ثقافة و فنونعربي “رعب في الطرقات” لإيليا كازان: سباق مع الزمن والفيروس by admin 18 مايو، 2020 written by admin 18 مايو، 2020 123 حين طاردت السينما مُصابَين يحملان الوباء في نيو أورلينز الأميركية اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب لنتخيّل أنفسنا في مدينة أميركية بائسة تعيش من المشكلات ما يمنعها من أن تعرف لا راحة البال ولا الطمأنينة في حدودها الدنيا. ولنتخيّل هذه المدينة واقعة تحت ربقة الصراع المتواصل بين رجال العصابات ورجال الشرطة الذين يمكننا أن نفهم ارتباط بعضهم برجال العصابات. ولنضف إلى هذه الصورة شرطيّاً شريفاً، كالعادة، يتحرك وحيداً من ناحية تحت ضغط المؤسسة الرسمية غير الراضية عنه، ومن ناحية ثانية تحت رقابة رجال العصابات الذين يريدون بأي حال من الأحوال منعه من القيام بعمله. يعرف متابعو السينما البوليسية الأميركية، لا سيما ما أُنتج منها في سنوات الأربعين والخمسين أيام الأسود والأبيض الرائعة، أن هذه الصورة التي رسمنا خطوطها أول هذا الكلام، تكاد تكون الصورة المعهودة في العدد الأكبر مما يسمى “فيلم نوار” أي سينما الجريمة البوليسية. والآن على سبيل التغيير بعض الشيء لنفترض وجود مجرمَيْن أصيبا بفعل تجارب مختبرية بمرض رئوي قاتل يشبه إلى حد بعيد وباء كورونا، الذي تعانيه البشرية اليوم. اقرأ المزيد ماذا يعني أن يلغي كورونا مهرجان كان السينمائي الأكبر في العالم؟ “بينوكيو” البطل الخشبي يتحدى كورونا خارج صالات السينما بالطبع، الفيلم الذي تخيلناه ونتحدث عنه هنا صُوّر عام 1950 يوم لم يكن فيروس كورونا موجوداً. بل في زمن كانت البشرية قد نسيت فيه ذلك النوع من الأوبئة. لكن إيليا كازان، المبدع السينمائي الهوليوودي من أصول تركية – يونانية فعلها يومها وتخيّل موضوعاً لفيلمه “رعب في الطرقات” إصابة شخصين من مدينة نيو أورلينز بفيروس يتشابه تماماً مع كورونا ويصيب الجهاز التنفسي إصابة قاتلة. ناهيك عن أنه يُعدي بسرعة رهيبة ويتفشى بشكل أسرع، وبالتالي يجب العثور على المصابَيْن مهما كلف الأمر، وإلا فإن الوباء سوف ينتشر في كل مكان بمدينة لا يمكن السلطات أن تفرض عليها أي حظر، ولا تتوافر فيها بعد تلك الوسائل الإعلامية السريعة التي تنبه الناس. الحكاية نفسها قبل 70 عاماً في مواجهة “رعب في الطرقات” نجد أنفسنا أمام وضعية تكاد تنطق بما قد يحدث اليوم في أي مدينة بالعالم، ولكن فيما تبدو الحلول اليوم، رغم قسوتها و”غلاظتها” سهلة إلى حد ما، علينا أن نتخيّل الكارثة التي كانت الأوضاع عليها في عام 1950، حين استنبط كازان ومنتجه سام شبيغل وكاتب السيناريو العامل معه ذلك الموضوع الذي بدا غريباً إلى حد بعيد. وبالنسبة إلينا يبدو اليوم سابقاً زمنه بسبعين عاماً بالتمام والكمال. طبعاً لن ندخل هنا في تفاصيل الحكاية والمطاردة الرهيبة لمصابين بالوباء اختفيا تماماً، وراح الشرطي يبحث عنهما مرتعباً، فيما الشرطة تبحث عنهما لأسباب أخرى ويعرقل ذلك كله مناخ الصراعات على النفوذ في المدينة. “رعب في الشوارع” لإيليا كازان (1950) – (غيتي) ما يهمنا هنا هو ذلك التشابه الجوهري بين الحالتين، وكم كان إيليا كازان مستبقاً الزمن في جعل الجزء الأساس من فيلمه مرتبطاً بموضوع كان خارج كل حساب في ذلك الحين؟. ولنذكر هنا أن كازان، الذي كان يشتغل سينماه، وبشكل استباقيّ أيضاً، على مستوى الواقعية الاجتماعية هو الآتي من المسرح اليساري المرتبط بهموم الناس. فبعد كل شيء من الواضح أن الجانب البوليسي في الفيلم كان أقل جوانبه أهمية بالنسبة إلى مخرج، كان قد حقق أفلامه السابقة انطلاقاً من روايات معروفة، ويستعد الآن للقفز إلى تلك السينما الاجتماعية التي سيرتبط بها اسمه. ناهيك عن ارتباطه خلال المرحلة التالية بشأن أقل مجداً كما سنرى بعد سطور. فايليا كازان عرف كيف يجعل لنفسه مع “رعب في الطرقات” مكانة سينمائية مدهشة من الناحية الفنية؟، وهو الذي سيكون فيلماه التاليان “فيفا زاباتا” و”عربة اسمها الرغبة”. الخيانة والأسئلة الحائرة لن نعرف أبداً كيف استعرض إيليا كازان مسار حياته خلال سنواته الأخيرة قبل أن يرحل عن 94 عاماً. لكننا نعرف أنه قبل عشرين عاماً من رحيله، استعرض أمام الملأ ذلك المسار في كتاب عنوانه “حياتي” يومها. ورغم أن كازان يعتبر من عمالقة فن السينما في العالم، وزاد مساره المهني عن 6 عقود، فإن أحداً من القراء لم يهتم بإنجازاته الفنية، مقدار ما اهتموا بفصل من حياته كان يمكن أن يكون عابراً، لكنه ظل عصياً على العبور. هذا الفصل حدث بداية سنوات الخمسين يوم كان إبداعه السينمائي يقترب من ذروته، ومباشرة بعد إنجازه “رعب في الطرقات”، والنجاح الذي حققته عروضه. يومها وُصم الفنان إلى الأبد، إذ أعلن أمام لجنة “مطاردة السحرة” المكارثية تخليه عن مبادئ الماركسية التي سبق له اعتناقها في الثلاثينيات والأربعينيات، كما وشى برفاق له من “الحمر” الحقيقيين أو المزعومين إبان تلك الحملة. وهي وشاية ظلت هوليوود، وأهل السينما في أوروبا كلها، في حال عجز عن غفرانها. يومذاك، وببساطة، بدلاً من أن يواجه كما فعل دالتون ترامبو وبن بارزمان، وبدلاً من أن يسلك سبيل المنفى كما فعل جوزف لوزاي مثلاً، آثر إيليا كازان الوشاية وكسب رضىا لجنة النشاطات المعادية لأميركا. لكن ذلك لم يفده على الصعيد الإنساني، إذ سرعان ما وجد نفسه منبوذاً من رفاقه السابقين كما من الحياديين، من دون أن يكسب رفاقاً جدداً كانوا بعيدين منه ومن تاريخه السياسي سنوات ضوئية. لكن من الناحية المهنية، وفّر له الأمر موضوعات للكثير من أفلامه التالية، التبس فيها بُعد الندم ببُعد التبرير. ووصل هذا الالتباس إلى ذروته في واحد من أواخر أفلامه، “الزائران” 1971، حيث حكى حكايته مواربة من خلال جندي يشي برفاق له ارتكبوا جريمة في فيتنام، وها هم الآن آتون للانتقام منه. بعده لم يحقق إيليا كازان سوى فيلم واحد أخير هو “آخر العمالقة” 1976، عن رواية لفيتزجيرالد. يراجع فيها موقفه من هوليوود. هنا أيضاً طغى الالتباس من خلال شخصية كاتب سيناريو شيوعي يجابه هوليوود نقابياً. تبرير لا بد منه بيد أن كازان استغرق وقتاً قبل أن ينتقل من اليقين إلى ذلك الالتباس الذي رآه البعض صحياً لديه، إذ إنه بعد الوشاية عام 1951، حقق فيلماً يسخر من جدوى الثورة وهو “فيفا زاباتا”، وآخر يبرر الوشاية تحت ذريعة فساد العمل النقابي ونعني “على رصيف الميناء” 1954. ومع هذا لم تكن كل أفلام كازان منذ ذلك الحين تبريرية أو ملتبسة، بل كان بعضها محطات في تاريخ السينما: “شرقي عدن” 1955، “بيبي دول” 1957، “النهر المتوحش” 1960، ناهيك عن “أميركا أميركا” 1963، و”روعة على العشب” و”التدبير” 1969 أحد آخر أفلامه. والحال إن كازان الذي انصرف إلى الكتابة بعدما توقف عن الإخراج خلال ربع القرن الأخير من حياته، استعاد في بعض أفلامه الأخيرة خيط الإبداع الذي كان ربطه بماضيه، وهو اليوناني من أصل تركي، المولود تحت اسم الياس كازانجوغلوس في اسطنبول عام 1909 كما يفيدنا. مثلاً، فيلمه الذاتي “أميركا أميركا”. كازان الذي هاجر في صباه إلى أميركا درس في جامعة يال، ثم اجتذبته برودواي، بالتزامن مع الأفكار اليسارية أيام الأزمة الاقتصادية الكبرى. وانضم إلى الفرق المسرحية التقدمية إلى جانب كليفورد أوديتس وحقق أعمالاً لافتة من تأليف آرثر ميلر “موت بائع جوال”، وتنيسي ويليامز، الذي كان ينقل إلى الشاشة مسرحيته الأشهر “عربة اسمها الرغبة” عام 1951، حين انقض عليه المكارثيون فخاف خوفاً من الصعب اليوم فهمه. خوفاً عاش بقية حياته يحاول هو فهمه، من دون أن ينصرف عن فنه، بل حتى عن رغبته في أن يضخ الحياة الفنية بمواهب جديدة، كما فعل حين شارك لي سترسبرغ في تأسيس “استوديو الممثل”، أحد أهم مراكز تعليم الفن الدرامي في العالم. وكان هذا كله كافياً لمنحه قبل أربع سنوات أوسكاراً خاصاً عن مجمل إنجازه السينمائي. المزيد عن: إيليا كازان/كورونا/السينما الأميركية/الجريمة البوليسية/أميركا 11 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post آلان دونو يعلن زوال المفاهيم ورواج السطحية next post السلطات الأمريكية تقول إن محمد الشمراني الضابط السعودي الذي نفذ هجوما في فلوريدا كان يتعاون مع القاعدة You may also like قصيدة «أتذكر السياب»… بين درويش والنقاد 4 أغسطس، 2026 الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 محمد غندور في” اندبندنت عربية”: “عصافير الحرب”… قصة... 3 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في” اندبندنت عربية”: غوته مفكر الشعر... 3 أغسطس، 2026 محمد خان… مخرج الأمكنة الذي لا يصرخ إنما... 3 أغسطس، 2026 الشعر والسينما… العالم كقصيدة تتحرك 3 أغسطس، 2026 موسيقى كَناوة تواصل اكتساح الحياة الفنية في المغرب 2 أغسطس، 2026 11 comments ติดเน็ตบ้าน เอไอเอส 4 أبريل، 2025 - 7:12 ص 554335 433596Woh I like your content , saved to favorites ! . 962121 Reply ที่ดินเขาใหญ่ 12 أبريل، 2025 - 11:15 ص 656157 939288Thank you a great deal for giving everyone an extraordinarily special possiblity to check ideas from here. 596032 Reply สล็อตเกาหลี 21 مايو، 2025 - 9:08 ص 177518 70895magnificent post, really informative. I wonder why the other specialists of this sector do not notice this. You need to continue your writing. Im positive, youve an excellent readers base already! 986960 Reply horren draai kiepraam 22 مايو، 2025 - 6:32 م 500202 212634 very nice post, i undoubtedly really like this site, keep on it 572616 Reply MelBet mobile App download 15 يونيو، 2025 - 2:41 م 250369 542200Safest messages, or a toasts. are usually launched at one point during the wedding but are likely to just be hilarious, humorous to unusual as well. greatest man jokes 23748 Reply pg168 31 يوليو، 2025 - 5:14 ص 347755 177345I want looking at and I believe this site got some truly helpful stuff on it! . 570878 Reply av ซับไทย 6 أغسطس، 2025 - 10:43 ص 717456 745432hello!,I like your writing so much! share we communicate extra approximately your post on AOL? I need an expert in this space to solve my issue. Perhaps that is you! Looking ahead to see you. 199990 Reply best tour 4 سبتمبر، 2025 - 10:09 م 267046 744395Spot on with this write-up, I truly assume this internet site wants much more consideration. probably be once more to read considerably much more, thanks for that info. 45599 Reply pinco apk скачать 13 سبتمبر، 2025 - 5:54 م 643898 879270As I site owner I conceive the content material here is rattling outstanding , thanks for your efforts. 108300 Reply LSM99 25 يناير، 2026 - 4:25 ص 126568 638039I really like your wordpress web template, where would you download it through? 448871 Reply Verloskundigen Kampen 31 يناير، 2026 - 4:39 ص 452090 80691Hey mate, .This was an exceptional post for such a hard subject to speak about. I appear forward to seeing a lot of more excellent posts like this one. Thanks 99821 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.