ثقافة و فنونعربي التونسي المنصف الوهايبي يستعيد روح الأسلاف شعريا by admin 30 مايو، 2021 written by admin 30 مايو، 2021 366 القصائد المتعددة في أسئلتها وطرق تعبيرها يجمع بينها الاحتفاء بالذاكرة اندبندنت عربية / محمد الغزي لعل القصائد التي ضمتها مختارات المنصف الوهايبي وعنوانها “برزخيات شاعر (دار العائدون، عمّان) يشدها، على اختلاف أسئلتها، وتعدد طرائق التعبير فيها، خيط ناظم هو الاحتفاء بالذاكرة الإبداعية، وبرموزها الكبيرة. فالقارئ يجد القصيدة تنعطف على ذاتها لتتأمل سيرتها أو أسئلتها جامعة بين الإبداع والتأمل في الإبداع جمع تآلف وانسجام. ولم ينشأ هذا النمط من الشعر عن رغبة في التعليم والتوجيه، وإنما نشأ عن اقتناع بأن العمل الشعري هو إحدى مغامرات العقل الذي يعمل ويتأمل ذاته باستمرار. فالقصيدة الحديثة أصبحت في معظم تجلياتها تخبر عن نفسها في ما تخبر عن العالم، وتحيل على ذاتها في ما تحيل على الخارج، على حد عبارة رولان بارت بوظيفة مزدوجة، فهي من هذا المنظور نافذة ومرآة. تشف القصيدة عما يوجد خارجها، وتعكس صورة الناظر فيها، ولا تكف، في مجمل نماذجها، عن التنقل بين نص العالم وعالم النص، ساعية إلى لفت انتباهنا إلى المدلول الذي تشير إليه دوالها من ناحية، وساعية في الوقت نفسه إلى لفت انتباهنا إلى دوالها وحضورها الذاتي. الخروج عن الأعراف ولعل أهم ما يلفت الانتباه في القصيدة التي يكتبها الوهايبي، خروجها المستمر على ما استقر من أعراف لغوية وتقاليد شعرية مؤسسة بذلك “أسلوبها” المخصوص ونبرتها المتفردة. فهذه القصيدة قد تمكنت من توسيع معنى الشعر مستمدة شعريتها وشرعيتها من إيقاعها الخاص، ومن قوة صورها، ومن حضورها الإبداعي، وبعبارة واحدة من الانتهاكات التي طاولت طرائق العبير. هذه الانتهاكات إنما هي استدراج للغة حتى تتحول من مؤسسة جماعية خارجة عن إرادة الشاعر، توجهها وتتحكم فيها، إلى أداة تحرر وانعتاق، وعن طريقها يقول تجربته ويفصح عن عميق رؤاه. فاللغة في الشعر الحديث، كما يقول جمال الدين بالشيخ، هي مجلى الشاعر وليست محبسه، فهو يتجلى فيها ولا يكتفي بارتدائها، إنه يؤسسها، فاللغة تولد مع كل شاعر ولادة جديدة، والواقع أن الوهايبي ما انفك يعقد من خلال قصائده حواراً مع الأسلاف، أنبياء وشعراء وكتاباً، يستدعيهم، ويصغي إليهم، ويسترفدهم. وهو بذلك يقتفي أثر تيار شعري ظهر منذ أوائل القرن العشرين، يعتبر الشعر حوراً مع الذاكرة الإبداعية، مطلق الذاكرة الإبداعية. فالشعر الحديث، إذا أخذنا بكلام الشاعر عزرا باوند، لا ينبجس من الانفعال وإنما من الثقافة، من الذاكرة التاريخية فـ”ربات الشعر هن بنات الذاكرة”. فإذا احتفى الشعر بالثقافة، يكون قد احتفى بجوهره العميق، “بلاد الماء حيث ولدتُ، لا صارٍ أفك حباله، لا فلك أصنعها وأركبها، ولا بحر ولا مرسى. وليس هناك مجذاف من المطاط في القدمين أمشي كالمسيح على المياه به وأجري، أو أحلق في سباق زوارق، أو برزخ من ضفتين”. غلاف الكتاب وإنه لأمر ذو دلالة أن يقتبس الوهايبي في مقطع من هذه القصيدة، صورة النرد من ملارميه الشاعر الرمزي الفرنسي الذي تخلى عن شعر التجربة والاعتراف والبوح، ومضى يستجلي الطاقة الكامنة في الكلمات يوظفها على نحو جديد. وعبارة النرد التي ترددت لدى عدد من الشعراء على أنها كناية عن الصدفة والمصادفة، أي على أنها عبارة مفعمة بالمعاني الميتافيزيقية، إنما تشير لدى مالارميه إلى صناعة الشعر حيث المبادرة للكلمات. فالعبارة، في نظر هذا الشاعر الفرنسي، تمتلك من القوة والسحر ما لا تمتلكه الأفكار. لهذا استدرك على صديقه الرسام دوغا قائلاً، الشعر لا يكتب بالأفكار وإنما بالكلمات. لهذا لا يمكن أن نفهم قصائد مالارميه من مضمون عباراتها، وإنما من التوتر القائم بين الكلمات، ومن الأصوات الصادرة عنها، ومن طرائق كتابتها، ومن الإيماءات الأسطورية والسحرية التي تنطوي عليها. جهد تأويلي تستسلم قصيدة الوهايبي إلى قارئها بيسر وسماحة، لأنها من القصائد التي تقتضي من القارئ التخلي عن الفهم التقليدي للشعر، كما تقتضي منه أن يبذل جهداً تأويلياً كبيراً حتى يستوعب رموزها، ويُدرك غامض أقنعتها. وبسبب من هذا وجب على القارئ أن يعقد حواراً معها، أن يصغي إلى الأصوات التي تتقاطع داخلها. وعلى عادة شعراء الحداثة يترك الوهايبي المبادرة للكلمات، تتعاطف وتتدافع ويلوي بعضها على بعض، دون أن ينتظمها نسق مخصوص، “الليل يجفل /هذه زرْق الدروب عروقنا نمشي بها / وثنية الأعشاب لي ولها/ وإذ تتحدث الأعشاب، لكنتُها رمال البحر/ غابات الصنوبر/ لي أنا أصوات أشباح”. إن هذه المقاطع تنسخ كل رواسم الشعر وسننه التي ألفنا، فكأن الشعر يعمد إلى محو ذاكرته، لكأنه يقوض كل خصائص جنسه. فسدى نبحث عن الشعر الذي عهدنا في الشعر الذي نقرأ. فالنص هنا لا يعود إلى نفسه بقدر ما يعود عليها ويهدم قائمها، بحيث انتهى مجموعة من الدوال العائمة التي انفصمت عن مدلولاتها حتى باتت أشبه بالرسوم والأشكال. إننا نُدعى في حضرة مدونة الوهايبي إلى أن نستقبل القصيدة بوصفها أجراساً وإيقاعات ومصدر إيحاءات جمة. فالكلمات في هذه القصيدة لا تلفت انتباهنا لما تنطوي عليه من أفكار أو تنقله من تجارب أو تعرضه من مواقف أو تحمله من معان فحسب، وإنما تلفت انتباهنا لحضورها الذاتي، لأصواتها، لظلالها الرمزية والاستعارية. أي إن الشعر هنا لا ينهض بوظيفة الإفصاح عن التجربة فحسب، وإنما يعمد إلى استجلاء الطاقات الكامنة في اللغة، إلى دفعها إلى أقصى ممكناتها، إلى تجديد فعل الخلق الإبداعي باستمرار. لكن الشاعر لا يكتفي بالإشارة إلى مالارميه فحسب، بل يشير إلى عدد كبير من الكتاب والشعراء يستهدي بهم في ليل الكتابة. لا يكتفي الوهايبي باستدعاء الشاعر، بل يستدعي لغته وصوره بحيث يتداخل الصوتان، صوت الشاعر وصوت الشخصية المستدعاة، تداخل التعمية والتسوية والتشابك. ويبلغ هذا التداخل أوجه في قصيدة “تحت مظلة سركون بولص”، حيث استدعى الوهايبي شخصية الشاعر العراقي كما استدعى بعضاً من سيرته، فكرتُ في أن الحياة بطيئة حقاً/ كأول خطوة في الرقص/ بل هي رقصة البوليرو/ أنا بين تاريخين. نولد صدفةً، ونموت أيضاً صدفةً،/ ولربما، يوماً، نَبَتنا في جذوع الهندباء،/ وربما في ساعة مجنونة،/ يَوماً، بزغْنا في بنفسج زهرها/ كركوك تمطرعادةً في مثل هذا الوقت… “. في هذه القصيدة المقنعة، كما يقول جابر عصفور، لسنا إزاء عملية بسيطة يستبدل فيها الصوت المباشر بصوت غير مباشر، ولسنا بالمثل إزاء صوت يوضع فوق صوت آخر، فتكون الشخصية “كناية” يراد بها لازم المعنى مع جواز إرادة المعنى كما يقول البلاغيون القدامى، بل نحن في الحقيقة أمام صوتين متفاعلين، وداخل هذا التفاعل يفقد كل منهما شيئاً من وضعه الأصلي، ويكتسب وضعاً جديداً، ومن ثم دلالات جديدة نتيجة تفاعله مع الطرف الآخر. لم يطمئن الوهايبي في كل مجاميعه الشعرية للغة واحدة يسترفدها، بل كان دائم القلق والتسآل يبحث عن لغة مختلفة تقول تجربته وتفصح عن غائر مشاعره. هذا القلق وذلك التسآل هما اللذان جعلا قصيدة الوهايبي متحولة متغيرة، تسعى باستمرار إلى البحث عن ذرى شعرية وجمالية جديدة. فقصيدة هذا الشاعر لا تتجلى على هيئة واحدة مرتين. كل تجل يذهب بقصيدة قديمة ويأتي بقصيدة جديدة. لهذا تعد كل مجموعة شعرية بمثابة خطوة جديدة في طريق القصيدة التي يحلم بكتابتها الشاعر. ومختاراته الأخيرة “برزخيات شاعر” ليست إلا صورة لهذا التطور، لهذا التوق لكتابة قصيدة مختلفة. فالوهايبي ظل يطور قصيدته باستمرار، يعيد النظر فيها، يشحنها بأسئلة جديدة، ولا غرابة في ذلك بما أن القصيدة رديفة الحياة، ومثل الحياة تفزع القصيدة من التكرار. فالتكرار يقتل اللغة، يبدد قدرتها المبدعة، ويحول القصيدة إلى ركام من الرماد. المزيد عن: شعر/شاعر تونسي/الرمزية/الكلمات/الإيجاز/مالارميه/شعر حر/الوزن 12 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post غضب في الصين جراء حذف الرقابة مشاهد من “فريندز ريونيون” next post إسماعيل الشطي يرصد الثقافة العربية في جذورها العريقة والتاريخية You may also like قصيدة «أتذكر السياب»… بين درويش والنقاد 4 أغسطس، 2026 الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 محمد غندور في” اندبندنت عربية”: “عصافير الحرب”… قصة... 3 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في” اندبندنت عربية”: غوته مفكر الشعر... 3 أغسطس، 2026 محمد خان… مخرج الأمكنة الذي لا يصرخ إنما... 3 أغسطس، 2026 الشعر والسينما… العالم كقصيدة تتحرك 3 أغسطس، 2026 موسيقى كَناوة تواصل اكتساح الحياة الفنية في المغرب 2 أغسطس، 2026 12 comments bauspiel 26 فبراير، 2025 - 7:09 ص 585394 491578We are a group of volunteers and opening a new system in our community. Your internet web site given us with valuable info to function on. Youve done an impressive job and our entire community will be grateful to you. 988919 Reply ที่ดินเขาใหญ่ 12 أبريل، 2025 - 2:21 ص 689172 70202Id must verify with you here. Which isnt something I often do! I enjoy studying a publish that can make folks believe. Also, thanks for permitting me to remark! 607256 Reply pin up casino 14 يونيو، 2025 - 11:48 م 695861 58659I gotta favorite this website it seems handy quite valuable 454929 Reply pin-up aviator apk 19 يوليو، 2025 - 7:31 ص 735525 130893We guarantee authentic brands avoiding inferior commercial imitations, or even dangerous counterfeits. 612226 Reply pgslot168 31 يوليو، 2025 - 12:04 م 800164 292643somehow identified your website when i was kind of stoned. good read 425822 Reply checkslip 24 أغسطس، 2025 - 9:47 ص 670440 160788Also, weblog often and with intriguing material to maintain individuals interested in coming back and checking for updates. 698420 Reply gra Le Bandit w Polsce 12 سبتمبر، 2025 - 1:04 ص 814372 33376Merely a smiling visitor here to share the really like (:, btw fantastic pattern . 871264 Reply ข่าวโลจิสติกส์ 17 أكتوبر، 2025 - 1:05 م 212110 862849Right after study several with the content in your web site now, we genuinely such as your technique of blogging. I bookmarked it to my bookmark internet site list and will also be checking back soon. Pls look at my web-site likewise and make me aware what you believe. 267192 Reply 煙彈 29 أكتوبر، 2025 - 1:55 ص 385308 893379Good post. I be taught one thing more challenging on completely different blogs everyday. It will all of the time be stimulating to learn content material from other writers and apply slightly one thing from their store. Id desire to use some with the content on my blog whether you dont mind. Natually Ill give you a hyperlink on your net weblog. Thanks for sharing. 312812 Reply บริการขอ อย 27 نوفمبر، 2025 - 12:59 ص 289949 261977Great beat ! I would like to apprentice whilst you amend your internet website, how can i subscribe for a blog website? The account helped me a applicable deal. I had been tiny bit acquainted of this your broadcast provided shiny transparent idea. 914962 Reply mawinbet 27 نوفمبر، 2025 - 9:22 ص 47096 44993I just could not go away your website before suggesting that I extremely enjoyed the usual information a person supply to your guests? Is going to be back ceaselessly so that you can inspect new posts. 272071 Reply fruit casino 4 فبراير، 2026 - 12:10 ص 996351 828094This really is a excellent weblog, would you be involved in doing an interview about just how you designed it? If so e-mail me! 891815 Reply Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment.