م 39111 185808We guarantee authentic brands avoiding inferior commercial imitations, or even dangerous counterfeits. 134968 Reply pg168 7 يوليو، 2025 - 7:19 ص 281032 798453I adore your wp style, wherever did you download it through? 124953 Reply Gates of Olympus 31 يوليو، 2025 - 4:09 ص 591197 274600extremely nice put up, i really love this web site, maintain on it 123257 Reply แอพเช็คสลิปโอนเงิน 25 أغسطس، 2025 - 1:21 ص 206465 58636You got a quite excellent web site, Gladiola I discovered it by means of yahoo. 347279 Reply Military Police Badges 23 أكتوبر، 2025 - 3:27 م I love how you addressed this issue. Very insightful! Reply Book of Ra game 6 نوفمبر، 2025 - 10:05 ص 377429 809968Hello! Ive been following your weblog for a even though now and lastly got the courage to go ahead and give you a shout out from Kingwood Texas! Just wanted to mention keep up the good work! 626375 Reply แทงบอล SABA Sport 24 يناير، 2026 - 3:23 ص 962876 637032I want to start a weblog written by a fictitious character commenting on politics, current events, news etc..How?. 159683 Reply LSM99 สล็อตออนไลน์ โบนัสแตกง่าย 25 يناير، 2026 - 7:59 ص 958234 128232A very good clear cut answer and a fantastic concept. But how do I post any work on this site is another question. The Foureyed Poet. 713749 Reply order lsd blotters Chur, 29 يوليو، 2026 - 6:55 م 638077 416984There is noticeably a whole lot to realize about this. I suppose you created certain nice points in capabilities also. 687153 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.