ثقافة و فنون إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: كليوباترا… كما نعرفها ولا نعرفها (1 ـ 2) by admin 5 أغسطس، 2026 written by admin 5 أغسطس، 2026 21 ستة أشهر احتفالية باريسية تلقي الأضواء على الحقائق والخرافات حول فاتنة الاسكندرية ملكة مصر اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب من المؤكد أنه لن يفوت كثر أن يخبرونا في الأزمان المقبلة أن تاريخ معهد العالم العربي الباريسي الذي بات يربو الآن على ثلث قرن، لم يعرف نجاحاً يعادل النجاح الذي حققته العروض التي امتدت في قاعاته طوال الشهور الستة الأخيرة من العام الفائت 2025، حيث كرست تلك القاعات لعرض الكثير من الأمور والحكايات والتحف التي تستعيد ذكرى واحدة من تينك المرأتين العظيمتين اللتين شكلت كل منهما على طريقتها، وفي مجالها الخاص، جزءاً أساسياً من تاريخ مدينة الاسكندرية؛ إحداهما بوصفها عالمة ومفكرة، بل واحدة من الفيلسوفات النادرات في تاريخ الفلسفة العالمية، هيباتيا؛ والثانية بوصفها واحدة من أكثر الملكات شهرة في تاريخ البشرية. وطبعاً، في انتظار عودة ما ربما تكون قريبة للاهتمام بفيلسوفة مكتبة الاسكندرية، شهيدة الفكر والتحرر الفكري الخلاّق، كان على عروض معهد العالم العربي طوال الأشهر الستة التي نشير إليها، أن تهتم بالسيدة الكبيرة الأخرى، كليوباترا، التي كانت شهيدة بدورها، إنما هذه المرة شهيدة الحب وصراعات السلطة وتصادم الحضارات في زمن متأخر عن زمن هيباتيا، لكنه عرف كيف يمهد للأزمنة التي نعيشها، ويرفد المبدعين، في أنحاء العالم كافة بمواضيع وحكايات نعرف أنها في معظمها بنيت على أساطير، فكانت العروض الباريسية مناسبة للعودة إلى العديد من الحقائق وإلى صدقية التاريخ الذي نعرف أن الفن قد حرفه إنما بصورة أبدعت للبشرية روايات وأوبرات وأغنيات ولوحات، ثم في القرن العشرين أفلاماً يرقى بعضها إلى مصاف التحف، وإلى السينما النسوية البديعة. وهي أمور نستعرضها في هذه المقالات التي ننشر هنا أولها، والتي نقدم فيها ما يشبه الجردة لما أضافته العروض الأخيرة لحكاية كليوباترا وحكايتنا مع كليوباترا. ونبدأ هنا بالطبع من تساؤل أساسي، طرح في ثنايا المعرض حول: أين الحقيقة؟ وأين الخيال؟ في أسطورة تلك الملكة التي غناها محمد عبد الوهاب بين آخرين، كما لم تغن امرأة أخرى في زمنه وزمنهم. ملصق المعرض الباريسي (موقع معهد العالم العربي) “خزعبلات” بلوتارخ على رغم الغنى والتنوع الكبير اللذين هيمنا على المعرض الباريسي كان واضحاً أن سؤال الحقيقة والخيال، كان السؤال الأساسي المطروح في المناسبة، وهو طرح جعل المؤرخ اللاتيني بلوتارخ، والصفحات التي كرسها لكليوباترا في مؤلفه العمدة “السير”، على المحك؛ إذ من المعروف أن بلوتارخ، وعلى رغم مئات بل ألوف النصوص والنتاجات الأخرى، إبداعية كانت أم تاريخية، التي تناولت حكاية كليوباترا، كان هو، المعتمد الأساسي في تناقل حكاية تلك الملكة المصرية. وبالتالي كان السؤال الأساسي المطروح: كم كانت حصة الواقع التاريخي وحصة المخيلة الابتكارية، في ما كتبه بلوتارخ عن كليوباترا، فاستعاده المؤرخون والمبدعون من بعده، ولا يزالون يفعلون حتى الآن، إنما بشكل يجعل لكل واحد منهم بل لكل واحد من متلقيهم حتى، كليوباتراه الخاصة به؟ والحال أن الذي لا بد أن نسارع إلى قوله هنا هو أن حصة المخيلة كانت أضعاف حصة الواقع التاريخي، ومنذ ما دونها بلوتارخ بالتحديد. وهو أمر يصل بنا إلى حدود القول إن كليوباترا التي نعرفها اليوم، إنما كانت أولاً وأخيراً من اختراع ذلك المؤرخ اللاتيني الذي، مع ذلك، ليس ثمة في كتابه قسم خاص بها، بل صفحات و”خبريات” موزعة على الفصول المكرسة للكبار الذين عايشوها أو أغرموا بها أو حاربوها، وعلى رأسهم بالطبع أنطونيو وقيصر ومن حكم وقاتل ومارس شتى أنواع الموبقات والمآثر في زمنهما، وصولاً إلى تلك اللحظة التي شهدت موت كليوباترا بالسم الذي حضرته بنفسها، في لعبة خيمياء مصرية عبرت التاريخ ناشرة لعنة الحكم ولعنات الغرام ولعنة أن تكون الملكة امرأة، وأكثر من ذلك امرأة ذات طموح في ذلك الزمن، وربما في الأزمان كافة. معلومات أساسية من هنا إذاً، يمكننا أن نؤكد اليوم أن الأساسي الذي نعرفه عن كليوباترا، كما عرفه التاريخ من قبلنا، إنما أتى من كتاب بلوتارخ وعنوانه الأصلي “سير متوازية”. وفيه كما نوهنا، اختلطت الحقائق القليلة بالخرافات المتراكمة، وذلك بالتحديد لأن المؤرخين الحقيقيين لا تتوافر لهم أية معلومات موثقة حول الموضوع. فالمدونات حول كليوباترا قليلة جداً، بل إن من بينها ما قد ينفي وجودها أصلاً. أما الفقرات المتداولة عنها فمتجزئة وتفتقر إلى أي يقين. ما يعني، كما جاء في ثنايا مطبوعات المعرض الباريسي، أنها وفي معظم تفاصيلها إنما كتبت في أزمنة لاحقة متأخرة عن زمن الملكة نفسها، وبعد عقود بل قرون ربما، من موتها، وهو ما لا يضمن لا عمق معرفتها بالحقائق التاريخية ولا عمق موضوعيتها. وهو ما ينطبق بالطبع حتى على ما نجده في “سير” بلوتارخ. ومن هنا، حتى إذا كان في إمكان المؤرخين، بل حتى المبدعين، أن يرجعوا إلى مؤلفات سويتون في كتابه “حياة 12 قيصراً” أو إبيان في كتابه “الحرب الأهلية” فإن الأمر سيبدو شيقاً لكنه غير مؤكد في أية صفحة من الصفحات. والقول هذا ينطبق على ما يحكيه كاشيوس في تاريخه الروماني الذي كتب بعد قرنين من موت الملكة وغلبت عليه الفصاحة من دون أن تكون للواقع التاريخي حصة مقنعة فيه. وفي المقابل، حتى ولو وجدنا لدى معاصرين لكليوباترا، ذكراً له سنجدهم كما حال شيرون، يصارحوننا بأنهم أصلاً كانوا يمقتونها، أو يسخرون من تاريخها كما يفعل فلافيوس جوزيف! والحال أن كل هذا يذكرنا به كتاب الدراسات والصفحات التي صدرت لمناسبة المعرض الباريسي، ولكن ليعيدونا إلى بلوتارخ بوصفه الوحيد، ليس الذي يجب اعتماده، بل الذي لن نجد من نعتمده سواه. اقرأ المزيد “كليوباترا اللغز” يكشف عن المرأة والأم والملكة المتفانية عندما تمسي كليوباترا العاشقة المصرية شخصية كنعانية الأسئلة الحائرة ولعل ما يمكن التوقف عنده إذ نجاري تلك الاستعادة هنا، حتى وإن كنا لا ننوي اعتمادها، هو تلك الأسئلة السبعة التي انطرحت في نهاية الأمر، من خلال زحام المعرض وفي صخب القاعات والزوار والسجالات. الأسئلة التي يمكنها، حتى من دون أن نعثر على إجابات شافية لها، أن تشكل في تراكمها خلال هذه المناسبة الفريدة من نوعها، نوعاً من إعادة نظر يبدو البحث عن إجابات لها لعبة مستحبة ويمكن لمن يشاء، هنا، أن ينقب عن تفاصيلها لدى بلوتارخ إنما من دون أن يصدقها كوقائع تاريخية، بل كخلفية للكيفية التي تكونت بها تلك “الأسطورة”، التي بات من عادتنا منذ الأزمنة العميقة أن نتعامل معها بالنسبة إلى الحكاية المتعلقة بملكة أدهشتنا دائماً، نحن الذين نعرف أننا حين ندهش أمام شيء ما، سيكون من غير المفيد البحث عن حقيقته. ولعل أول هذه الأسئلة ذلك المتعلق بما إذا كان ثمة حقاً أخوات لكليوباترا عرفهن التاريخ؟ أما الثاني فيتعلق بالنهاية التي اختارتها لنفسها: هل كان صحيحاً أن الاهتمام بالسموم وتركيبها كان جزءاً من هواياتها ومن تركيبها الذهني؟ ثم، وفي مجال فلسفة الحكم هل تمثلت كليوباترا حقاً يا ترى بسير كبيرات الملكات الفرعونيات في مصر من سابقاتها، من مثيلات نفرتيتي وحتشبسوت؟ وهل تراها في معركة اكتيوما الحاسمة، قد غدرت بأنطوني حقاً؟ ثم ماذا عن أبنائها وما الذي غدا عليه مصيرهم؟ وبالنسبة إليها هي نفسها، هل تراها انتحرت في نهاية الأمر حقاً أم أن حكاية الانتحار جزء من الأسطورة لا أكثر؟ وأخيراً: أين تراها دفنت؟ ولماذا لم يعرف التاريخ قبراً لها؟ وهي الأسئلة التي سنعود إليها غداً، إنما انطلاقاً من الحدث الباريسي بالطبع. المزيد عن: معهد العالم العربي في باريس الملكة كليوباترا المؤرخ اللاتيني بلوتارخ الاسكندرية اقرأها واسمعها 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post كوبا تغرق في الظلام مجددا والاستياء الشعبي يتصاعد next post واشنطن تلغي تأشيرة سفيرة البرازيل لديها You may also like أنطوان أبو زيد في”اندبندنت عربية”: حازم صاغية يستعيد... 5 أغسطس، 2026 مئة عام على ميلاد البياتي… و27 سنة على... 4 أغسطس، 2026 قصيدة «أتذكر السياب»… بين درويش والنقاد 4 أغسطس، 2026 الرحالة فولني جاب المشرق العربي ودوّن انطباعاته 4 أغسطس، 2026 بطلة رواية “عام اللؤلؤ” تفضل مارلين مونرو على... 4 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في”اندبندنت عربية”: سيلين المتأرجح في بلده:... 4 أغسطس، 2026 مارلين كنعان في” اندبندنت عربية”: استعادة ليون الأفريقي... 3 أغسطس، 2026 محمد غندور في” اندبندنت عربية”: “عصافير الحرب”… قصة... 3 أغسطس، 2026 إبراهيم العريس في” اندبندنت عربية”: غوته مفكر الشعر... 3 أغسطس، 2026 محمد خان… مخرج الأمكنة الذي لا يصرخ إنما... 3 أغسطس، 2026