لودفيغ فون بيتهوفن يعزف على البيانو (الموسوعة البريطانية) ثقافة و فنون إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: سيمفونية بيتهوفن الثامنة تخترق الصمم بالمرح by admin 1 أغسطس، 2026 written by admin 1 أغسطس، 2026 16 حفلت سنوات الموسيقي الكبير الأخيرة بمشكلات صحية وعائلية مستعصية لكنه أنجز خلالها أعظم أعماله اندبمدنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب لا شك أن السنوات الأخيرة من حياة الموسيقي الكبير بيتهوفن كانت من أكثر سنواته صعوبة وظلاماً وامتلاء باليأس. غير أن اللافت فيها أن بيتهوفن، وعلى الأقل في إبداعاته الفنية، لم يستسلم أمام ما قدر له، بل صاغ، على رغم صممه الذي راح يستشري باضطراد، ثلاث سيمفونيات قد لا تكون عظمة اثنتين منها، هما السابعة والثامنة، تضاهي ولو قسماً من عظمة التاسعة والأخيرة، لكنها في مجموعها مثلت نوعاً من تنوع مذهل في مقاربة الفن السيمفوني برمته، فإذا أضفنا إلى هذه الأعمال ما أنتجه المبدع الكبير، في المرحلة نفسها من أعمال أخرى، مثل “رسالة إلى الحبيبة الخالدة” – التي لن يعرف أحد من هي على الإطلاق -، ورباعيات الوتر التي تبقى من أعظم ما لحن موسيقي في هذا المجال، نجدنا أمام مبدع قرر ألا يختم حياته إلا عبر إعادة نظر ليس في فنه الموسيقي وحده، بل في فن الموسيقى في الأزمان والأماكن كافة ليختم ذلك كله بالحركة الأخيرة، الكورالية من “التاسعة” والتي تضم ما يمكن اعتباره أعظم قطعة موسيقية غنائية في تاريخ الفن: “نشيد إلى الفرح” كموسقة لقصيدة شيلر الرائعة. وإذا كان هذا كله يبدو منطقياً من فنان أخذ على نفسه ألا ينتهي إلا بقدر هائل من العظمة، فإن الدهشة الأكبر ستبقى من نصيب سيمفونيته الثامنة، التي تبدو متناقضة مع ذلك المناخ كله. تبدو منتمية إلى زمن يعبق بالحياة والتجديد الربيعي، والتطلع إلى عالم هذا الفن نفسه كتطلع لإنجاز عمل موسيقي، وربما من نوع يبدأ به موسيقي واعد وفائق الموهبة والحساسية والغوص تقنياً حتى، في عالم الموسيقى، حياته مفرغاً فيه كل ما كان قد اختزنه حول الألحان في سنواته السابقة. استنزاف قضائي إذاً، لا شك أن اللافت هو أن السنوات التي كتب فيها بيتهوفن سيمفونياته الثلاث الأخيرة، 1812، للسابعة والثامنة، ثم 1824 للتاسعة، وهي الأخيرة بالطبع، لم تكن سنوات استقرار في حياته، بل كانت من أكثر سنوات تلك الحياة اضطراباً، وهو ما يجعل إنجازاته الفنية فيها أكثر إثارة للإعجاب. في عام 1812 حين انصرف بيتهوفن ليشتغل على سيمفونيتيه السابعة والثامنة معاً تقريباً، كان قد بلغ الثانية والأربعين من عمره. وكان صممه قد تطور كثيراً وإن لم يكن قد بات كاملاً تماماً، وأخذ يدرك أن مستقبله حتى كعازف بيانو على المسرح يوشك أن ينتهي. وهو في تلك السنة أيضاً كتب رسالته الشهيرة إلى “الحبيبة الخالدة” وهي الرسالة التي لم ترسل أبداً بل ما زالت هوية المرأة المقصودة موضع جدل بين المؤرخين حتى اليوم. وهي تكشف على أية حال عن جوانية رجل يعيش حباً عميقاً لكنه يدرك أن ظروفه الشخصية والصحية تجعل تحقيق ذلك الحب مستحيلاً. ثم جاءت السنوات التالية أكثر قسوة. فقد انشغل الفنان في نزاع قضائي مرير للحصول على وصاية ابن أخيه كارل بعد وفاة شقيقه والد الفتى. استمر النزاع حينها سنوات واستنزف أعصاب المبدع ووقته وأمواله، حتى أصبح هاجساً يومياً لديه. كان يعتقد أن من واجبه إنقاذ الصبي من تأثير أمه، لكن تلك الوصاية تحولت إلى عبء نفسي كبير لينتهي لاحقاً بمحاولة كارل الانتحار عام 1826. السيمفونية الثامنة لبيتهوفن بتقديم من أوركسترا برلين الفلهارمونية بقيادة هربرت فون كاراجان (أمازون) الأعوام قبل الأخيرة في تلك الأثناء ازداد الصمم حتى أصبح بيتهوفن في أوائل عشرينيات القرن التاسع عشر، عاجزاً تقريباً عن سماع الموسيقى التي يؤلفها. وأصبح التواصل مع الآخرين يتم عبر ما يعرف بدفتر المحادثة حيث يكتب الآخرون أسئلتهم وتعليقاتهم وملاحظاتهم ليجيبهم هو شفهياً أو كتابة. ومع ذلك لم يتراجع خيال بيتهوفن الموسيقي بل بدا على العكس من ذلك وكأنه قد تحرر أكثر وأكثر من القيود العميقة. وربما لهذا السبب بالتحديد تفصل اثنتا عشرة سنة تقريباً بين السيمفونية الثامنة والتاسعة. لكن بيتهوفن لم يكن عاجزاً عن التلحين، بل كان منشغلاً بأعمال أخرى بلغ في معظمها أوج نضجه الفني على أية حال، والمثال على ذلك، مرة أخرى، السوناتات الأخيرة للبيانو، وتنويعات ديابيلي ثم بخاصة كما أسلفنا، الرباعيات الوترية الأخيرة التي يرى معظم الباحثين أنها من بين أعظم مؤلفات الموسيقى الغربية. وأخيراً، عندما عاد موسيقينا الكبير إلى السيمفونية منتجاً سيمفونيته التاسعة التي لم يكن أحد ليتمنى بالطبع أن تكون الأخيرة، كان من الواضح أنه لا يفكر الآن في مجرد كتابة عمل جديد بل في صياغة رؤية إنسانية شاملة. ولذلك أدخل الكورال للمرة الأولى في تاريخ السيمفونية، واختار قصيدة شيلر ليجعل منها إعلاناً عن الأخوة بين البشر. وعند العرض الأول لهذا العمل الجبار في عام 1824، تقول الحكاية، إن بيتهوفن كان يقف على المسرح يقود الأوركسترا – شكلياً، لأن قائداً آخر كان يقوم بذلك في حقيقة الأمر – لكنه لم يسمع التصفيق الحاد العاصف، فاضطرت إحدى المغنيات إلى أن تمسك بيده وتديره ناحية الجمهور ليرى بعينيه الحفاوة التي استقبل بها. اقرأ المزيد أوبرا بيتهوفن الوحيدة انتهت في سلة المهملات رومان رولان يبحث عن البطولة في “حياة بيتهوفن” إرادة فنية أما بالنسبة إلى السيمفونية الثامنة، فإنها وفي أحوالها كافة، تبدو كاستراحة مضيئة بين عالمين. فهي تأتي بعد السابعة ذات الطاقة الراقصة الجارفة، وقبل التاسعة ذات الأفق الكوني الرحب. لكنها ليست مجرد حلقة انتقالية، بل هي عمل مستقل يثبت أن بيتهوفن كان قادراً حتى في ذروة نضجه على أن يدهش مستمعيه ليس بالقوة وحدها بل أيضاً بالذكاء والمرح والرهافة الفنية. ولا تدعي هذه السيمفونية على أية حال، حمل رسالة فلسفية كبرى ولا تتحدث عن مصير الإنسان، ولا عن الحرية ولا عن الأخوة العالمية. كل ما في الأمر أنها تحتفي بالموسيقى نفسها وبالقدرة على الابتكار داخل الأشكال الكلاسيكية. ومن هنا، إذا كانت السيمفونية التاسعة تنظر إلى المستقبل فاتحة آفاقاً جديدة أمام الموسيقى الرومانسية، فإن السيمفونية الثامنة تنظر بحب إلى التراث الكلاسيكي، لكنها تعيد صياغته بروح بيتهوفنية خاصة. وربما لهذا السبب ظل النقاد زمناً طويلاً يقللون من شأنها مقارنة بقمم سيمفونية أخرى من إبداع بيتهوفن، قبل أن يعيد القرن العشرون الاعتبار إليها بوصفها من أكثر سيمفونيات بيتهوفن إحكاماً من الناحية المعمارية، حتى قال بعض الموسيقيين إن “من يفهم السيمفونية الثامنة يدرك أن عبقرية بيتهوفن لا تكمن فقط في عظمته الدرامية، بل أيضاً في قدرته على تحويل البساطة الظاهرة إلى فن بالغ التعقيد”. المزيد عن: لودفيغ فون بيتهوفن السيمفونية الثامنة الفيلسوف فريدريك شيلر الموسيقى السيمفونية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post عبد الرحمن الراشد في “الشرق الاوسط”: جبهة إيران العراقية next post عبد الكريم الحجراوي في “اندبندنت عربية”: مقاربة بانورامية للنقد الأدبي على مدى 2500 عام You may also like “بوبية” فيلم جزائري يستلهم العشرية في كوميديا سوداء 1 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: آين راند من... 1 أغسطس، 2026 جمال نعيم في “اندبندنت عربية”: هل تستطيع الحضارات... 1 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: السجال المستعاد حول... 1 أغسطس، 2026 عبد الكريم الحجراوي في “اندبندنت عربية”: مقاربة بانورامية... 1 أغسطس، 2026 الرقصات الشعبية في مصر… تمايلات الهوية 31 يوليو، 2026 مصطفى الأنصاري في “اندبندنت عربية”: كيف أيقظت “الأوديسة”... 29 يوليو، 2026 إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: واقعية الخيال في... 29 يوليو، 2026 في “اندبندنت عربية”: مقاهي بغداد تصر على الحياة... 29 يوليو، 2026 مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: أوديسيوس… البطل الهوميري... 29 يوليو، 2026