الأوبئة والأمراض المستوطنة تاريخ طويل من حصد الأرواح – CANADA VOICE
الخميس, سبتمبر 3, 2026
الخميس, سبتمبر 3, 2026
Home عربيثقافة و فنون الأوبئة والأمراض المستوطنة تاريخ طويل من حصد الأرواح

الأوبئة والأمراض المستوطنة تاريخ طويل من حصد الأرواح

by admin

كتاب جديد يرافق موجة كورونا ويستعيد ظواهر وبائية على ضوء المعرفة الحديثة

اندبندنت عربية / عبد الكريم الحجراوي 

المطّلع على تاريخ مصر يجد عدداً كبيراً من الأوبئة التي فتكت بعشرات الآلاف من سكان هذا البلد، من الطاعون، إلى الكوليرا والملاريا والجدري والتيفوس، إضافةً إلى الأمراض المستوطنة “Endemic” التي كانت تصيب أكثر من 90 في المئة من الشعب المصري مثل البلهارسيا والإنكلستوما وأمراض العيون والتدرّن الرئوي.

ومن الكتب المهمة التي رصدت هذه الظاهرة كتاب “الأوبئة والأمراض في المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين 1902: 1947” لنسمة سيف الإسلام سعد، الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسة “تاريخ المصريين”.

يقع الكتاب في 350 صفحة من القطع الكبير ويضم خمسة فصول، الأول يحمل عنوان “البيئة المصرية وانتشار الأوبئة”، والثاني “الأمراض والأوبئة نوعيتها وأبعاد انتشارها”، والثالث “الإدارة والمشكلات الصحية”، والرابع “موقف الصحافة والبرلمان من المشكلات الصحية” والخامس “المشاركة المجتمعية في مكافحة الأوبئة والأمراض وتحسين الصحة العامة”.

ويورد الكتاب أسباباً كثيرة تضافرت لتكون مصر عبر فترات عدّة من تاريخها بقعة لانتشار أمراض وأوبئة مختلفة، بداية من دور المناخ في نموّ البكتيريا والجراثيم، إضافةً إلى أثر الموقع الجغرافي الذي لعب دوراً في سهولة انتقال الأوبئة العالمية إليها، وكذلك العنصر البشري الذي أسهم بسبب إهماله أحياناً والجهل في أحيان أخرى في مواجهة الأوبئة والأمراض منذ بدايتها، ما أدّى إلى خسائر في الأرواح تفوق أضعاف خسائر الحروب.

غلاف الكتاب (دار النشر)

وعلى سبيل المثال، لعبت البحيرات والمستنقعات حول القرى والمدن في انتشار عددٍ كبيرٍ من الأوبئة، منها الملاريا التي كانت تحصد سنوياً في مدينة الإسكندرية 4 في المئة من سكانها، وجائحة الجدري كانت تتسبّب في وفاة 50 ألف طفل سنوياً بمعدل 20 في المئة من المواليد البالغ عددهم 250 ألف طفل. وقد أشارت تقارير إلى أن هذا الوباء كان يضرب القطر المصري بشكل كبير كل 5 سنوات تقريباً، لأسباب عدّة، من ضمنها البدو الرحل الذين يحملون العدوى بشكل مستديم وينقلونها إلى المدن حين يطوفون بها وإهمال تطعيم الأطفال في القرى، كذلك الحجاج لدى عودتهم.

الموت الأسود

أما الطاعون “الموت الأسود” الذي عُرف في مصر بـ”الإثيوبي” أو “الأصفر” أو “الرهيب”، فكان يدوم من شهرين إلى أربعة أشهر في الفترة ما بين مارس (آذار) ومايو (أيار)، وكان تكرار ظهوره سنوياً يعضد الاعتقاد بأن مصر هي الموطن الأساسي له بسبب فيضان نهر النيل ورطوبة الأراضي.

أما ضحاياه، فكانت أعدادهم كارثية. عام 1625، قضى الطاعون على 300 ألف شخص، وعام 1642، أفنى نحو 330 قرية، وعام 1784، قضى على نحو سدس السكان، وعام 1801، راح ضحيته آلاف من المصريين ومن جنود الحملة الفرنسية، وضرب مصر كذلك عام 1822 وبعدها بعامين. وعام 1835، شهدت البلاد واحدة من أعنف موجات هذا الوباء، إذ أودت بحياة نحو نصف مليون مصري، فقد فقدت القاهرة والإسكندرية من 25 في المئة – 30 في المئة من سكانها، فيما تراوحت وفيات القرى بين 10 في المئة – 12 في المئة، واحتاجت مصر إلى 15 عاماً كي تعود إلى المعدلات الطبيعية لنموّها السكاني.

الوباء الأصفر

“الوباء الأصفر” أو “الشوطة” أو الكوليرا أو “الكريرة” أو “الهيضة”، تتعدد الأسماء والفعل واحد، لذلك الوباء الذي ضرب مصر في القرن التاسع عشر فقط 9 مرات، وكان الحج من أهم مصادر دخول هذه الجائحة إلى القطر المصري، ففي الفترة ما بين 1831 و1902، انتشرت الكوليرا في الحجاز 21 مرة. وقضى هذا الوباء عام 1865 على 6 في المئة من تعداد الشعب المصري. أما وباء 1883، فبلغ عدد ضحاياه ما بين 80 إلى 100 ألف نسمة، وعام 1902 قضى على نحو 40 ألف نسمة، وعام 1947، آخر وباء ضرب مصر قبل تصنيف منظمة الصحة العالمية  لكورونا كوباء عالمي، وراح ضحيته نحو 10 آلاف نسمة فقط! وهو ما اعتُبر وقتها إنجازاً مقارنة بعدد الوفيات من قبل.

في أوقات الأوبئة، كانت تتعامل الحكومة والسلطات الصحية بمنتهى القسوة، الأمر الذي أدى إلى نتائج عكسية أسهمت في حدّة انتشار الجائحات، فقد كانت المؤسسات الصحية في مصر في بداية القرن التاسع عشر تابعة لوزارة الداخلية، وفي وباء الطاعون عام 1834، كانت السلطات الصحية تطلق الرصاص الحي على أهالي الأسر الذين لم يُبلغوا عن موت أفراد منهم بالطاعون، كما أن السلطات كانت ترسل المرضى بشكل مهين إلى الحجر الصحي وكان ذلك بمثابة نذير شؤم، فمن يذهبون إلى الحجر لا يعودون، إذ يُلقون في مستشفيات قذرة على أطراف المدن، كما أن السلطات كانت تشرّح الجثث أحياناً أمام أهالي المتوفي بشكل وحشي وتحرق ملابسه أمامهم، وأحياناً تطردهم من منازلهم وتحرقها، ما كان يدفع الأهالي إلى التكتّم بشأن أي حالة وفاة بالوباء خوفاً من المصير المنتظر.

مصريون ينتظرون اللقاح في اواسط القرن العشرين (ايجيبت جيوغرافيك يوتيوب)

وكان لعودة الحجاج دور كبير في  دخول الأوبئة إلى الأراضي المصرية ولعل أوضح مثال على ذلك وباء الكوليرا عام 1902، فقد وصل ماء زمزم في هذا العام يحتوي على جرثومة “الكريرة”، وتوفي بسببه الآلاف. وكان من بين العائدين من الحج عمدة قرية “موشا” في أسيوط الذي حمل معه 10 صفائح مملوءة بماء زمزم، ولم يلاحظ أطباء المحجر الصحي في سيناء خطورة هذه الصفائح. ولمّا وصل إلى قريته، وزّع المياه على أهله ومحبيه وأفرغ ما تبقّى منها في آبار القرية، فما هي إلّا أيام وظهرت بينهم الكوليرا وحصدت في أرواحهم حصداً، ومن هذه القرية تفشّى الوباء في مصر كلها.

الطب الشعبي 

ويورد الكتاب عدداً كبيراً من العادات الشعبية التي مارسها الشعب المصري لمواجهة الأوبئة وقد أسهمت في انتشارها على مدى واسع، منها عندما انتشر وباء الملاريا 1942- 1945، كان أهل المريض يأخذونه قبيل المغرب بوقت قليل ويلقون به في ماء الترعة أو النهر البارد لمدة ثلاثة أيام متتالية، معتقدين أن هذا سيذهب عنه الوباء. وحين انتشرت جائحة الكوليرا عام 1947، كان أهالي الريف يخرجون إلى الشوارع بالمقصّات الخشبية الكبيرة ويقصّون الهواء لاعتقادهم أن هذا سيؤدي إلى ابتعاد الأرواح الشريرة التي تتسبّب في انتشار الموت، وذلك إضافةً إلى دور الحلاقين والدايات والسحرة المشعوذين بوصفاتهم الشعبية في زيادة عدد الوفيات وزيادة نسبة العمى في مصر التي كانت الأعلى في العالم في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فمن تلك المعالجات، ما يُطلق عليه “اللحَّاسة”، إذ كانت تقوم امرأة، عادة متقدمة في السن بلحس عينَيْ المريض عن طريق فتح جفنيهما بأصابعها، ثم تضع طرف لسانها داخل العين وتمرّره بحركة دائرية لتلتقط ما فيها من شوائب أو مواد غريبة وتبصق في طرف لسانها في يد المريض. وهناك طريقة أخرى لعلاج التهاب العيون أكثر قسوة وهو تسخين روث الحمير ثم وضعه في قطعة من القماش، تُترك على العين، ويُنصح المريض بتكرار ذلك، كلما برد الروث. هذه الأمور أسهمت في ارتفاع نسبة العمى في مصر بصورة يفوق تصوّرها.

ولم تكن الأمراض المستوطنة أقل خطراً على المصريين من الأوبئة التي عصفت بهم، بيد أنها كانت تقتلهم ببطء والمقصود بها الأمراض المستقرة في بلد ما، وتصيب غالبية سكانه ومن أهمها البلهارسيا والإنكلستوما والتدرن الرئوي وأمراض العيون وكانت تصيب نحو 70 في المئة من الشعب المصري. فعام 1924، كانت نسبة المصابين بالبلهارسيا 70 في المئة، والإنكلستوما من 70- 80 في المئة. وعام 1942، كانت نسبة المصابين بالبلهارسيا 75 في المئة، وكانت أهم مضاعفاتها التهابات المثانة وسرطان المثانة وتليّف الكبد وتضخّم الطحال والاستسقاء. ونتج من هذه الأمراض تراجع صحة الفلاح المصري الجسمانية والعقلية وقلة استيعابه وبلاهته وقلة إنتاجه. فعلى سبيل المثال، وصلت نسبة غير الصالح من الشباب المتعلمين المتقدمين إلى الجندية إلى الثلث في بداية القرن العشرين.

وعموماً، فإن هذا الكتاب يقدم بشكل سلس صورة لما عاناه المصريون من جراء الأمراض والأوبئة التي ضربت البنيان الاجتماعي، اعتماداً على الصحافة التي نقلت أخبار هذه الأوبئة ومضابط مجلس النواب (البرلمان) والأعمال الأدبية التي سلّطت الضوء على حال الفلاح المصري، ما أعطى صورة لمجتمع عانى بشدة، إلّا أنّه ظلّ صامداً في وجه الموت.

المزيد عن: كورونا/مصر/أوبئةأمرضة مستو/طنة/تاريخ/الطاعون/الطب الشعبي

 

 

You may also like

9 comments

sheriff badges 13 أغسطس، 2024 - 3:21 م

Great post! I’m looking forward to reading more of your work.

Reply
online chat 17 فبراير، 2025 - 5:40 م

531708 74924bless you with regard towards the certain blog post ive really been searching with regard to this kind of advice on the net for sum time these days hence with thanks 904865

Reply
clothing manufacturer 15 يونيو، 2025 - 10:14 ص

949426 20476I just added this weblog to my rss reader, excellent stuff. I like your writing style. 882276

Reply
Large bio ethanol burner 7 يوليو، 2025 - 10:55 ص

297622 583509Bereken zelf uw hypotheek. Hypotheek berekenen? Maak snel een indicatieve berekening van het maximale leenbedrag van uw hypotheek. 61671

Reply
situs toto 13 يوليو، 2025 - 12:29 م

960316 647526Intersting post and internet site. Great that Google listed so i was able to get here. This web site will go no in my bookmarks from now. 273989

Reply
ดูหนังใหม่ 6 أغسطس، 2025 - 1:32 ص

862353 997431i just didnt need a kindle at initial, but when receiving 1 for christmas im utterly converted. It supply genuine advantages over a book, and makes it such a good deal additional convenient. i may well undoubtedly advocate this item: 658590

Reply
sexy mature women wanting sex 18 أغسطس، 2025 - 4:38 م

194946 905692Delighted for you to discovered this site write-up, My group is shopping more often than not regarding this. This can be at this moment surely what I are already seeking and I own book-marked this specific website online far too, Ill often be keep returning soon enough to look at on your special weblog post. 158687

Reply
look at these guys 2 فبراير، 2026 - 8:43 ص

185445 982428There will likely be several totally different portions about the LA Weight reduction eating plan and 1 is really critical. Begin stage is your really truly of these extra load. weight loss 680087

Reply
ufakorea 2 أغسطس، 2026 - 5:38 م

843479 43824 warning Dont any of you folks ever take me to CiCis pizza! There food looks offensive!|Urban_Elegance| 877948

Reply

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA'S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE EPUBLISHING NEWS - MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS - Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

TOP NEWS

الإعلام الإسرائيلي يكشف ملامح صفقة الأسرى والهدنة

by admin

توصية أميركية بحصول كبار السن على جرعة أخرى من لقاحات كورونا

by admin

اتفاق محتمل للأطراف الليبية يهدد مصير حكومة الدبيبة

by admin

زاو ووكي فنان التجليات البصرية الروحية

by admin

لماذا لا تدرّس الجامعات العربية علم الجمال؟

by admin

حملة لـ”كسر الصمت” حيال التحرش داخل أماكن العمل في الأردن

by admin

الجراحة الروبوتية ثورة في عالم الطب تبشر ببزوغ عصر جديد

by admin

عودة ثنائية “دي بروين – هالاند” الأكثر رعبا في أوروبا

by admin

زيدان على رأس أهداف مالك مانشستر يونايتد الجديد لخلافة تن هاغ

by admin

Retour du visa pour les visiteurs mexicains au Canada

by admin
Facebook Twitter Youtube
Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili