الروائي الأميركي راسل بانكس ينبش كواليس ماضيه المضطرب – CANADA VOICE
السبت, سبتمبر 5, 2026
السبت, سبتمبر 5, 2026
Home عربيثقافة و فنون الروائي الأميركي راسل بانكس ينبش كواليس ماضيه المضطرب

الروائي الأميركي راسل بانكس ينبش كواليس ماضيه المضطرب

by admin

روايته الجديدة محاولة لفضح الأكاذيب التي يخفيها الفرد والجماعة

اندبندن عربية / انطوان جوكي 

18 رواية حصاد الكاتب الأميركي الكبير راسل بانكس على مدى نصف قرن تقريباً. روايات لا تكمن أهميتها في قيمتها الأدبية فحسب، بل أيضاً وخصوصاً في ضرورتها الأخلاقية، نظراً إلى مقاربته فيها بجرأة موضوعات وقضايا اجتماعية وسياسية طارئة في وطنه، وتعريته في طريقه القوى التي تتحكم في مجتمع بكامله، واستكشافه النزعات والنزوات التي تتحكم بأفراده.

ولأنه بات يفهم أكثر من أي وقت مضى، مع تجاوزه سن الثمانين، الانتصارات والمذلات الملازمة لحياة طويلة ومعقدة، ها هو يغوص بألمعية في هذا الموضوع في روايته الجديدة، “Forgone”، التي صدرت عن دار “هاربر كولينز” النيويوركية، ويمكن ترجمة عنوانها بـ”ماض” أو “محتوم” أو “متوقع”، والصفات الثلاث تصلح لتلخيص قصتها الآسرة ومآلها. رواية استثمر بانكس عناصر كثيرة من سيرته الذاتية لكتابتها، وتشكل تأملاً بصيراً في الأكاذيب التي نبني عليها حياتنا، وفي الطريقة التي يقولب فيها الندم والشعور بالذنب والنرجسية والذاكرة المعيبة نظرتنا إلى ذاتنا وماضينا، خصوصاً مع اقتراب المنية.

بطل الرواية، ليونارد فايف، مخرج أفلام وثائقية شهير فرّ من وطنه أميركا إلى كندا وهو شاب، للإفلات من التجنيد العسكري وحرب فيتنام، مثله مثل ستين ألف شاب أميركي آنذاك. في زمن الرواية، نرى فايف في نهاية عقده السابع ينازع داخل منزله في مونريال بسبب إصابته بمرض السرطان وإيقافه العلاج لمعانقة حتفه طوعاً. وعلى الرغم من وضعه الصحي وموته الوشيك، أو ربما بسبب ذلك، يوافق على منح مقابلة أخيرة لصديقه وتلميذه السابق مالكوم ماكليود الذي يرغب في إخراج فيلم عن مسيرته الساطعة والطريقة التي أنجز فيها أبرز أفلامه.

الأسئلة الكثيرة

لكن موافقة فايف لا تعني أنه مستعد لإعطاء مالكوم ما يريده والإجابة عن الأسئلة الكثيرة التي جهزها لهذه الغاية، إذ لديه هدف آخر ملح يود بلوغه قبل الهلاك: البوح لزوجته إيما أمام عدسة الكاميرا وتحت الأضواء بأشياء من ماضيه يتعذر عليه قولها لها على انفراد. ومن أبرز هذه الأشياء، هجرانه زوجتين وطفلين قبل لقائه بها، وخيانته صديقه الوحيد في الليلة التي استبقت فراره إلى كندا، وسبب هذا الفرار الذي لا علاقة له إطلاقاً بتجنب حرب فيتنام، بل بفراغ حياته وعجزه عن تحمل مسؤولياته وإنجاز طموحاته. باختصار، يود كشف كل أسراره لزوجته من أجل نزع هالة الأسطورة التي تلف حياته المليئة في الواقع بفصول الخيانة والخديعة والجبن، وبالنتيجة الحصول على غفرانها.

الرواية الاميركية (دار هاربر كولينز – نيويورك)

المقابلة تتم بحضور زوجة فايف التي تعارض كلياً مبدأها، ليس فقط لأنها مرهقة لزوجها المنازع، بل لأنها تعرف أيضاً وسلفاً ما سيقوله خلالها، أو لأنها لا تريد سماع هذه الأسرار. ولذلك تحاول عبثاً إيقافها لحماية نفسها وسمعته. لكن، مثل رجل يتوق بما يحمل من طاقة اليأس، إلى طرد عفريت يسكنه، ويتعذر عليه القيام بذلك إلا بحضور زوجته طقس التعزيم هذا، يلح فايف عليها مراراً كي تبقى بقربه وتصغي إليه.

لإجراء المقابلة، يستعين مالكوم بزوجته ديانا، منتجة الفيلم، وهي أيضاً تلميذة سابقة لفايف، وبمدير التصوير فينسنت ومديرة الصوت الشابة سلووان، وجميعهم مفتونون بفايف وإنجازاته منذ فترة طويلة. لكن عليهم الآن استيعاب معنى بوحه المعتم. وبينما يحاول مالكوم أثناء المقابلة إقناع فايف بالغوص في عمله الوثائقي على الشبان الأميركيين الذين فروا إلى كندا من الحرب، وعلى ما ارتكبته الإدارات الأميركية المتعاقبة وحاولت إخفاءه، وبالتحدث في العلاقة التي ربطته وهو شاب بالمغنين بوب ديلان وجون باييز؛ يعود فايف إلى نهاية الخمسينيات لسرد قصة فراره وهو مراهق من منزل والديه في ضاحية بوسطن بهدف الالتحاق بفيدل كاسترو في كوبا، التي تنتهي في فلوريدا بزواجه من فتاة التقى بها في حانة، بعد ما حبلت منه، وبعودته معها ومع طفلتهما إلى بوسطن حيث يهجرهما بسرعة، إثر علاقة جنسية عابرة. ثم إلى مرحلة الستينيات التي تزوج فيها من شابة ثرية وقعت في غرامه ودامت علاقتهما بعضاً من الوقت، قبل أن يهجرها بدورها في اليوم التالي من فقدانها الجنين الذي كان في أحشائها، ومن خيانته الصديق الذي كان يستقبله في داره مع زوجة هذا الأخير، جاعلاً جميع معارفه يظنون أنه فر إلى كندا لأسباب نبيلة، في حين أن الأمر عكس ذلك.

أمام الكاميرا

وفي البداية، تبدو بنية الرواية، التي تتقاطع فيها سرديتان مختلفتان، رعناء بعض الشيء، قبل أن تتجلى تدريجياً كل فعاليتها. فمن جهة، لدينا الفصول التي يروي فايف فيها قصته أمام الكاميرا في عتمة صالونه، ويتناقش مع الحاضرين حوله، ومن جهة أخرى، فصول طويلة يعتريها قفز ثابت داخل الزمن ونتعرف فيها إلى ماضيه الذي يبدو أقل لمعية لما هو معروف عنه. فصول يصعب داخلها معرفة ما هو حقيقي وما هو خرافي في تفاصيلها لأنه يتعذر الوثوق بسرد فايف نظراً إلى حالته الصحية والآثار الجانبية للعقاقير التي يتناولها والشكوك المشروعة بدقة ذاكرته.

وهذا ما يقودنا إلى قيمة هذه الرواية التي لا تكمن في الأحداث والأسرار المشوقة لحياة بطلها، التي تنكشف لنا من خلال الشذرات المستعادة من ماضيه والقصص التي يرويها، بقدر ما تكمن في تركيزها على الظروف الغريبة والطريقة الفريدة التي اختارها هذا الرجل لقص حياته، وعلى الأسباب التي قادته إلى هذا البوح المتأخر، وبالتالي في السؤال المعقد الذي يراودنا حتى النهاية لدى قراءتها حول ما إذا كانت قصص تجريم الذات التي يرويها صحيحة، أم أن الأمر يتعلق بكذب متعمد أو بتخريف. وفي هذا السياق، تشكل “ماض” خير استكشاف لطبيعة الذاكرة ولمدى قدرتها على منحنا الحقيقة.

تكمن أيضاً قيمة الرواية في مقاربتها البصيرة لموضوعي الشيخوخة والشهرة: الشيخوخة مع ما يلازمها من عجز جسدي وذهني ومشاكل صحية وقلق من التواري الوشيك، من جهة، ومن مراجعة للذات وسعي إلى تنقيتها عبر الاعتراف بالأخطاء المرتكبة وطلب الغفران قبل حلول المنية، من جهة أخرى؛ والشهرة التي غالباً ما تتكون انطلاقاً من معطيات مجتزأة تمنح من يتمتع بها صورة مجملة تبعد كل البعد عن واقعه.

وما يعزز قيمة مقاربة بانكس هذين الموضوعين هو مدى تطابق حياة بطله مع حياته الخاصة. فالسفر من بوسطن إلى كاليفورنيا الذي يقوم فايف المراهق به مع صديقه في سيارة مسروقة، ثم فراره من ضاحية بوسطن وتخليه عن دراسته الجامعية للالتحاق بفيدل كاسترو، وظروف لقائه وزواجه في فلوريدا من شابة لا يلبث أن يهجرها مع ابنتهما، جميع هذه التفاصيل استقاها الكاتب من حياته. وهو ما يمنح “ماض” بعداً سيرذاتياً وما يفسر تلميح صاحبها فيها إلى هذا البعد بجعله إحدى شخصياته تقول حول فايف وفيض بوحه “كما لو أن الأمر يتعلق بمحاولة ربط رواية بحياة كاتبها”.

