لوحة "مساء أزرق" لهوبر (متحف ويتني ـ نيويورك) ثقافة و فنون إبراهيم العريس في “اندبندنت عربية”: الأميركي هوبر يذم الفرنسيين ويستلهم فنهم by admin 29 يوليو، 2026 written by admin 29 يوليو، 2026 13 3 رحلات مبكرة إلى فرنسا تركت في مساره الفني وأسلوبه ديناً كبيراً اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب ما هو القاسم المشترك بين تمثال الحرية الواقف بقوة وجبروت عند المدخل البحري لمدينة نيويورك، وبين الرسام الأميركي الكبير إدوارد هوبر؟ ربما يكون الجواب الوحيد الذي يخطر في البال هنا هو: العلاقة مع فرنسا عبر رمزين كبيرين من رموز الحضارة والكينونة الأميركيتين. غير أنه بالكاد يمكن لمن ينظر إلى الأمور في سطحيتها أن يخمن أن ثمة في الواقع علاقة من ذلك النوع. ومع ذلك سرعان ما يستسلم المرء أمام هذه الحقيقة، أول الامر في ما يتعلق بتمثال الحرية بالنظر إلى أن لا بد على الفور من تذكيره بأن التمثال من تصميم ونحت الفرنسي بارتولدي وأنه إنما كان ومنذ البداية نوعاً من هدية مقدمة من الشعب الفرنسي إلى الشعب الأميركي وقد صنع أصلاً في البلد الأوروبي العريق لينقل بعد ذلك بحراً ويصبح الرمز المشع لأميركا وحضارتها. وإذ تسوى على هذا النحو مسألة العلاقة مع فرنسا بالنسبة إلى التمثال، يبقى علينا الانتقال إلى إدوارد هوبر الذي ستبدو الأمور معه أكثر صعوبة، وذلك لأنه هو نفسه أميركي وعوالمه عوالم أميركية وشخوص لوحاته أميركية، وكذلك الحال مع كل تفصيل من تفاصيل أعماله الفنية. غير أن هذا كله لا يمنع من التذكير بأن عليه لفرنسا وفنونها ديوناً اعترف بها دائماً بشكل أو آخر، وتراكمت لديه عبر ثلاث رحلات طويلة قام بها إلى ذلك البلد البعيد باكراً في القرن العشرين. رحلات ستكون ذات تأثير حاسم في فنه. وهو على أية حال واقع عبر عنه من دون مقدمات، معرض بديع أقيم لفن هوبر في مدريد وفي باريس خلال صيف وخريف العام 2012 – 2013 ولقي نجاحاً كبيراً في العاصمتين الأوروبيتين، لكنه كان مفاجئاً، إذ وعلى غير توقع ركز في باريس كما في مدريد على سبر تلك العلاقة الفنية بين الرسام والفنون الفرنسية، والتي حتى الذين كانوا يعرفون الكثير عنها لم يكونوا يمرون بها إلا مرور الكرام. الرحلات الثلاث فالذي حدث هنا هو أن المعرض أخبر زواره في عروضه الرئيسية كما في كاتالوغاته، أسوة بما فعلت المطبوعات الأخرى التي صدرت بالمناسبة، كيف أن هوبر قام بتلك الرحلات الطويلة إلى باريس ثلاث مرات خلال العشرية الأولى من القرن العشرين، أولها في عام 1906 والثانية عام 1909 والثالثة في عام 1910. وهو لئن كان قد عاد من كل تلك الرحلات بتجديد فني وتلويني وحتى في مجال المحتوى ومواضيع بعض اللوحات، كما سنرى بعد سطور، فإن تلك التجديدات تمثلت بخاصة في مجموعة رسائل بعث بها الرسام الشاب من باريس إلى أمه في أميركا، ولا سيما إبان الرحلة الأولى يحدثها فيها عن لقاءاته ومشاهداته، بل يعبر فيها عن نظرة تكاد تكون سلبية إلى فرنسا والفرنسيين، كأن يقول لها بوضوح في واحدة من الرسائل “باريس مدينة جميلة وأنيقة، لكنها تكاد تكون مدينة بوليسية أكثر مما ينبغي، بل حتى أكثر إبهاراً مما أتحمل، مقارنة بالفوضى الضارية التي تعيشها نيويورك. (…) أما الفرنسيون فهم في معظمهم صغار القامة وماكرون. وأنت لا يمكنك أن تري هنا، كما الحال في برودواي مثلاً، شباباً رياضيين ذوي أجسام رياضية نحتت نحتاً، لكننا ندرك بسرعة أنهم قوم جاهزون دائماً لأداء ما يقتضيه الأمر من “خدمات”، على رغم لحاهم الرشيقة وأحذيتهم اللامعة الناعمة”. وعلى رغم هذا الكلام السلبي، بل حتى على رغم مما سيؤكده هوبر نفسه، وعلى الأقل بعد بدء زيارته الباريسية الأولى من أنها لم تترك لديه أية انطباعات فنية، فإن الواقع المتجلي في فنه نفسه سوف يضعنا على احتكاك بالعديد من التأثيرات. إدوارد هوبر (1882- 1967) في بورتريه ذاتي (متحف ويتني ـ نيويورك) … بل تأثيرات مباشرة! لقد زار هوبر في باريس عام 1906 صالون الخريف المقام في القصر الكبير، وهو سيقول إن الزيارة لم تثر حماسته، غير أن لوحات كثيرة له سيرسمها بعد ذلك، سوف تكشف تأثره، المباشر أحياناً والدائم غالباً بعدد من رسامين شاهد أعمالاً لهم في ذلك المعرض، وتحديداً بالعلاقة مع أماكن باريسية محددة التقاها في لوحاتهم: أرصفة نهر السين لدى ألبير ماركيه، المقاهي لدى فنانين كثر، والمواضيع الفنية لدى إدوارد ديغا ووالتر سوكيرت. من دون أن ننسى المواضيع النسائية في لوحات فيليكس فالوتون… غير أن هذه التأثيرات لن تكون ذات شأن بل يمكننا اعتبارها مجرد جزء من استيعاب في الوعي الباطني للفنان الأميركي. وذلك لأن الأهم من ذلك إنما الحضور الفرنسي المباشر في عدد من لوحاته الأكثر أهمية، ومن ذلك حضور شخصية بيارو (أو جيل) منقولة من لوحة جان أنطوان واتو الشهيرة، وأجواء لوحة “المحترف” لغوستاف كوريه في غير عمل له لاحقاً، وبخاصة في لوحته الختامية “وداع الممثلين”. ومع ذلك كله تبقى لدينا هناك من بين أعمال هوبر التي يمكننا أن نصفها باللوحات الفرنسية، واحدة من أهم وأجمل لوحاته، وهي بالتحديد لوحة “المساء الأزرق” التي صحيح أنه رسمها في عام 1914 أي بعد سنوات من زياراته الباريسية، لكنها تكشف عمق وديمومة تأثره بالفن الفرنسي. وربما بصورة أكثر تحديداً بالفن الفرنسي ممتزجاً بتأثيرات آتية من بلدان أوروبية عديدة أخرى. اقرأ المزيد “شبهة الانطباعية” عند إدغار ديغا مزاج الرسام الفرنسي بوسان المتبدل في لوحتين ذاتيتين كاتالوغ باريسي! ففي هذه اللوحة الضخمة (أقل قليلاً من متر ارتفاعاً، وما يصل إلى نحو مترين تقريباً عرضاً، التي أهدتها زوجته جوزفين هوبر لمتحف ويتني النيويوركي بعد إنجازها وموت الرسام نفسه بسنوات طويلة)، في هذه اللوحة لدينا عمل يكاد يكون فرنسياً خالصاً، بتركيبته الشكلية وألوانه والميزانسين الذي تتوزع إليه الشخصيات التي لن يفوت الناظر إلى اللوحة ملاحظة، ليس فقط ملامحها وقاماتها “الفرنسية” تبعاً لما جاء في مواصفات الفنان نفسه، كما وردت في رسالته إلى أمه قبل سطور، بل أيضاً نوعية العلاقة “الفرنسية” بين شخصياتها المتحلقة أصلاً من حول المهرج الأرليكاني بيارو نفسه المستعار من واتو. ويخبرنا دارسو عمل هوبر، أن هذه اللوحة بالذات تتسم بفرادة لا لبس فيها في عمل هذا الفنان الأميركي. وهي، لئن كانت قد رسمت متأخرة فإن عالمها وفكرتها يعودان إلى رحلة عام 1906، وبالتحديد إلى اللحظة الأولى التي وجد فيها هوبر نفسه يتجابه مع لوحات الرسام الفرنسي كوريه ليعثر فيها على “جذور تلك الواقعية التي درسها في نيويورك ولم يخبره أحد أنها تعود إلى أصول فرنسية”. وهكذا حين راح يتأمل في لوحة “المحترف” حيث تتحلق الشخوص من حول كوربيه، ولدت لديه على الأرجح فكرة لوحته “المساء الأزرق”. ولكن بخاصة فكرة أن يجعل من بيدرو ممثلاً له، كما ستكون الحال لاحقاً في لوحة “الوداع”. صحيح أن “المساء الأزرق” ستبقى لوحة فريدة في مسار هوبر لكنها ستظل بشكل أو بآخر نوعاً من بورتريه ذاتي، حيث يوزع هوبر في اللوحة من حول ممثله، شخصيات من طينة أولئك الذين يمثلون مختلف شرائح المجتمع وعالم الفن والسياسة وما شابه ذلك… والحقيقة أن هوبر لو لم يستلهم الفن الفرنسي بتلك الطريقة المباشرة، والرائعة على أية حال، إلا في هذه اللوحة، التي سيسميها البعض تعمداً “مساء باريسي أزرق” لكان ذلك كافياً لتكذيب كل ما قاله من أشياء سلبية حول فن يدين له هو وفنه المقبل بالكثير، لكنه ونقاده المتبرعين آثروا دائماً السكوت عنه حتى كان المعرض المزدوج الباريسي المدريدي الذي كشف عمق دين الرسام الأميركي الكبير للفن الفرنسي. المزيد عن: تمثال الحرية الرسام الأميركي إدوارد هوبر إدوارد ديغا والتر سوكيرت جان أنطوان واتو 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post أزياء ميلانيا ترمب “ثغرة” إيرانية لاغتيال سيدة أميركا الأولى next post مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: أوديسيوس… البطل الهوميري الذي ألهم الأدب العالمي You may also like مارلين كنعان في “اندبندنت عربية”: أوديسيوس… البطل الهوميري... 29 يوليو، 2026 في “اندبندنت عربية”: 13 رواية تتنافس على “البوكر... 29 يوليو، 2026 محمد غندور في “اندبندنت عربية”: من يقين “طروادة”... 29 يوليو، 2026 فاروق يوسف في “الشرق الاوسط”: كاترينا غروس صانعة... 29 يوليو، 2026 شوقي بزيع في “الشرق الاوسط”: هل يمكن للشاعر... 29 يوليو، 2026 محمود الزيباوي في “الشرق الاوسط”: عازفان في لوحة... 29 يوليو، 2026 مهى سلطان في “اندبندنت عربية”: الشاعر شارل شهوان... 28 يوليو، 2026 عبده وازن في “اندبندنت عربية”: زياد الرحباني لم... 28 يوليو، 2026 “المجلة” في ذكرى رحيله الأولى… زياد الرحباني الذي... 28 يوليو، 2026 “سيرانو” لإدمون روستان: عندما يعلّمنا الفن كيف نفكّر 5 فبراير، 2026