ثقافة و فنونعربي التونسي نزار الحميدي يجسد المعادلة الشعرية للحراك by admin 31 يوليو، 2021 written by admin 31 يوليو، 2021 172 استبدال الذاكرة الجماعية بالفردية في ديوان “شخص ما يكتب تعليقا” اندبندتت عربية \ محمد الغزي واكب نزار الحميدي شعرياً التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع التونسي منذ 2011، وانتمى إلى حركة “نص” التي أرادت أن تكون شعريّاً المعادل الموضوعي للحراك الاجتماعي، وتطلع، ضمن هذه الحركة إلى أفق إبداعي جديد، مستبدلاً الذاكرة الجماعية بالذاكرة الفردية، وضرورة التوافق بإمكان الاختلال. وفي ديوانه الجديد “شخص ما يكتب تعليقاً” الصادر عن دار ميارة -تونس، سعى نزار الحميدي إلى كتابة قصيدته الجديدة التي تختلف عن قصائده السابقة اختلاف تباين وافتراق. هذه القصيدة تنطوي على أصوات عديدة لعل أهمها أصوات سعدي يوسف في التقاط التفاصيل اليومية، ومحمد الماغوط في اقتناص الصور الجديدة والاستعارات المدهشة، ومحمود درويش في أسلوبه الغنائي الملحمي. الديوان مراوحة بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، بين نص العالم وعالم النص، بين السؤال الثقافي والسؤال الاجتماعي. فبينما اندفع معظم الشعراء الجدد، على أثر الحراك الذي شهدته تونس، إلى كتابة الشعر السياسي، متوسّلين بأساليب مباشرة، نجد الحميدي قد واصل تجربته الإبداعية، غير عابئ باللغط الذي ارتفع حوله، ولا يعني هذا أن شعر الحميدي وأقرانه منفصل عن الواقع، غير منخرط في بلباله. هذا الشعر، على عكس ما يتصور كثيرون، موصول بالحياة، يخبرُ عنها ويفصح عن حقائقها المستترة لكنه لا يتغنى وإنما ينقد، ولا يحتفي وإنما يستدرك. وربما ذكرتنا بعض نماذجه بعبارة الشاعر الإنجليزي كولردج، التي يقرر فيها أن قيمة الشعر رَهْنٌ بمدى ما يتحقق من نظرة ناقدة للحياة: “البنايات مثل الزرافات شاهقة كلما عنَّ لي أن أبيت تحت درج ركلتني/ المحطات من قبلها ركلتني/ أسمع جدّي مشتجراً كالجذع المقطوع على الأرض يغمغم/ فلتتركهنّ رجاء/ لم تترك كل بنات الجيران”. احتفال بالحياة لكن الشعر عند الحميدي ليس نقداً موجهاً للحياة فحسب وإنما هو أيضاً احتفال بها. الشاعر يبدو في الكثير من القصائد قرين “أورفيوس”. ويتجلى هذ النزوع الأورفي أقوى ما يتجلى في إقبال الشاعر على الأرض يُمَجدها، فالحميدي – في سياق هذه الرؤيا – صورة للراعي اليوناني الذي استقر في الذاكرة الثقافية رمزًا للفرح واكتمال الارتواء، الغِناءُ لغته واللعب وظيفته والدهشة أداة معرفته. وربما كان موضوع الطفولة الذي تردد في الديوان رمز هذه الرؤيا ومجلاها في آن. في هذا السياق تبرز الطفولة، لدى نزار الحميدي، بوصفها الدرع التي يحتمي بها الحميدي من القبح والكراهية وسوء الطويّة، بوصفها أيضاً الحضنَ الذي كان يفرّ إليه هرباً من الزمن يلتهم كل شيء، وبوصفها، خير مصدر للشعر الذي كان يمتح منه قصائده. الديوان التونسي (دار ميارة) الطفولة عودٌ إلى الانفعال الأول، أي عودٌ إلى المعرفة البدئية القائمة على الحس والغريزة. ومن شأن هذا الانفعال أن يخلعَ روعة المجهول على المعلوم، ويعيد إلى الأشياء غموضَها الأصلي، فيرتد الشاعر طفلاً يتهجَّى من جديد أبجدية الكون ويتقرَّى عناصره بعينين واسعتين وشوق عارم: “عندما حملت قشة ورميتها إلى باحة العش/ عادت لتجلب أخرى/ تلك عصفورة ستزقزق رغم الشتاء”. هذه الطفولة تتبدَّى في هذا الكتاب طفولَتيْن: طفولة الكون وطفولة الكائن. فبعض القصائد تبدو – إذا أخذنا بتقسيم “فيكو” للتاريخ – قادمة من عصر الآلهة القديمة، ويبدو الشاعر كما لو كان شاهدًا على انبثاق العالم من العماء الأكبر، لا أحدَ يسكُنه غيرُ الشاعر الذي يمجد انبثاقه من الملاء المُعتّم ويُسمّي أشياءه. وبعض القصائد تصور طفولة الكائن الذي يدخل العالم في انشداهٍ وذهول مُتعثّراً في مسالكه يُشير ولا يتكلّم، يُومئ ولا يُفصح، غريزتهُ أساسُ إدراكه وحواسُّه سبيله إلى العالم والطبيعة. إهاب الرمز وتحضر المرأة في هذا الديوان ضمن احتفالية الشاعر الكبرى بالحياة، لكن المرأة هنا تختلف عن امرأة الغزليّة العربيّة اختلافَ تبايُنٍ وافتراق. فامرأة الشاعر صورة للأنثى الكونية التي فكّت بفعلها الخالِق العالم من أسْر الموت وأتاحت للطبيعة أن تتوالد وتتكاثر. إن المرأة في شعر الحميدي حضور غامر يستوقفنا لذاته قبل أن يحيلنا على شيء آخر خارج عنه. فهي الرمز والمرموز إليه، وهي الكناية والمكنى عنه. والحميدي في ذلك يفترق عن مجايليه. إذ إن صورة المرأة في شعرهم حضور لغياب، فهي كثيراً ما تلبس إهاب الرمز وتتحول إلى فكرة مجرّدة علاقتها بالمرأة واهية أو تكاد. إن الشاعر الحديث قد اتخذ المرأة قناعاً لمعانٍ أخفى بل أجراها في شعره مجرى المجاز، حيث “تعلق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على سبيل النقل” على حد تعبير النقدة القدماء، فتتحول المرأة، بسبب ذلك إلى “أداة أسلوبيّة” تمكن الشاعر من “الكلام بشيء وهو يريد غيره”. أما في شعر الحميدي فقد تحولت المرأة من فكرة غامضة غائمة إلى كيان وجسد وحياة. فإذا ما استعرنا تحليل “هيدغر” للوحة الحذاء لـ”فان غوخ” لقلنا إن الشاعر تنكّب عن المرأة/ المعنى ونحت امرأة جديدة ألغت الحدود بين الواقع والمثال:”أسحب إليك البحر/ تخطر بين كفيك القوارب/ لكنني أخشى الركوب فقد تغور بي المسارب/ أنا لست ملاحاً/ أنا لا أميز في المحيطات العميقة”. إن المتأمل في قصائد هذا الديوان يلحظ أنها تنطوي على حوارين اثنين: حوار تعقده مع القصيدة الحديثة، وعلى وجه الخصوص قصيدة النثر، وحوار ثان تعقده مع الواقع الذي صدرت عنه. أما حوارها مع القصيدة الحديثة فيتجلى في استدعاء الأقنعة والرموز التي تنهض بوظيفة المعادل الموضوعي، مستلهمة شعراء الحداثة الشعرية العربية. وأما حوارها مع الواقع فيتمثل في الجدل الذي تعقده مع الأحداث تتشرب جوهرها العميق وتتخلى عما عداه. فالشعر، لدى الحميدي ليس تعبيراً عن حقائق الروح فحسب وإنما هو تعبير أيضاً عن حقائق التاريخ. والواقع أن كل قصائد الحميدي الشعرية تصور حركة الروح تتأبّى على سلاسلها، وتسعى، عن طريق الكتابة، إلى استبدال زمن بآخر، ومنظومة قيميّة بمنظومة أخرى، فقدر الإنسان، في شعر الحميدي، أن يرقص داخل أغلاله، ويرفع، في قاع الهاوية، عقيرته بالغناء. المزيد عن: شاعر تونسي\قصيدة النثر\قصيدة التفعيلة\محمد الماغوط\الحراك الجماعي\تونس\الجيل الجدي\دنزار الحميدي 10 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post رحيل الرسامة المصرية عطيات سيد التي طوعت المعدن جماليا next post عن معنى أن تصبح الصين قوية You may also like د. رشيد العناني في “الشرق الأوسط”: جنسنا البشري... 5 أغسطس، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الأوسط”: بهلوان قصر هشام 5 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: كليوباترا… كما نعرفها ولا... 5 أغسطس، 2026 أنطوان أبو زيد في”اندبندنت عربية”: حازم صاغية يستعيد... 5 أغسطس، 2026 مئة عام على ميلاد البياتي… و27 سنة على... 4 أغسطس، 2026 قصيدة «أتذكر السياب»… بين درويش والنقاد 4 أغسطس، 2026 الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 10 comments streameast 19 يونيو، 2025 - 4:17 ص 736761 814822Hmm, I never thought about it that way. I do see your point but I feel many will disagree 475753 Reply joker jewels bonus 5 يوليو، 2025 - 7:36 م 9730 651903Gnarly article mate, maintain the very good work, just shared this with ma friendz 278400 Reply casino online 1xslots 18 يوليو، 2025 - 6:59 م 456572 562746Chaga mushroom tea leaf is thought-about any adverse health elixir at Spain, Siberia and plenty of n . Countries in europe sadly contains before you go ahead significantly avoidable the main limelight under western culture. Mushroom 894338 Reply Alexander Debelov 31 يوليو، 2025 - 5:59 م 284600 922158Yay google is my world beater assisted me to discover this excellent web internet site ! . 901791 Reply brians club 24 أغسطس، 2025 - 1:05 ص 938950 160963Bereken zelf uw hypotheek. Hypotheek berekenen? Maak snel een indicatieve berekening van het maximale leenbedrag van uw hypotheek. 813705 Reply Bunter Hunter Badges 23 أكتوبر، 2025 - 8:08 م This is exactly what I was looking for. Thanks for the useful information. Reply Ulthera 4 نوفمبر، 2025 - 8:03 م 762530 676471You made some 1st rate factors there. I regarded on the web for the dilemma and located a lot of people will associate with along with your website. 845198 Reply Order THC Tinctures in Sweden Online 20 نوفمبر، 2025 - 11:16 ص 891593 554146hi this post help me full . .if you want watches males pay a visit to my sites is extremely help you for men watches. .thank man great job. 435563 Reply บาคาร่าเกาหลี 24 يناير، 2026 - 12:02 م 218093 526339Thank you for every other wonderful post. 712924 Reply รีวิว LSM99 31 يناير، 2026 - 10:23 ص 541838 484219I very delighted to locate this web website on bing, just what I was searching for : D besides saved to bookmarks . 753454 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.