ثقافة و فنونعربي الفلسفة ضلّت طريقها في “السائرون نياماً” لهرمان بروخ by admin 11 يونيو، 2020 written by admin 11 يونيو، 2020 117 ثلاث روايات في واحدة تبحث في مسألة انهيار القيم اندبندنت عربية/ إبراهيم العريس باحث وكاتب إثنان على الأقل من كتّاب القرن العشرين اعتبرا هرمان بروخ واحداً من كبار روائيي القرن، حتى وإن كان لكل منهما رواية من بروخ يفضلها من دون إهمال رواية كبرى أخرى له. فبالنسبة إلى هانا آرندت كان العمل الأكبر الذي كتبه بروخ روايته الأخيرة “موت فرجيل”، أما بالنسبة إلى ميلان كونديرا فإن تفضيلاته كانت تذهب إلى رواية بروخ الأولى، “السائرون نياماً”. والحال أن ليس من العسير فهم موقف الكاتبين. فآرندت كانت فيلسوفة نظرت إلى ما في “موت فرجيل” من قيم وأفكار فلسفية، أما كونديرا فروائي ومن الواضح أن ما عناه في “السائرون نياماً” تجديداتها الروائية التي تضعها في قلب الحداثة إلى جانب “يوليسيس” جيمس جويس و”البحث عن الزمن الضائع” لبروست، أو حتى “الرجل البلا سمات” لروبيرت موتزيل. ومع هذا لا بد أن نذكر أن بروخ الذي دخل معترك الكتابة الروائية وهو في الخامسة والأربعين، كتب إلى ناشره بصدد روايته الأولى يقول إنه يعتبرها عملاً فلسفياً أراد بها أن يصيغ أفكاراً تأملية رأى أن لغة الفلسفة لا يمكنها أن تفيها حقها. ومن هنا كانت آرندت محقة حين عنونت أحد مقالاتها البديعة عن بروخ “بروخ كاتباً رغم أنفه”. ومع ذلك لا تشي “السائرون نياماً” بذلك. في حقيقة الأمر ليست “السائرون نياماً” رواية واحدة، بل هي ثلاثية لا تخلو أجزاؤها من تكامل في ما بينها، ولا سيما أن الشخصيات الثلاث المحورية في كل جزء يحدث لها أن تتلاقى وتتفاعل حتى من دون أن يعني ذلك توحّداً في المصائر أو شبكة العلاقات. كذلك فإن أحداث الأجزاء – الروايات – الثلاث لا تدور في مكان واحد ولا في زمان واحد، ناهيك بأن أسلوب الكتابة ليس واحداً. وفي رأي كونديرا أن هذا ما يصنع لـ”السائرون نياماً” قوتها و… فرادتها. رومانطيقية فوضوية وواقعية مدمّرة تدور أحداث الرواية الأولى وعنوانها “بازناف أو الرومانطيقية” في العام 1888، فيما تدور أحداث الرواية الثانية “إش أو الفوضى” العام 1903، وأحداث الرواية الأخيرة “هوغينو أو الواقعية” في عام 1918، ما يعني أن ثمة 15 عاماً تفصل كل رواية عن الأخرى، وأن الثلاثين سنة التي تشهد سرد “سير” الأشخاص الثلاثة الذين يُذكرون في العناوين ليست في حقيقتها سوى العقود الثلاثة من السنين التي شهدت تلك التغيّرات الكبرى التي عاشتها أوروبا متنقلة بين أمواج التبدلات الذهنية التي تحولت من نزعة رومانطيقية كانت في ألمانيا، مكان الأحداث بشكل عام، نتاج التنوير والاعتقاد بأنه حان للإنسان أن يمسك مصيره بين يديه، كما كان يؤمن بازناف “بطل” الرواية الأولى، إلى الفوضى التي سادت الذهنيات؛ ونراها في الرواية الثانية من خلال إش المحاسب الذي يُطرد من عمله في شركته التي لا تريد له أن يكون مغالياً في تدقيق الحسابات؛ وصولاً إلى “واقعية” هوغينو الذي لا يؤمن إلا بالمنطق العلمي وحدّد لنا بروخ في نهاية الرواية الثالثة والأخيرة أنه سيكون الرحم الذي سيولد منه الإنسان الفاشي في الأزمان المقبلة. ومن هنا لا يكون غريباً اختلاف الرواية الثالثة كلياً عن السابقتين بإدخال الكاتب نصوصاً فلسفية فيها – ولا سيما نصاً عنوانه “انهيار القيم” وحكايات متنوعة تبدو للوهلة الأولى غير ذات علاقة بالسرد. ناهيك بأن في هذا الجزء يتم اجتماع الشخصيات السابقة معاً في نوع من استباق الخلط الفكري الذي يسود في القرن العشرين. طبعاً ليس من الممكن هنا الإمعان في الحديث عما يجري في ما يزيد على سبعمئة صفحة تتألف منها الثلاثية في مجموعها. ولكن عندما يقول الكاتب الألماني الكبير توماس مان، عن رواية لبروخ إنها من