الأحد, مارس 8, 2026
الأحد, مارس 8, 2026
Home » عبد الرَّحمن بسيسو : قَبْوٌ وَقُبَّة (2)

عبد الرَّحمن بسيسو : قَبْوٌ وَقُبَّة (2)

by admin

“الْعَربُ يَقْبَعُونَ فِي دَيَامِيْسِ أَقْبِيَةٍ مُعْتِمَةٍ بِلَا قَرارْ، وَعَلى مُثَقَّفِيهِم الْحَقِيقِيِّينَ، الْمُنتْتَمِينَ الأَوْفِيَاءْ، وَاجِبُ جَعْلِهَا قِبَابَاً مُنِيْرة”

(2)

نَحْنُ لَمْ نُعْمِل العَقْلَ!

“نَحْنُ لَمْ نُحْسِنَ اختيار الطَّريق المُفْضِي إِلَى الخُرُوج من دَيَامِيسِ الْأَقْبِيَة السَّوْدَاءِ لإِطْلَاقِ مَسِيرَة نُهُوضٍ حَضَاريٍّ تَحْمِلُنَا إِلَى فَضَاءَاتِ القِبَاب المُنِيرة، وَذَلِكَ لِأنَّنَا، بِإِيْجَازٍ قَاطِعٍ، لَمْ نُعْمِلِ العَقْلَ!”

 

لَئِنْ قِيلَ إِنَّ الْحُرِّيَّة هِيَ ‘‘الزَّبَرْجَدَةُ الخَضْرَاءُ‘‘ الَّتِي إِلَيْهَا تَتَلَهَّفُ قُلُوبُ الْبَشَر، وَهِيَ “الْقَلْبُ” المُرَادُ إِنْعَاشَهُ لِيُنْبِضَ ِفي حَيَاة النَّاسِ، مُجَدِّدَاً، دَمَ الْحَيَاة، ورُوحَ الْإِبْدَاع الْإنْسَانِيّ، والتَّجَدُّد الْخَلَّاق، فَإِنَّ طَرَائِقَ السَّعْي الْإنْسَانِيِّ للعُثُورِ عَلَى هَذِهِ الزَّبَرْجَدةِ المُنِيرَة قَدْ تَعَدَّدَت سُبُلاً، فَأَنَارَ السَّعْيُ إِلَيْهَا عُقُولَ السَّاعين، وأَلْهَبَ قُلُوبَهُمْ وضَمَائِرَهُمْ وخَطْوَهُمْ، بقدر مَا أَدْمَى أقدامهم السَّائرة فَوْقَ أشواك لَمْ يكفَّ أعداءُ الْحُرِّيَّة؛ الغَازُونَ الْمُسْتَعْمِرونَ وأشياعهم المُسْتَبِدُّونَ المحلِّيون عَلَى تَنَوُّع أضرابهم، عَن غرسها فِي ذَلِكَ الطَّريق المُتَشَعِّبِ الصَّعب الَّذي عَبَرَهُ كُتَّابٌ ومُفَكِّرون ومُبْدِعُونَ ومُنَاضِلُونَ سِيَاسيُّون، وفَاعِلُون اجتماعيُّون، وقادةٌ وطَنِيُّون، تعدَّدت طُرُقُ بحثهم، وتنوَّعت مَشَارِبُهُم الفِكْريَّة، وتَغَايَرت عَقَائِدُهُم، غَيْر أَنَّهُم توحَّدوا فِي الهَدَفِ، وأَضَاءَتْ بَصَائِرَهم أَنْوَارُ الْبَحْث عَنْ مَنَابِعَ أَنْوَارٍ تُضِيءُ الدَّيَامِيسَ.

