جون ويليام ووترهاوس (1849 - 1917) (أكاديمية الفنون الملكية ـ لندن) Uncategorizedثقافة و فنون هل دفع ووترهاوس من مكانته ثمن ثقافته الفائضة؟ by admin 17 سبتمبر، 2025 written by admin 17 سبتمبر، 2025 117 رسام المواضيع “المفهومية” وضع التعبير الفني في خدمة التاريخ والأدب والفك اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب لا ريب أن من سوء طالع الرسام البريطاني – الإيطالي جون ويليام ووترهاوس (1849 – 1917) أنه من ناحية “فكر” أكثر من اللازم في ما كان يشتغل طوال ما يزيد على ثلث قرن من حياته على لوحاته التي تنتسب كلياً إلى تيار الماقبل رافائيليين الذي شغل الحياة الثقافية البريطانية طوال القرن الـ19 ونال مساندة الفنان الناقد جون راسكين المطلقة، ومن ناحية ثانية حين رحل عن عالمنا في زمن كانت فيه بريطانيا مشغولة بالحرب العالمية الثانية وبخطوات هائلة غايتها ابتلاع العالم بحيث لم تلتفت إلى رحيل فنان كان سيئ التصرف على أية حال في مضمار الترويج لنفسه ولفنه. وإلى ذلك من المؤكد أن العالم الفني سيكون بعد ذلك من الجحود إلى درجة يندر معها ذكر هذا الفنان ذكراً يستحقه حين يجري الحديث عن التيار الفني المذكور الذي كانت مساهمة ووترهاوس في نقله من إيطاليا إلى بريطانيا بالغة الأهمية أسوة بما فعل البريطاني الآخر دانتي روزيتي، الذي يعد عادة أشهر الماقبل رافائيليين وأكثرهم صوغاً لقواعد فنه التي يمكن اختصارها بالعودة بالفن إلى كلاسيكية ما قبل رافائيل النهضوي واستلهام الأعمال المسرحية والأساطير والحكايات التاريخية في لوحات ترفض أشكال الحداثة الأخرى لتلتقي مع الانطباعية الفرنسية في تعلقها بالطبيعة والتلوين الباهر. والحقيقة أن الأسى يغمر الكاتب وهو يحاول الحديث عن ووترهاوس ليكتشف مدى الظلم التاريخي الواقع عليه ممثلاً في غيابه عن المعارض كما عن الموسوعات وكتب التاريخ التي نادراً ما أتت على ذكره. ومع ذلك حسبنا، كما نفعل هنا، أن نتأمل أي عمل من أعمال هذا الفنان لاكتشافه واكتشاف فنه والتساؤل عما إذا لم يكن الوقت قد حان لوضعه في مكانه الطبيعي: مكان متقدم في خريطة الفنون الإنجليزية في القرن الـ19. من وحي عودة يوليسيس والعمل الذي نراه هنا مناسباً لتجديد الاهتمام بووترهاوس هو لوحته المعنونة “سيرسيه تقدم الكأس ليوليسيس” التي رسمها الفنان في عام 1891 فلفتت أنظار زائري المعرض الذي شاركت به في الأكاديمية البريطانية ولكن إلى حين. فهي كالعادة، وقعت ضحية موضوعها وراح الحديث بصددها يتحول من الأبعاد الفنية الغامرة التي حققها ووترهاوس عبرها، إلى كونها عملاً يعبر عن فصل من فصول حكاية يوليسيس. ونعرف طبعاً كم أن كل حكايات يوليسيس كانت تحمل إغراءاتها وقوتها في ذلك الزمن، كما في كل زمن على أية حال، وهو أمر يخرج عن استطاعة الفنان أو أي فنان في مجال فرض فنه على تلك الشخصية حين يسلمها بطولة ذلك الفن بالطبع. فكيف حين يجتمع في عمل واحد، يوليسيس بسيرسيه الساحرة الفتاكة، ليعبر العمل الفني عن التجابه بينهما كما الحال هنا؟ إن ما يسفر عنه الأمر هو عمل فني “مفهومي” أي وبشيء من الاختصار: عمل فني يغلب الفكر “التطبيقي” فيه على البعد الإبداعي فيتحول عمل الفنان إلى نوع من تفسير وشرح، ولو بصري رائع كما الحال في لوحة ووترهاوس، لكن المتفرج بدلاً من أن يصرف وقت تفرجه على اللوحة في استكناه للأبعاد الفنية فيها، يروح باحثاً عن المفاتيح التي تربط بين ما يراه من ناحية وما يعيش في ذاكرته إن هو كان قد سبق له قراءة الحكاية في ثنايا تاريخ يوليسيس (في الأوديسة والإلياذة) تبعاً لما تمليه عليه ذاكرته. بالتالي يشغل عقله وذاكرته بدلاً من أن يحرك ذائقته الفنية، ويقيناً أن النتيجة ستكون رائعة لكن الرسام ووترهاوس هو من سيدفع ثمن المكانة التي سيحتلها المفكر ووترهاوس بفضل اللوحة بالتأكيد. لوحة “سيرسيه تقدم الكأس ليوليسيس” (1891) (موسوعة القنون الكلاسيكية) “ماذا يحدث” أم “ماذا نرى” وما يحدث أمام ناظري المتفرج إنما هو أن سيرسيه تظهر في وسط اللوحة بكل جمالها وأناقتها منتصبة وهي ترفع بيدها اليسرى سيفها جالسة جلسة تعبق بإثارة استثنائية. ولعل ما يزيد من تلك الإثارة منظر واحد من رفاق يوليسيس وقد حولته الساحرة خنزيراً مرمياً عند قدميها، ما يفيدنا بتوقع أن يكون نفس المصير من نصيب يوليسيس الذي نراه في اللوحة ولكن بصورة غير مباشرة، فهو معكوس بصورته فقط في المرأة التي تتصدر الجدار خلف سيرسيه. ويعني هذا بالطبع أن بطلنا ينظر إلى نفسه عبر المرأة وهو واقف في مكان يفترض أن الرسام يطل منه على المشهد برمته كما نفعل بدورنا نحن معشر الناظرين إلى اللوحة محاولين تفسير مفاتيح ما يحدث أمامنا حتى وإن تمخض الأمر عن تضاؤل اهتمامنا بجمالية المشهد، وهي جمالية مطلقة في مسرحيتها، وقد نقول اليوم في سينمائيتها بالتأكيد. والحال أن ما يراه يوليسيس يبدو كقرين له عبر الموقع المتصدر الذي تحتله سيرسيه ومن نظرة يوليسيس، أو “قرينه” ندرك كما يدرك هو الأخطار الكامنة في التباسات جملة تصرفات سيرسيه. تلك الساحرة القادرة في المقام الأول على مسخ من تريد مسخه بالتالي تحاول الإيقاع بيوليسيس هو الآخر غير دارية بأنه كان قد توصل إلى ترياق يقيه شرها. فنحن نعرف من الحكاية الأصلية طبعاً أن يوليسيس قد اكتشف عشبة سحرية هي عبارة عن وردة بيضاء ذات جذر أسود اللون لها نفس الفعل الذي لإغواءات سيرسيه ويمكنه بالتالي من الإفلات من أي إمساخ تدمغه الساحرة به. إمساخ قادر عادة على جعل الضحية ينكر ذاته المتحولة. ونعرف من ناحية منطقية أن من شأن يوليسيس التملص من أي سحر يمارس عليه وبالتحديد لأن كل معنى يحمله تجواله إنما يهدف إلى إيصاله سالماً في نهاية المطاف إلى عالم شديد العادية هو عالمه الأصلي الذي تنتظره فيه امرأته بينيلوبي المتيقنة من عودته إليها في نهاية الأمر، حتى ولئن كان العالم السحري أكثر إغراء وإغواء من العالم العادي. فخ أدبي مطبق إن ما لا شك فيه في نهاية هذا التوصيف لما يحدث في لوحة جون ويليام ووترهاوس هذه، هو الطريقة التي أطبق فيها الفخ نفسه الذي تحدثنا عنه أعلاه، على هذا النص بدوره حيث وجدنا أنفسنا ننساق بدورنا، وربما لا شعوريا، نحو ما يحدث في المشهد الذي في انفصال تام عن الكيفية التي قدم بها الفنان المشهد وهو مشهد لا شك في توزيعه المسرحي ومحاولة إعطاء الصدارة لسيرسيه بصرف النظر عن أن الشخصية المحورية هنا ينبغي أن تكون شخصية يوليسيس فهو في نهاية الأمر بطل الحكاية. ومع ذلك ها هي سيرسيه تسيطر وكأنها هي المنتصرة عليه معبرة عن انتصارها بحركة يديها وأمارات العجرفة الانتصاروية على محياها. بيد أن هذا كله سيبدو في نهاية الأمر ثانوياً بالنسبة إلى المتفرج الذي يهتم فقط بتتبع المفاتيح الحديثة وفي الأقل للتيقن من أنه يفهم ويتذكر كل شيء. المزيد عن: جون ويليام ووترهاوسالرسام النهضوي رافائيليوليسيسالأوديسةالإلياذة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post مكتبات بغداد… من ينقذ ودائع الماضي المضيء؟ next post “الجيل المحروم”: دراسة تكشف أزمات الشباب العربي You may also like كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه” 26 أبريل، 2026 أوسكار متوتر… والسينما الأميركية تتصدر الجوائز 16 مارس، 2026 الأوسكار 98: “بوغونيا” يحصد الجائزة الكبرى و”صوت هند... 16 مارس، 2026 “مفجر البارثينون” رواية يونانية تفكك قداسة الماضي 16 مارس، 2026 تولستوي ينصر الإنسان ضد آلة الحرب في “حاجي... 16 مارس، 2026 ماهلر حذف ثلث مغناته “أنشودة النحيب” ثم ندم 16 مارس، 2026 يورغن هابرماس رائد النظرية النقدية في زمن الاضطراب 16 مارس، 2026