الأعمال الأكثر أساسية، وحداثة في زمننا هذا، “رواية كتبت بشكل جريء، جديد، مفاجئ. إنها رواية تسحر، وتضع كل من يقرأها تحت خيمة سحرها بشكل لا رادّ عنه”، من المؤكد أن رغبة ستستبد بنا لقراءة بروخ. ولا ريب في أن بروخ، هو الكاتب النمسوي، الذي تدين له اللغة الألمانية بأفضل استخدام في مجال الرواية. والحال أن هرمان بروخ كان من قوة اللغة في كتابته إلى درجة جعلت أعماله تستعصي على الترجمة حيث أنها تفقد خلال ترجمتها جزءاً من جمالها، بحسب ما قال النقاد عنه. ومع هذا فإن أدب بروخ لم يكن أدب لغة فحسب، بل كان أدب موضوع أيضاً، وواحداً من الآداب الروائية – بخاصة – الأكثر دلالة في القرن العشرين، حتى وإن كان قد تُرجم أقل من أي كاتب ألماني أو نمسوي آخر من أبناء جيله، وفاته قطار الشهرة، أو على الأقل وصله متأخراً. اقرأ المزيد بير أولوف إنكويست جدد الرواية السويدية ورحل عن 85 عاما “الموت في البندقية” لتوماس مان… الوباء يسكن مدينة الجمال إلى المنفى هرباً من النازيين مثل كثر من الكتّاب والفنانين النمسويين، ولد بروخ في فيينا (1886)، ومات في نيويورك (1951)، هو الذي سلك طريق المنفى على غرار غيره من كبار المبدعين، في اللغة الألمانية، حين سيطر النازيون على الحكم في ألمانيا ثم احتلوا النمسا. ولد هرمان ابناً لعائلة صناعية كبيرة مما أهّله للالتحاق بالدراسة الجامعية حيث انكبّ على دراسة الفلسفة والرياضيات وعلم النفس، وأضحى جزءاً من الإنتلجنسيا الطليعية في فيينا، ثم ما نلبث أن نجده يحقق متأخراً رغبات أدبية ويبدأ ينشر القصص القصيرة والروايات بادئاً بروايته الثلاثية التي ستنال شهرة واسعة في ما بعد “السائرون نياماً” التي نشرها في 1931 و1932، والتي شبّهها الكثيرون برواية روبرت موزيل «الإنسان البلا ملامح». كان هدف بروخ من روايته أن يصوّر “انهيار القيم” من خلال رسمه حياة أجيال تبدأ في 1888، عبر شخصية شاب من بروسيا يكتشف العالم الحديث، ساعياً إلى الهرب من واقعه وتتواصل حتى العقود الأولى من القرن العشرين، وسط عالم الانحطاط والخيبة والانهيار. غير أن “السائرين نياماً” لن تعتبر بالنسبة إلى كثر من المفكرين أكبر أعمال بروخ، فهذه المكانة ظلت لفترة طويلة محفوظة لروايته “موت فرجيل” التي بدأ كتابتها باكراً في النمسا ثم استأنفها في المنفى، ولم تنشر كاملة إلا في 1945. وهي منذ نشرت للمرة الأولى نالت تقريظ النقاد حتى وإن كانوا قد تلمسوا فيها أقصى درجات الصعوبة، موضوعاً ولغة. والرواية هي في نهاية الأمر مناجاة طويلة وداخلية تروي للقارئ الساعات الأخيرة من حياة الشاعر اللاتيني فرجيل. أما الموضوع الأساسي للرواية وللمناجاة فهو متمحور من حول السؤال التالي: هل على فرجيل أم ليس عليه أن يدمر مخطوطة كتابه الأساسي “الإنيادة” قبل أن يرحل عن هذا العالم؟ أغلفة الأجزاء الثلاثة من طبعة بنغوين لـ”السائرون نياما” الكتابة المعرفة والزمن منذ صدورها لفتت “موت فرجيل” الأنظار، وحيّاها كبار الكتّاب والنقاد من توماس مان إلى ألدروس هكسلي اللذين وجدا فيها حداثة مفرطة، وسرداً للشرط الإنساني قوامه اللغة وعلاقة اللغة بالزمن. من بين أعمال هرمان بروخ الكبيرة يبقى عملان، هما روايتاه الأخيرتان “اللامسؤولون” (1950) و”المغري” (1953). وهاتان الروايتان تبدوان أقل قيمة لمجرد أنهما أكثر مباشرة من الروايتين الأولىين. إلى جانب الروايات كتب هرمان بروخ العديد من الدراسات، غير أن دراساته ومقالاته على تنوعها لم تلق من الشهرة ما كانت لاقته رواياته، بل إن معظم مقالاته لم ينشر إلا في وقت لاحق، حين جمعت دراسات نقدية أدبية له تحت عنوان عام هو “الإبداع والمعرفة” (1955). وفي دراسات هذا الكتاب، كما في نصوصه الروائية، يبدو لنا هرمان بروخ متسائلاً كدأبه دائماً عن مشروعية الكتابة، وعن علاقة الكتابة بالمعرفة وبالزمن. ومن الواضح أن هذا الكاتب النمسوي الذي ولد وعاش أجمل سنوات حياته في فيينا “الكابوس السعيد” ظل مأخوذاً حتى النهاية بما كان يعتبره مشكلة المشاكل: مشكلة الكتابة، انطلاقاً من سؤاله الدائم: لماذا نكتب؟ وهل للكتابة من جدوى؟ المزيد عن: هرمان بروخ/الأدب الألماني/ميلان كونديرا/حنا أرندت/رواية السائرون نياماً 11 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post مسارح المملكة المتحدة “تتأرجح” على حافة الانهيار بسبب كورونا next post البريطانية روزي والش تسترجع صراع المأساة والحب You may also like د. رشيد العناني في “الشرق الأوسط”: جنسنا البشري... 5 أغسطس، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الأوسط”: بهلوان قصر هشام 5 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: كليوباترا… كما نعرفها ولا... 5 أغسطس، 2026 أنطوان أبو زيد في”اندبندنت عربية”: حازم صاغية يستعيد... 5 أغسطس، 2026 مئة عام على ميلاد البياتي… و27 سنة على... 4 أغسطس، 2026 قصيدة «أتذكر السياب»… بين درويش والنقاد 4 أغسطس، 2026 الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 11 comments Lamborghini V12 engine 28 يوليو، 2024 - 8:43 م This is a great resource. Thanks for putting it together! Reply 토토 사이트 순위 15 مارس، 2025 - 3:09 ص 694347 532413Some truly select articles on this internet internet site , bookmarked . 695518 Reply Click Here 23 مايو، 2025 - 10:14 م 46512 904146You might be websites successful individuals, it comes effortlessly, therefore you also earn you see, the jealousy of all the ones a great deal of journeymen surrounding you can have challenges within this challenge. motor movers 893452 Reply ระบบขายของออนไลน์ 30 مايو، 2025 - 12:39 ص 598755 237505But wanna say that this is invaluable , Thanks for taking your time to write this. 924942 Reply website 15 يونيو، 2025 - 9:07 م 192154 238236Hi there! I could have sworn Ive been to this site before but after reading by means of some with the post I realized its new to me. Anyhow, Im definitely glad I located it and Ill be book-marking and checking back often! 17101 Reply Gates of Olympus 30 يوليو، 2025 - 3:54 م 482483 826759Ich kenne einige Leute, die aus Kanadakommen. Eines Tages werde ich auch dorthin reisen Lg Daniela 510595 Reply fuck near me 17 أغسطس، 2025 - 1:05 م 519771 946490Some genuinely select articles on this internet internet site , bookmarked . 466137 Reply feestopdemarkt.nl 17 نوفمبر، 2025 - 11:40 ص 363440 502899You produced some decent points there. I looked online to the problem and discovered most people is going in addition to utilizing your internet site. 148932 Reply click for more 9 ديسمبر، 2025 - 7:18 ص 694735 535234I take fantastic pleasure in reading articles with quality content material. This write-up is 1 such writing that I can appreciate. Maintain up the very good work. 315394 Reply เครื่องพิมพ์วันที่ 30 يناير، 2026 - 3:40 م 260217 562695I recognize there exists a lot of spam on this blog. Do you want support cleansing them up? I might assist amongst courses! 706968 Reply order shrooms Guernsey 28 يوليو، 2026 - 7:49 ص 291027 124231Wow really glad i came across your internet internet site, i??ll be sure to visit back now i??ve bookmarked it??. 88172 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.