ثقافة و فنونعربي جوزيه ساراماغو يخوض الحرب في رواية أخيرة ومجهولة by admin 20 ديسمبر، 2020 written by admin 20 ديسمبر، 2020 99 “مَطارد” لم تتخط 70 صفحة لكنها تسائل حتمية العنف ووسائله اندبندنت عربية/ انطوان جوكي حين رحل الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو عن هذه الدنيا عام 2010، ظننا جميعاً أن متعة قراءته التي لا تضاهى، باتت محصورة في الكتب التي نُشرت له وهو حي، واقتنعنا بذلك، نظراً إلى غزارة هذه الكتب التي تتضمن عشرين رواية وثلاث مجموعات قصصية وخمسة نصوص مسرحية وثلاث مجموعات شعرية وسبعة أبحاث، إضافةً إلى دفتر يوميات يقع في ستة مجلدات ضخمة ومئات المقالات. لكن هذا العملاق، الذي حصد جائزة نوبل للآداب عام 1998، ما برح يفاجئنا منذ وفاته بنصوص باهرة وغير متوقعة، آخرها رواية بعنوان “مَطارد” (Hallebardes) كان قد انطلق في كتابتها بضعة أشهر قبل أن توافيه المنية، لكن وفاته حالت دون تجاوزه الفصل الثالث منها. رواية غير منجزة إذاً، لكن هذا لم يمنع دار “سوي” الباريسية من نشر ترجمتها الفرنسية حديثاً، بالتزامن مع صدور نصها الأصلي في لشبونة، نظراً إلى قيمتها الأدبية الأكيدة، والطريقة الطريفة والحاذقة التي اعتمدها ساراماغو فيها لمقاربة موضوع الحرب والتأمل في نتائجها الرهيبة. القصة التي تنتظرنا في هذا العمل، هي قصة محاسب في شركة برتغالية للصناعات العسكرية يدعى أرتور باز سيميدو، يحب عمله إلى حد تبريره ما تنتجه شركته من أسلحة قاتلة من منطلق ضرورة الحروب، على رغم أهوالها. وضعية تكلفه علاقته بزوجته المسالمة، التي تفترق عنه، وتدفعه يوماً إلى مشاهدة فيلم مقتبس من رواية أندريه مالرو “الأمل”، يكتشف فيه أن عمال شركة سلاح تم إعدامهم رمياً بالرصاص خلال الحرب الأهلية الإسبانية بتهمة تخريبهم القذائف التي تنتجها شركتهم. اكتشاف يقلب قدره رأساً على عقب، خصوصاً حين يحاور زوجته في هذا الموضوع. وفعلاً، تقوده المحنة الأخلاقية التي يختبرها إثر مشاهدته هذا الفيلم إلى اتباع نصيحة زوجته، واتخاذ قرار التحقيق داخل شركته في مدى تورطها في الحرب الإسبانية والحرب العالمية الثانية، وكشف هوية الجهات المتقاتلة التي باعت هذه الشركة أسلحة لها وحجم هذه الصفقات. تحقيق يبرره لرب عمله برغبته في مقارنة أرقام المبيعات بين فترة الثلاثينيات والأربعينيات والفترة الراهنة، يؤدي إلى اكتشافات داخل أرشيف الشركة تجعله يتخلى عن قناعاته السابقة، ويتأمل في الحرب باعتبارها نبذاً خطيراً للأخلاق من جانب البشرية. الرواية غير المكتملة (دار سوي – باريس) مآل هذه القصة غير متوافر، لكن المتوافر لحسن الحظ، هو الملاحظات التي خطها ساراماغو على هامش عمله على هذه الرواية، وتتضمن أفكاره حول الطريقة التي كان ينوي فيها ختمها. ملاحظات تحضر في نهاية النص على شكل دفتر يوميات ويسر الكاتب فيها أيضاً بأشياء كثيرة ثمينة حوله، منها أنه لطالما أثارت فضوله حقيقة أن شركات الأسلحة، بخلاف الشركات الأخرى لا تعرف الإضراب، متسائلاً حول مدى مسؤوليتها في الحروب التي وقعت إلى حد اليوم. تساؤل يواجهه بطله ويجازف داخل عمله للإجابة عنه. التشكيك بالحرب في ملاحظة أخرى بتاريخ 26 ديسمبر (كانون الأول) 2009، نقرأ، “شهران من دون كتابة. بهذا المعدل، قد يجهز الكتاب في العام 2020…”. ومع أن ساراماغو نشط إثر هذا الاستنتاج في الكتابة وخط سبعين صفحة من هذه الرواية، لكن وفاته ستة أشهر بعد هذا التاريخ في جزيرة لانزاروت الإسبانية التي كان يقيم فيها، حال مع الأسف دون إنجازه نصها، السياسي بامتياز، الذي أراد صاحب “العمى” و”البصيرة” فيه تمزيق فكرة فائدة الحرب أو ضرورتها، والتشكيك بحتمية العنف المفترضة عبر تعريته الوسائل التي نضعها في تصرفه وتغذيه إلى ما لا نهاية. بالتالي، لا يحتاج القارئ تتمة “مَطارد” للاستمتاع إلى أبعد حد بقراءتها، إذ يحضر ساراماغو كاملاً فيها، بأسلوبه الروائي الشيق والفريد، الذي يعيد فيه ابتكار وظائف علامات الترقيم ويطوّع علم النحو بعبقرية مدهشة، بسرده الأخاذ وطرافته الساحرة المعهودة، بالتزامه النبيل قضايا عصرنا ووضعه الإصبع على مكامن ضعفنا وخلل مجتمعاتنا، وبالتالي على أسباب عذاباتنا، وخصوصاً مهارته في ابتكار شخصيات مؤثرة وشديدة الواقعية، مثل أرتور باز سيميدو، الذي هو عبارة عن مزيج من “كانديد” ومعلمه “بانغلوس” (في حكاية فولتير الفلسفية)، أو عن دون كيخوته راهن نتعلق به لطرافة شخصيته وطبيعة علاقته بزوجته، ولتحقيقه بمثالية ساذجة في موضوع يتجاوزه، شخصية يحثنا عدم اكتمال قصتها إلى تحريك مخيلتنا لسد هذا النقص ومحاولة الإجابة عن الأسئلة التي تراودنا أثناء القراءة، وأبرزها، “إلى أي مدى سيُسمح لأرتور في الذهاب في تحقيقه؟ وفي أي لحظة سيصبح هذا التحقيق مجازفة؟ وهل سيكلفه فضوله حياته؟ وفعلاً، تفتح الصفحات السبعون المتوافرة من الرواية حقل الممكنات كفاية لإثارة مخيلتنا وحثنا على تخمين تتمتها بأنفسنا. مهمة غير صعبة، خصوصاً لمن قرأ روايات ساراماغو السابقة وتآلف مع مشروعه الروائي ومآل قصصه وعِبَرها، علماً أن هذا النص لا يشكل فقط فضاء إصداء لصوت صاحبه فحسب، إذ نصغي فيه أيضاً إلى أصداء متأتية من مراجع أدبية وفنية أخرى، كما أشار إلى ذلك أحد النقاد، مستحضراً أفلام الإثارة (thriller) السياسية التي أخرجها كوستا غافراس، أو روايات الإيطالي ليوناردو سياسيا البوليسية وكتاباته الأخرى. ولا عجب أو مصادفة إذاً في قرار ناشر هذه الرواية استتباعها بنص طويل وضعه الكاتب المحقق في نفوذ المافيات الإيطالية، الإيطالي روبرتو سافيانو، في مناسبة تواري صديقه ساراماغو. نص يمنحنا فيه تأملاً شخصياً ومقلقاً في موضوع “مَطارد”، مبيناً أن لشخصيتها الرئيسة أصناء حقيقيين، أشخاصاً وجدوا أنفسهم في وضعيات حرجة دفعتهم إلى سلوك بطولي، وغالباً ما تعرضوا من جراء ذلك لتهديدات بالقتل، وأحياناً تم اغتيالهم. يبقى أن نشير إلى أن ساراماغو في هذه الرواية، كما في جميع رواياته السابقة، لا يكتفي بإسقاط كلماته بمهارة لصوغ تأمل عميق في موضوعه، بالتالي منح قارئه رأيه فيه، بل يعمد، من خلال جمله الطويلة المحبوكة بفن يملك وحده أسراره، إلى إرشاد هذا القارئ داخل تعرجات فكره المنير من أجل تحذيره من المخاطر، التي تتهدد عالمنا وحثه على الحراك. مخاطر لم تفت صديقه الآخر، الكاتب والرسام الألماني غونتر غراس، الذي أنجز لإكمال نص ساراماغو الأخير سلسلة رسوم حول موضوعي الحرب والعنف، تتوزع داخل صفحات الكتاب. رسوم تعبيرية معتمة وكابوسية توسع حقل خيال سردية “مَطارد” وتعزز وقع خطابها المزيد عن: رواية برتغالية/جائزة نوبل/رواية ناقصة/الحرب/العنفآليات العنف//أندره مالرو 23 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post النزاع الحدودي المخفي بين السودان وإثيوبيا يخرج عن ضوابطه السابقة next post قصة امرأة مكسوة بالحرير والذهب مدفونة في مقبرة لندنية منذ 1600عام You may also like موسيقى كَناوة تواصل اكتساح الحياة الفنية في المغرب 2 أغسطس، 2026 كارين اليان ضاهر في “اندبندنت عربية”: الدبكة اللبنانية…... 2 أغسطس، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: “ملكة القطن”… حقل... 2 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: “يوبيك” رواية فيليب... 2 أغسطس، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: أبرز مسلسلات أغسطس…... 2 أغسطس، 2026 موسى برهومة في “اندبندنت عربية”: جورج وسوف يتمرد... 2 أغسطس، 2026 “بوبية” فيلم جزائري يستلهم العشرية في كوميديا سوداء 1 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: آين راند من... 1 أغسطس، 2026 جمال نعيم في “اندبندنت عربية”: هل تستطيع الحضارات... 1 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: السجال المستعاد حول... 1 أغسطس، 2026 23 comments vreyrolinomit 1 يناير، 2021 - 11:36 ص Hey! Do you use Twitter? I’d like to follow you if that would be ok. I’m definitely enjoying your blog and look forward to new updates. http://www.vreyrolinomit.com/ Reply vreyro linomit 6 يناير، 2021 - 1:23 ص I would like to thank you for the efforts you have put in writing this blog. I’m hoping the same high-grade site post from you in the upcoming as well. Actually your creative writing skills has inspired me to get my own site now. Really the blogging is spreading its wings rapidly. Your write up is a good example of it. http://www.vreyrolinomit.com/ Reply vreyro linomit 8 يناير، 2021 - 2:10 ص There are actually a number of particulars like that to take into consideration. That could be a great level to carry up. I provide the thoughts above as basic inspiration but clearly there are questions just like the one you bring up the place an important thing will probably be working in trustworthy good faith. I don?t know if greatest practices have emerged around things like that, but I’m certain that your job is clearly identified as a fair game. Both boys and girls feel the impact of only a moment’s pleasure, for the remainder of their lives. http://www.vreyrolinomit.com/ Reply vreyrolinomit 18 يناير، 2021 - 1:59 م Neat blog! Is your theme custom made or did you download it from somewhere? A theme like yours with a few simple adjustements would really make my blog shine. Please let me know where you got your theme. Appreciate it http://www.vreyrolinomit.com/ Reply vreyrolinomit 15 فبراير، 2021 - 9:17 م Hey there! I’ve been reading your blog for a long time now and finally got the bravery to go ahead and give you a shout out from Lubbock Texas! Just wanted to mention keep up the fantastic job! http://www.vreyrolinomit.com/ Reply storno brzinol 15 مايو، 2021 - 10:34 م Nice blog here! Also your site quite a bit up fast! What host are you the usage of? Can I get your affiliate link to your host? I desire my site loaded up as fast as yours lol http://www.stornobrzinol.com/ Reply stornobrzinol 23 مايو، 2021 - 1:27 ص Hmm it seems like your site ate my first comment (it was extremely long) so I guess I’ll just sum it up what I wrote and say, I’m thoroughly enjoying your blog. I as well am an aspiring blog blogger but I’m still new to everything. Do you have any tips for inexperienced blog writers? I’d definitely appreciate it. http://www.stornobrzinol.com/ Reply Cabinet of Dr. Jérôme Weinman 21 أغسطس، 2021 - 10:30 ص When I originally commented I clicked the -Notify me when new feedback are added- checkbox and now each time a comment is added I get four emails with the identical comment. Is there any method you’ll be able to remove me from that service? Thanks! https://g.co/kgs/Vq96zj Reply acim 13 فبراير، 2022 - 12:33 م We are a group of volunteers and opening a brand new scheme in our community. Your site provided us with valuable information to paintings on. You’ve done an impressive task and our whole group will probably be thankful to you. https://davidhoffmeister.blogspot.com/ Reply acim 14 فبراير، 2022 - 2:44 ص Hello, Neat post. There’s a problem along with your website in web explorer, could check thisK IE nonetheless is the marketplace chief and a good portion of folks will omit your excellent writing due to this problem. https://a-course-in-miracles.org/a-course-in-miracles/ Reply forever calcium 17 مارس، 2022 - 1:49 م I like this web site because so much utile stuff on here : D. https://www.aloeveraproductsshop.eu/webshop/forever-calcium/ Reply zomenoferidov 23 مارس، 2022 - 5:43 ص Some genuinely nice and utilitarian information on this internet site, besides I conceive the layout has superb features. http://www.zomenoferidov.com/ Reply electric dirt bike 1 أبريل، 2022 - 7:31 م Fantastic website. Lots of helpful information here. I am sending it to a few pals ans also sharing in delicious. And obviously, thanks on your sweat! https://www.ebikebicycle.com Reply abogados derecho urbanistico madrid 13 أبريل، 2022 - 7:21 م I haven’t checked in here for some time since I thought it was getting boring, but the last several posts are great quality so I guess I’ll add you back to my everyday bloglist. You deserve it my friend 🙂 https://vmsabogados.com/abogados-urbanismo/ Reply lucabet 21 فبراير، 2025 - 9:56 ص 599817 903435For some cause the picture just isnt loading appropriately, is at this time there an problem? 721514 Reply ตรวจสอบสลิปโอนเงิน 7 مايو، 2025 - 9:22 م 661424 561531Remarkable blog layout here. Was it hard creating a nice searching website like this? 628050 Reply afrikaanse oorbellen 11 يونيو، 2025 - 6:06 ص 428187 768549hello!,I really like your writing so a lot! 877570 Reply ตรวจสอบสลิปโอนเงิน 9 يوليو، 2025 - 2:23 ص 726123 538625Hello there! I could have sworn Ive been to this blog before but after reading through some of the post I realized its new to me. Anyhow, Im surely pleased I discovered it and Ill be book-marking and checking back frequently! 648532 Reply Debelov 1 أغسطس، 2025 - 9:58 ص 192412 88182Hello. excellent job. I did not anticipate this. This is a splendid articles. Thanks! 617116 Reply белье женское 10 سبتمبر، 2025 - 2:50 م 147918 232153Thanks for the sensible critique. Me and my neighbor were just preparing to do some research about this. We got a grab a book from our location library but I feel I learned a lot more from this post. Im really glad to see such fantastic info being shared freely out there. 387173 Reply sp2s 25 سبتمبر، 2025 - 8:14 ص 916126 567218Thank you for your style connected with motive though this details is certain place a new damper within the sale with tinfoil hats. 294864 Reply บริษัทรับทำเว็บไซต์ 17 أكتوبر، 2025 - 1:34 م 501939 751955Thank you for this. Thats all I can say. You most certainly have created this into something thats eye opening and essential. You clearly know so significantly about the topic, youve covered so a lot of bases. Great stuff from this part of the internet. 340891 Reply Police Man Badges 23 أكتوبر، 2025 - 12:36 ص Such a well-structured and engaging article. Thank you! Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.