وَيَبْدُو أنَّهُ مَا كَانَ لبصيص تِلْكَ الأَنْوَار أنْ يُبرقَ إِلَّا فِي سياق حركة تنويرٍ فِكْريِّ وثقافيٍّ واجتماعيٍّ وسياسيٍّ تتعدَّدُ أوجهها، وتتشعَّبُ مَسَارَاتِهَا، وتتحرَّكُ فِي جَمِيْع بلاد الْعَرَب، عُمقاً وامتداداً، وتفصيلاً إدراكِيَّاً عميقاً ومُؤَصَّلاً، يُحَدِّد القواسم المُشتركة، ويُدركُ التَّنَوُّع والتَّباين، وَذَلِكَ عَلَى نحوٍ موضوعيٍّ مُترابطٍ ومُتشابكٍ يتأسَّسُ، مُنْذُ البِدْءِ، عَلَى تحليل عميق لـِمُكَوِّنَات “الْوَاقِع الْقَائِم” كَيْ يستنبطَ، وِفْقَ رؤيةٍ مُسْتَقْبَلِيةٍ مُؤصَّلةٍ تَمَّتْ بلورتها فِي السِّياقِ نَفْسهُ، مَلَامِحَ “الْوَاقِع المُمْكِن” عَبْرَ إدْرَاك مَا يَنْبَغِي استئصاله تماماً، أَوْ التَّخَلِّي عَنْهُ نهائِيَّاً، من مُكَوِّنَات “الْوَاقِع الْقَائِم” الرَّاسِخَة فِي الْأَزْمِنَةِ والمجتمعاتِ والعُقُول المُكبَّلة بِأَنْظِمَةِ التَّابُو، وعبر اسْتِدْعَاء مَا يُوجِبُ العَقْلُ المُتَفَتِّحُ المُسْتَنِيرُ استدعاؤهُ من فَضَاءاتِ مُسْتَقْبَل مَفْتُوحٍ عَلَى التَّقدُّم الحَضَاريِّ، والْكَمَالِ الْإنْسَانِيّ، وصَيرُورة الْحَيَاة فِي شَتَّى مَدَارَات الْوُجُود.

وَيَبْدُو جَليَّاً الْآنَ، أنَّ مَا كَانَتْ عُيُون الأجيال العربيَّة المُتَعَاقِبَةِ عَلَى مدار مَا يربو عَلَى الألف عامٍ ونيِّفٍ قَدْ لمحتهُ من بصيص نُورٍ نَهْضَويٍّ أبرقَ هُنَا أَوْ هُنَاكَ، فِي هَذَا الحيِّز أَوْ فِي ذاكَ الحيِّزِ من بلاد الْعَرَب، لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَرْقَاً خُلَّبَاً، أَيْ بَرْقَاً زائفاً لَا يعقبة رَعْدٌ، ولا يأْتِي بَعْدَهُ مَطرٌ مُخْصِبٌ، بَلْ يُلازمه سرابٌ يُعزِّز الْوَهَم بوهمٍ سَرابيٍّ يُنْبِئُ بانْبِثَاقُ ربيعٍ سَيَعْقُبُهُ، فَلَا يَعْقُبُهُ، فِي وَاقِع الحَالِ الْعَرَبِيّ الْقَائِمِ مُنْذُ أَلْفِ عَامٍ وأَكْثَرَ، إِلَّا خَرِيفٌ أَخْطَبُوطيٌ لَا يَنِي يَنْسُجُ شِبَاكَهُ الشَّائِكَةَ فِي دَيَامِيسِ أقْبِيَةِ التَّكَلُّسِ ذَاتِ الحُلْكَةِ السَّوْدَاءِ المُطْبِقَة، والرُّطُوبة اللَّزِجةٍ، فَيَتَمدَّدُ ويَرَسَخُ!

وَيَبْدُو جلِيَّاً الْآنَ، وَمِنْ غَيْر إيغالٍ فِي إِعْمَال مُصْطَلَحَاتٍ فَلْسَفِيَّةٍ وفِكْرِيَّةٍ ذَاتِ امتداداتٍ معرفيَّةٍ، أَوْ اسْتِدْعَاء تصوُّراتٍ، ومُكَوِّنَاتِ آيدْيُولُوجِيَّاتٍ مُتَشَعِّبَةٍ ومُتَبَاينة ومُتَصَارعةٍ، أنَّ الأَمْرَ كُلُّهُ إِنَّمَا يُعُودُ إِلَى أَنَّنَا لَمْ نُحْسِنَ اختيار الطَّريق المُفْضِي إِلَى الخُرُوج من دَيَامِيسِ الْأَقْبِيَة السَّوْدَاءِ لإِطْلَاقِ مَسِيرَة نُهُوضٍ حَضَاريٍّ تَحْمِلُنَا إِلَى فَضَاءَاتِ القِبَاب وسُطُوعِ أَنْوارِ مَنَارَاتِهَا، وَذَلِكَ لِأنَّنَا، بإيجَازٍ قَاطِعٍ، لَمْ نُعْمِلِ العَقْلَ!

نَحْنُ لَمْ نُعْمِلِ الْعَقْلَ حِينَ اكتفينا بِقِراءَةِ سَطْحِ الْوَاقِع الْقَائِم دُونَ الوُلُوج إِلَى أَغْواره الْعَمِيْقَة لاكتشافِ مُكَوِّنَاتِهَا وتَحْلِيلِهَا تَحْلِيلاً نَقْدِيَّاً رَصِيناً بُغْيَةَ الكَشْفِ عَن أَسْبَاب حُلْكَتِهَا، وَإِدْرَاك امْتِدَادَاتِهَا، وتَقَصِّي تَحوُّلات عَلَاقَاتِهَا البَيْنِيَّة، وتَعرُّف تأْثِيْرَاتِهَا وأَبْعَادِهَا، وذَلِكَ تَأْسِيسَاً لاتِّخَاذِ موقفٍ نَقْديٍّ جَذْريٍّ حَاسِمٍ، نِهَائيٍّ وقَاطِع، بِشَأْنِ العَلَاقَة مَعْ كُلِّ مُكَوِّن من مُكَوِّنَاتِهَا: أَخْذَاً لَهُ أَوْ تَرْكاً، تَواصُلاً مُتَفَاعِلاً مَعَهُ أَوْ قَطْعَاً نهائيَّاً جَازِماً!

نَحْنُ لَمْ نُعْمِلِ الْعَقْلَ حِينَ مَلَأْنَا عُقُولَنَا بتَصَوُّرٍ زَائِفٍ جَعَلْنَاهُ عَقِيدةً تَقُول إنَّ فِي الثَّباتِ والقُعُود عَنِ الْإِبْدَاعِ وَالْفِعْلِ خُلُودَاً، وإنَّ الصيَّرورةَ الحقَّةَ إِنَّمَا تكونُ فِي العَوْدِ الأَبَدِيِّ إِلَى أَبْعَدِ نُقْطَةٍ تَقَعُ فِي مَاضٍ بَعِيدٍ مَضَى وانْقَضَى وكَانَتْ هِيَ، فِي التَّصَوُّر السُّكُونِيِّ الجَامِد، لَحْظَة مَيلَادِ أَسْمَى تَحَقُّقٍ وُجُودِيٍّ يُمْكِنُ لِلْبَشَرِيَّة بِأَسْرِهَا أنْ تَصِلَ إِلَى أَدْنَى قَدْرٍ من كَمَالهِ فِي سَعْيِهَا اللَّاهب نَحْو اسْتِعَادَةِ إنْسَانِيَّتِهَا الْمَفْقُودَة، وَحِيَازة مَرَاتِبِ سُمُوِّها، وتَجْلِيَةِ نُبْلِ مَقَاصِدِهَا عَبْرَ تَأْكِيدِ حُسْنِ إِصْغَائِهَا إِلَى وصَايَا مُنَزَّلَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، وتَجْسِيدِ عُمْقِ الْتِزَامِهَا بِهَذِهِ الوَصَايَا عَلَى نَحْوٍ يُرسِّخُ حَمِيمِيَّةَ عَلَاقَتِهَا، كَبَشَريَّةٍ مُؤْمِنَةٍ، بالإِلَهِ!

نَحْنُ لَمْ نُعْمِلِ الْعَقْلَ حِينَ ارْتَضَينَا أنْ نَسْجِنَ أَنْفُسَنَا، ضَمَائرَ وعُقُولاً وَوُجْدَانَاتٍ وأَفْكَاراً وأَحَاسِيسَ ومَشَاعِرَ وآفاقَ تأمُّلٍ وخَيَالٍ، فِي أقْبِيَةِ “المُقدَّس” و”المُحَرَّم” و”الْمَحْظُور” الَّتِي مدَّدَتْهَا أَنْظِمةُ الاسْتِعْمَارِ والاسْتِغْلَالِ وَالاسْتِبْدَاد وآيدْيُولُوجِيَّاتهَا الظَّلَامِيَّة العَمْيَاء فِي حَيَاة مُجْتَمَعَاتِنَا وتَاريخِنَا، ورسَّخَتْ المُمَارسَةُ المُزْمِنَةُ والمُتَراكِبَةُ حُضُورَهَا التَّكلُّسيِّ العَفِن فِي أَنْسِجَةِ هَذِهِ الْمُجْتَمَعَات ومُكوِّناتِ ثَقَافَاتِهَا، وفِي ثَنَايَا عُقُولِ النَّاسِ غَيرِ المُعْمَلَةِ، وَفِي أَطْوَاءِ وَعْيِهمِ الزَّائفِ، وطِيَّاتِ ضَمَائِرِهِم الْغَافِيَة!

نَحْنُ لَمْ نُعْمِلِ الْعَقْلَ حِينَ اعْتَقَدْنَا، واهِمينَ بالطَّبعِ ومُنْقَسِمِينَ عَلَى أَنْفُسنَا وغَافِلِينَ عمَّا يُحِيطُ بِنَا، أَوْ يُحَاكُ لِنا مُسْتَهْدِفَاً وجُودَنَا، أنَّ مُسْتَقْبَلَ وطَنِنِا، ومُسْتَقْبَلَ أُمَّتِنَا، ومُسْتَقْبَلَ وُجُودِ أَجْيَالَنَا الأَتِيَةُ مِنَ المُسْتَقْبَل، لَا يَكُون فَضِيلَاً وَسَامِيَاً ومُشْرِقَاً وسَعِيْدَاً، إنْ نَحْنُ لَمْ نَسْتَدعِ صُورةَ مُسْتَقْبَلٍ يَخُصُّنا تَسْكُنُ مَاضِي التَّاريخِ والحَضَارة، وَلَمْ تَزَلْ أَطْيَافُهُا الشَّبِحِيِّةُ تَقْطُنُ أَعْطافَ ذَاكِرَتِنا المُشَوَّشةِ المُفْعَمَةِ بِحَنِينٍ لاهبٍ إلى مَاضٍ تَسْتَحِيلُ اسْتِعادتُهُ، أَوْ تَتَبَدَّى فِي صُورة حَاضرٍ قائمٍ الْآنَ تُبْصِرهُ أَعْيُنُنَا الخَفْشَاءُ فِي وَاقِع الْآخَر الْمُخْتَلِف، ولا سِيَّمَا الأُوروبيّ أَوْ الأَمْرِيكِيىّ، وَذَلِكَ لِأنَّنَا مَسْكُونُونَ بالقُعُود والعَجْزِ الْمَهِيضِ، وبِفِكْرَةٍ بَاتَتْ عَقِيدَةً تَقُول إنَّ المُسْتَقْبَل لَا يأْتِي من المُسْتَقْبَل، بَلْ من مَاضٍ بَعِيدٍ لَمْ يَعُدْ قَائِمَاً إِلَّا عَبْرَ امْتَدَادَاتِهِ السَّالبَة في الحَاضِر، أَوْ مِنْ حَاضِرٍ قَريبٍ قَائمٍ الْآنَ فِي أَماكِنَ أُخْرَى، ولَدَى شُعُوبٍ وأُمَمٍ أُخْرى، مُتَحَضِّرَةٍ وَوَثَّابةٍ فِي خَطْوِهَا الوَاثِقِ صَوْبَ مُسْتَقْبَلٍ تُدْركُ أنَّهُ لَا يأْتِيَ إِلَّا مِنَ المُسْتَقْبَل الَّذي لَا يَأْتِي بِهِ إِلَّا الْفِعْلُ الْإنْسَانِيُّ الْمُتَضَافِرُ الْخَلَّاقْ!

 

لِذَلِكَ كُلِّهِ، ولُمعْطَياتٍ ومُسَوِّغَاتٍ وعَوامِلَ أُخْرى تُؤَسِّسُ لانْبِثَاقِهِ، أَوْ تَنْبَثِقُ، مُتَفَرِّعةً، عَنْهُ؛ نَحْنُ لَمْ نُعْمِلِ الْعَقْلَ!

عبد الرَّحمن بسيسو

عبد الرحمن بسيسو : قَبْوٌ وَ قُبَّة (1)

You may also like

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00