وأبعد من جرأة محاكمة الذات عبر تعرية آثامها، الحاضرة بقوة في هذه الرواية، ثمة أيضاً فيها، كما في روايات كثيرة سابقة لبانكس، مقاضاة للرجل الأبيض عموماً في أميركا الذي غالباً ما يخلف فهمه النرجسي لحريته مآسي للنساء اللاتي يتورطن في علاقة عاطفية معه. ثمة أخيراً ــ وليس آخراً- إعادة قراءة جريئة لفصل مهم من تاريخ أميركا الحديث، وتحديداً لفترة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، يكشف بانكس فيها تفاصيل مجهولة حول مواضيع مهمة مختلفة، كظروف فرار عشرات آلاف الشبان الأميركيين إلى كندا لتجنب المشاركة في حرب فيتنام، والملاحقة التي تعرضوا لها هناك على يد “مكتب التحقيقات الفيدرالي”، والتجارب التي قامت بها الإدارة الأميركية للعامل الكيماوي الأصفر في أميركا وكندا، قبل استخدامه في فيتنام.

وفي حال أضفنا لغة بانكس السيالة والمجردة من أي تصنع أو حذلقة، والبعد السينماتوغرافي لعملية سرده الذي يتجلى في تعاقب ذكريات فايف على شكل مونتاج حاذق، وفي دخولنا وخروجنا من ماضيه وحاضره كما لو أننا خلف عدسة كاميرا، لتبينت لنا كل قيمة روايته.

المزيد عن: راسل بانكس/ليوناردو فايف/رواي/أدب/الأدب الأميركي/ثقافة

 

 

You may also like

9 comments

1xbet 26 مارس، 2025 - 6:14 ص

107981 548647I feel 1 of your ads triggered my internet browser to resize, you may want to put that on your blacklist. 831552

Reply
pin up casino india login 30 مايو، 2025 - 10:34 م

973764 582406Some genuinely superb info , Sword lily I located this. 184071

Reply
Prayer Book 20 يونيو، 2025 - 3:43 م

954355 944041articulo agregado a favoritos, lo imprimir cuando llegue a la oficina. 240334

Reply
Ramenbet mobil 18 يوليو، 2025 - 7:07 م

928131 582003Hey, you used to write amazing, but the last couple of posts have been kinda boringK I miss your excellent writings. Past couple of posts are just a bit out of track! come on! 473770

Reply
relx 31 يوليو، 2025 - 4:49 ص

561313 150491Oh my goodness! a great post dude. Numerous thanks Even so We are experiencing difficulty with ur rss . Dont know why Can not sign up to it. Could there be anybody obtaining identical rss difficulty? Anyone who knows kindly respond. Thnkx 513420

Reply
Alexander Debelov 1 أغسطس، 2025 - 7:06 م

495824 396030I wish I had a dime for every bad write-up Ive read lately. I also wish other writers had your talent and style. Thank you. 471616

Reply
Mulch film 2 أغسطس، 2025 - 5:30 ص

421635 375446Excellent blog right here! Also your website loads up fast! 486625

Reply
Book of Ra Greentube 8 أغسطس، 2025 - 12:22 م

227542 87702Pretty section of content material. I just stumbled upon your weblog and in accession capital to assert that I get in fact enjoyed account your blog posts. Any way I will likely be subscribing to your augment and even I achievement you access consistently speedily. 292358

Reply
Custom Badge 23 أكتوبر، 2025 - 1:36 ص

This is exactly what I was looking for. Thanks for the useful information.

Reply

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA'S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE EPUBLISHING NEWS - MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS - Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

TOP NEWS

الإعلام الإسرائيلي يكشف ملامح صفقة الأسرى والهدنة

by admin

توصية أميركية بحصول كبار السن على جرعة أخرى من لقاحات كورونا

by admin

اتفاق محتمل للأطراف الليبية يهدد مصير حكومة الدبيبة

by admin

زاو ووكي فنان التجليات البصرية الروحية

by admin

لماذا لا تدرّس الجامعات العربية علم الجمال؟

by admin

حملة لـ”كسر الصمت” حيال التحرش داخل أماكن العمل في الأردن

by admin

الجراحة الروبوتية ثورة في عالم الطب تبشر ببزوغ عصر جديد

by admin

عودة ثنائية “دي بروين – هالاند” الأكثر رعبا في أوروبا

by admin

زيدان على رأس أهداف مالك مانشستر يونايتد الجديد لخلافة تن هاغ

by admin

Retour du visa pour les visiteurs mexicains au Canada

by admin
Facebook Twitter Youtube
Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili