أمجد ناصر يستقرّ بأجنحة يحيى النعيمي – CANADA VOICE
الأحد, أغسطس 30, 2026
الأحد, أغسطس 30, 2026
Home عربيثقافة و فنون أمجد ناصر يستقرّ بأجنحة يحيى النعيمي

أمجد ناصر يستقرّ بأجنحة يحيى النعيمي

by admin

مجلة رمان الثقافية / تمّام هنيدي – شاعر وكاتب من سوريا

وُلدَ أمجد ناصر نواحي العام ١٩٧٨، في العاصمة اللبنانية بيروت. أي بعد قرابة ثلاثة وعشرين سنة على ولادة يحيى النعيمي، الشاب البدويّ الذي اتخذ القرار الصعب بالافتراق عن مصائرِ العائلة، والالتحاق بنبض الحياة ونداءاتِها، وكان يرجع صداها آنذاك من بيروت. عقبَ سنتين قضاهما في عمّان قادمًا من مدينة صغيرة هي “المفرق” شمال الأردن.

لم تكن عمّان، أو المفرق بطبيعة الحال، لتلبّي حاجة الشاب الطامح والحالم. فالمنطقةُ على أبواب الانفجار، والحالمون ليس لأرواحهم طمأنينة، ولا لآفاقهم حدود. وبيروت، التي كانت تغلي في تلك السنوات، وتواجه حربًا سوفَ تغيّرُ وجهَ المنطقة إلى أجلٍ لم يكن يُعلمُ حينها، كانت أيضًا، فردوسًا لكلٍ من المهاجرين واللاجئين، والمبدعين والسياسيين والثوريين والحالمين. وقد اجتمعت كلّ هذه الصفات في يحيى النعيمي حينئذ.

ولادةُ أمجد ناصر تلك، في بيروت، وإن جاءت لأسبابٍ أمنيّة بدايةً، حيثُ غيّرَ يحيى النعيمي اسمه إلىَ أمجد ناصر، بحكمِ عمله في صفوف دوائر الثقافة والإعلام الفلسطينية، من مجلة “الهدف” التي أسسها ورأس تحريرها غسان كنفاني، إلى الإذاعة الفلسطينية التي عملَ فيها خلال حصار بيروت، وكان لابدّ من تغيير الاسم جريًا على عادة الفصائل الفلسطينية آنذاك. إلا أنها – أي الولادة –  حملت معها مصيرًا غيرَ متخيّلٍ لشخصٍ لم يكن موجودًا قبل ذلك. وهي أيضًا، بقدرِ ما حرّرت القادمَ من المفرق من أثقال فرضتها عليه شروطه كـ”يحيى النعيمي”، ابن تلك الجغرافيا وذلك التاريخ، البدوي الذي “خرج من عشيرته ولدًا” راغباً في كتابة سيرته بيده، فإنها أعطتهُ ميزةً نادرة في مراقبة مسيرة حياة “أمجد ناصر” الذي وُلدَ للتو.

عاش أمجد حياته حمايةً لحياة يحيى النعيمي إذن! قبل أن يتّضح له أن القدر الذي اختار للبدويّ الحياة، اختارَ لمُنقذهِ ومُحرّرهِ الشقاء… والمنفى.

شكّلَ المنفى مفصلًا آخرَ، يكادُ يكون الأشدّ أهمية في حياة صاحب “سُرّ من رآك”. ذلك أنّ الخروجَ الفلسطينيّ من بيروت بعد الاجتياح أخذَ الطابع الجنائزيّ الوداعيّ لأغلبِ الذين عاشوه، كأنما كان الخارجون يودّعون أنفسهم التي تركوها في لبنان، في المخيمات المتروكة للمجازر، وفي شوارع وأحياء المدينةِ التي تحقّقَوا فيها كمناضلين وكتّاب ومشاريع شهداء. وفي حالة أمجد ناصر، فإنّ المنفى أشدّ تركيبًا وتضاعفاً. ففي كلّ خطوةٍ كان يخطوها، كان يستقبلهُ منفىً ما، مرحّبًا فاتحًا ذراعيه ودودًا، ولئيمًا أيضًا!

نفى نفسهُ إلى عمان، حينَ أرادَ البدء بـ “خبطِ الأجنحة”. فلم تكفِ السماء الفاصلة بين المفرق والعاصمة، فنفاها إلى بيروت. ثمّ نفى يحيى النعيمي من حياتهِ اليومية، وأسكنهُ صدرَ أمجد ناصر. بعد هذا، سوف يصبحُ الترحال من بيروت إلى قبرص، ومن قبرص إلى لندن، تحصيل حاصل لأجنحةٍ اعتادت الخفقان.

في لندن أخذت السيرةُ بعدًا جديدًا. إذ يصعبُ التكهّنُ بشكلِ وآثارِ الهجرة، على اسمٍ منفيٍ أصلاً عن جسدهِ، المنفيّ بدوره إلى أرضٍ مغايرة، ومعادية!

هناك التقى الشخصان، المحميّ والحامي، بعد أن اكتشفا أنهما معًا، كانا عرضةً للموت، في الأرض التي أنبتت كلاّ منهما على حدةٍ. وكان لا بدّ من منفىً محايد، يلتقي فيه الاثنان، حيث بالإمكان مراجعة التاريخ الشخصي لكلّ منهما، من دون رغبة بالقصاص.

فلقد وُلد في لندن ثالث لأمجد ويحيى، وفرضت عليهما المدينة التعرّف عليه وتدبّر أمورهِ الحياتية، وفرزَ أفكارهِ التي ستشكّل منظومته الأخلاقية وعدّتهُ الفكريّة، للتعرّفَ إلى عالمه الجديد، من زاويةِ المقيمِ، لا الحالم الثوريّ، أو الطارئ العابر. غير أنّ المقيم ما كان في حقيقةِ الأمرِ سوى لاجئ آخر، تُخرجهُ رغبتهُ بالمزيد من مرابع صباه (أهي خطيئته الوحيدة؟!) ثمّ يتكفّلُ قدرهُ بما تبقى، فيُخرجهُ أعداؤهُ من بقيّةِ بيوتهِ المؤقتة، ويثقلونه بشروطهم “البيضاء” لنيل شرف الإقامة في بيوتهم، ليعيشَ وحيدًا وسطَ جموعٍ من الوحيدين، مكتملَ الحريّة!

أن تخرجَ من بيروت مع الفلسطينيين المُهجرين من بلادهم مرتين، وتصلَ فيك الأقدار إلى بريطانيا تحديدًا، الدولة التي أعطت فلسطين لغير أهلها عنوةً، فذاك سوفَ يفرضُ عليكَ عزلةً اختياريةً عمن تسببَ في بلواك. فماذا والحال أنّ بريطانيا نفسها، كانت مُنتبذًا للغرباء أكثر من كونها ملجأ؟!

ماذا والحالُ أنّكَ لن تلفِتَ انتباهَ ركّاب حافلات قطارات الأنفاق، إلا إذا كنت تتحدثُ مع أحدٍ بلغةٍ غير إنكليزية، “كأنكَ لم توجد في مرمى نظرهم”، وفق تعبيرهِ في كتاب “خبط الأجنحة” – سيرة المدن والمنافي والرحيل، الذي أصدرته دار رياض الريس عام ١٩٩٦، ثمّ أعادت منشورات المتوسط نشرهُ في طبعة مزيدة عام ٢٠١٧. يقولُ:

«عندها فقط يتحقق وجودك بمعناه المتطاول على تقاليد الصمت المقدس، المنتهك لحرمِ السلوك المتحضّر (تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين، وحريةُ الآخرين مكفولةٌ بالصمت). حيثُ رَفْعُ الصوت بلغةٍ عربية ذات جرس حاد، يُشكّلُ اعتداء على أذن الآخر».

ثالثُ – ناصر والنعيمي – ذاك، وإن كانت لندن أشدّ رأفةً عليه من مدنٍ أخرى كان يُمكنُ أن يؤول إليها مصيره، لكونها لم تشكّلُ عائقًا بينهُ وبين خبزهِ اليومي، ولتوفّرِ الوسط العربي المكتفي بذاته بين ظهرانيها، إلا أنها شكلت الاصطدام الأولَ بين البدويّ والشاعر المناضلِ من جهة، وبين الثالث اللاجئ الباحث عن هويّةٍ يُعرّفُ بها نفسهُ أمام كل هؤلاء “الآخرين” من جهة أخرى. وتلك مهمة شاقة على نمطي الشخصية هذين، إذ إن كلا منهما يُعتبرُ تعريفًا بحدّ ذاتهِ: البدويّ بالعلاقة الوطيدة المعروفة بينه وبين تاريخهِ وأصله وبيئته ومفرداتها الشعرية، والقيم المُتمَثّلة لدى أهله. والشاعر الثوريّ الذي ينتابهُ شعورٌ طبيعيّ أنّهُ مُعرّف لدى العالم بأسره، مستندًا في تعريفهِ لنفسه إلى تعريفِ قضيّته، ملتحمًا معها غير منفصلٍ عنها.

صراعٌٌ أرخى بظلاله على سيرة أمجد ناصر، الشخصية والشعرية، ومنحَ السّيرتين أبعادًا أكثر رحابة واتساعًا، وزودهما بما يلزم من التجريب الشعريّ المتوالدِ من رحم التجريبِ الذي خضعت لهُ شخصية يحيى النعيمي منذُ نبوءاتِ جدتهِ بحياةٍ قلقة، إلى رغبة أجنحتهِ بالخفقان ترجمةً حركيّةً لنزعةِ الحريّةِ لديه.

ولكي تكتملَ فصول الحكاية، فإنّ على التجربةِ الشعرية التي وُلِدت من رحمِ قصائد البدو والسهوب والنجوم، وترعرعت وسط حقول الألغام والخسران في بيروت، ونضجت على نارٍ هادئةٍ وعاطفةٍ أشدّ حذرًا، إثر اتّضاح الأسئلةِ التي ساعدتها الهجرة الطويلة والتجربة في التجلي، فقد اختار أمجد ناصر، محقًا، أن يردّ الأمانةَ لأصحابها، ويسمح لأجنحة يحيى النعيمي أن تستقرّ من حيث بدأ اصطفاقُها بالضبط قبل أكثر من أربعين عاماً. حيثُ أرضُ قصيدتهِ الخصبة، وهويّتهُ الحقيقيةُ التي آن أوانُ استعادتها.

 

 

You may also like

9 comments

custom police badges 5 أغسطس، 2024 - 2:35 م

This is exactly what I was looking for. Thanks for the useful information.

Reply
BAU_2025 1 مارس، 2025 - 8:46 ص

320161 480554Wahhhh,!! I dnt think its food thats generating her tummy groww!!|tiitaBoo| 239997

Reply
mostbet 25 مارس، 2025 - 6:39 م

594567 743250I havent checked in here for some time because I thought it was finding boring, but the last few posts are really good quality so I guess Ill add you back to my every day bloglist. You deserve it my friend. insurance guides 420644

Reply
best gym equipment shop USA 4 أبريل، 2025 - 3:38 م

362862 107830The the next occasion I read a weblog, I really hope so it doesnt disappoint me around brussels. Come on, man, Yes, it was my option to read, but I just thought youd have some thing intriguing to state. All I hear can be a lot of whining about something which you could fix if you werent too busy looking for attention. 489687

Reply
Aviator 5 يوليو، 2025 - 1:34 ص

286695 16762There is noticeably a bundle to know about this. I assume you produced certain good points in attributes also 864756

Reply
download bigcasino app 3 أغسطس، 2025 - 2:48 م

475840 367778I got what you mean ,bookmarked , quite good internet internet site . 228280

Reply
ร้านปริ้นเอกสาร 25 أغسطس، 2025 - 10:58 م

318458 252983Hello! I just wish to give an enormous thumbs up for the good details you may have appropriate here on this post. I can be coming again to your weblog for more soon. 647503

Reply
check here 9 أكتوبر، 2025 - 7:02 م

578259 178881I like this site very a lot so considerably outstanding info. 674923

Reply
Uuodiyala 7 ديسمبر، 2025 - 7:24 ص

152403 89693I recognize there is a superb deal of spam on this internet site. Do you need to have aid cleaning them up? I may assist in between courses! 616054

Reply

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA'S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE EPUBLISHING NEWS - MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS - Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

TOP NEWS

الإعلام الإسرائيلي يكشف ملامح صفقة الأسرى والهدنة

by admin

توصية أميركية بحصول كبار السن على جرعة أخرى من لقاحات كورونا

by admin

اتفاق محتمل للأطراف الليبية يهدد مصير حكومة الدبيبة

by admin

زاو ووكي فنان التجليات البصرية الروحية

by admin

لماذا لا تدرّس الجامعات العربية علم الجمال؟

by admin

حملة لـ”كسر الصمت” حيال التحرش داخل أماكن العمل في الأردن

by admin

الجراحة الروبوتية ثورة في عالم الطب تبشر ببزوغ عصر جديد

by admin

عودة ثنائية “دي بروين – هالاند” الأكثر رعبا في أوروبا

by admin

زيدان على رأس أهداف مالك مانشستر يونايتد الجديد لخلافة تن هاغ

by admin

Retour du visa pour les visiteurs mexicains au Canada

by admin
Facebook Twitter Youtube
Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili