ثقافة و فنون “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة by admin 8 مارس، 2026 written by admin 8 مارس، 2026 16 ما الذي أوصل مبتدع الخيال العلمي الفرنسي إلى مجاهل الحياة والتاريخ في روسيا البعيدة؟ اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب نعرف طبعاً أن جول فيرن، الكاتب الفرنسي الذي كان رائداً من رواد أدب الخيال العلمي، وواحداً من مؤسسي الأدب القائم على العلم عموماً، بدأ يحقق النجاح منذ روايته الأولى التي نشرها له الناشر الباريسي هتزل عام 1863. ونعرف أن هتزل نفسه، الذي ارتبط اسمه كناشر، باسم جول فيرن على الدوام، كان من الحماسة للكاتب إلى درجة أنه سرعان ما وقّع معه عقداً يمتد لما لا يقل عن 20 عاماً، يجب على فيرن خلالها أن يقدم لناشره رواية جديدة كل ستة أشهر، أو 40 رواية خلال كل تلك الفترة. وهتزل لم يكن مخطئاً في توقعاته – وهي على أية حال تلك التوقعات المتفائلة التي جعلته ينفق على طباعة الروايات بأغلفتها البديعة وورقها الفخم والنفقات الدعائية التي أصر على تخصيصها للروايات والكاتب، أضعاف ما دفع أول الأمر للكاتب نفسه – ذلك أن الروايات، حين راحت تنشر واحدة إثر الأخرى، حققت كلّها من النجاح الجماهيري ما أدهش المراقبين، وما دفع هتزل نفسه إلى أن يزيد من قيمة العقد مرة بعد مرة. ونعرف أن هذا النجاح الساحق قد وصل إلى ذروته عام 1873 مع نشر رواية “حول العالم في 80 يوماً” مسلسلة أولاً في صحيفة “الزمن” ثم في كتاب، بخاصة أن مراسلي الصحف الأميركية في باريس كانوا يرسلون، برقاً، ملخصات للفصول المنشورة إلى صحفهم لتنشر هناك، بعد أيام قليلة من نشرها في باريس وقبل أن تصدر في كتب. لقد بات واضحاً في ذلك الحين أن النجاح أسطوري وعلى الصعيد العالمي، مما أسس حقاً لما في إمكاننا أن نطلق عليه اليوم اسم “عولمة الأدب” وربما بشكل أكثر تواضعاً ‘عولمة النشر الأدبي”. جول فيرن (1828 – 1905) (الموسوعة البريطانية) دقة أنثروبولوجية والحال أن هذه العولمة التي تأمنت بفضل نجاح روايات جول فيرن، كان لها وجه آخر يرتبط هذه المرة بالمواضيع والأجواء التي خلقها وضمّنها أعماله، فإذا كان الكتّاب عادة قد مالوا إلى الكتابة عن بلدانهم، فإذا حادوا عنها توجهوا إلى تاريخ البلدان الأخرى، فإن جول فيرن جدّد في هذا السياق، إذ إن عدداً لا بأس به من رواياته قد دار، أحداثاً، خارج بلده فرنسا. والطريف أن الرجل الذي لم يعرف بكثرة أسفاره (وكيف يسافر كثيراً وهو مجبر على الجلوس خلف طاولته للكتابة، يومياً، تنفيذاً لعقوده؟). عرف كيف يصف البلدان الأخرى التي موضع فيها أحداث رواياته، بشكل اقترب أحياناً من حدود الدقة. وحسبنا في هذا السياق أن نتذكر فصول “حول العالم في 80 يوماً” المتلاحقة والمتنقلة من بلد إلى آخر حتى نصاب بالدهشة، وبخاصة متى علمنا أن فيرن لم يزر في أي لحظة من حياته، معظم البلدان التي وصفها، بل لم يكتف بأن يصفها وصفاً سياحياً أو حتى جغرافياً، بل وصف عادات أهلها وذهنياتهم والعلاقات التي يقيمونها مع البلدان والأعراق المجاورة لهم بشكل قد يمكن وصفه بالدقة الأنثروبولوجية أحياناً. ولعل من شأن ذلك كله أن يضعنا أمام علامات تعجب فحواها: كيف قيض للكاتب الفرنسي أن يعرف كل ذلك قبل ما يقرب من قرن من ولادة محطات تلفزيونية كـ”ديسكافري” و”بلانيت” وحتى “ناشيونال جيوغرافيك”؟! والأدهى من ذلك أن كل هذا يتجلى بشكل خاص بل مذهل في تلك الرواية المتعددة البلدان والأجواء التي صورت مغامرة فيلياس فوغ وخادمه باسبارتو في رحلتهما حول العالم. بوستر الفيلم المقتبس عن “ميشال ستروغوف” (موقع الفيلم) في مجاهل بلاد الموسكوب غير أن حال “حول العالم في 80 يوماً” لم تكن شيئاً، في هذا المجال، مقارنة بحال رواية تالية لفيرن، صدرت عام 1876، أي بعد تلك الرواية الفذة بثلاثة أعوام، وفي زمن كان الكاتب يعيش أعلى درجات نجاحه. وهذه الرواية هي “ميشال ستروغوف” التي، حتى وإن كانت خالية كلياً من تلك العناصر التقنية والتنبئية التي طبعت معظم أعمال الكاتب، تعتبر الأجمل بين رواياته. والطريف أن قراء كثراً يقبلون على “ميشال ستروغوف” ويقرأونها ناسين أن كاتبها فرنسي. كثر يخيل إليهم لردح من الزمن، أن الكاتب روسي. وثمة من يخلط بينها وبين أعمال لغوغول، وربما دوستويفسكي أيضاً، حتى وإن كان لا علاقة لها بهذين على الإطلاق. والسبب بسيط: أن في “ميشال ستروغوف” من وصف مقنع ودقيق للحياة والعادات والأجواء الروسية لا سيما في شرق روسيا، ما يدهش، ويدفع دائماً إلى السؤال: من أين أتى جول فيرن بهذا كله وكيف قيّض له أن يعرف كل هذه الأمور عن روسيا وتاريخها وشعوبها وألوانها وذاكرتها الشعبية وما إلى ذلك؟ على أي حال، من المؤكد أن من يقرأ الرواية ويغرق في قراءتها كلياً، لن يهتم كثيراً بأن يبحث عن إجابات لأسئلة من هذا النوع، ذلك أن “ميشال ستروغوف” تقرأ بشغف ومتعة وتقبض على أنفاس قارئها منذ الصفحة الأولى حتى السطور الأخيرة، فهي، أولاً وأخيراً، رواية مغامرات ممتعة، همها أن تسلي القارئ وترفه عنه وتثيره. أما إذا كانت قد جعلت ملايين القراء في شتى اللغات وفي أنحاء العالم كافة يندمجون من خلالها في الحياة الروسية، وربما يكتشفون للمرة الأولى في حياتهم وجود تلك الأمة المدهشة وقارتها الشاسعة، فأمور لا تأتي هنا في المقام الأول. رسالة حول خطر محدق إذاً، فنحن هنا أمام رواية مغامرات، والمغامرات فيها هي تلك التي يقوم بها ميشال ستروغوف نفسه وهو ضابط مكلف بإيصال بريد القيصر. أما البريد الذي يتعين عليه إيصاله اليوم فهو رسالة يجب أن تصل بسرعة من العاصمة إلى حامية مدينة أركوتسك الواقعة إلى أقصى الشرق من البلاد الروسية عبر سيبيريا، لتنبّه تلك الحامية إلى خطر محدق بها يتمثل في جماعات التاتار الذين يستعدون بقيادة المتمرد إيفان أوغاريف إلى غزو تلك المدينة والانطلاق منها – إذ يصبح ذلك سهلاً بعد غزوها – للسيطرة على سيبيريا وربما على روسيا كلها. وهكذا يحمل ستروغوف رسالته ويسرع قاطعاً روسيا من غربها إلى شرقها. ولسنا في حاجة هنا إلى القول إنه في نهاية الأمر سينجح في مسعاه، فالمنطق يقول هذا، بالطبع، إنما المهم هو الطريقة التي ينجح بها البطل ستروغوف في إنجاز مهمته. والصعوبات التي يتمكن من اجتيازها والأخطار التي يتعرض لها، لا سيما حين يقبض عليه المتمردون مرة، أو يجابهه الحظ التعيس مرة، أو يضيع في الطريق مرة وما إلى ذلك. صحيح أن هذا كله يعطي جول فيرن الفرصة لكي يصف لنا أرضاً وشعباً وأجواء، لكن المهم في الأمر بل الأكثر أهمية من كل ذلك، هو شخصية ميشال ستروغوف التي تعيش على طول صفحات الرواية في سباق مع الزمن والموت والفشل. ولئن كان يمكن استخلاص أي درس من هذه الرواية التي من الطبيعي ألا تخلو في نهاية الأمر من درس، فإنما يتعلق هذا الدرس بقدرة الإنسان على تحدي كل الصعاب والتغلب عليها حين يكون لديه العزم والدافع ولا يرغب في الاستكانة إلى قدره. غير أن هذا الدرس يظل ثانوياً أمام سرد جول فيرن ووصفه الذي يكاد يكون بصرياً لما يعيشه بطله. قصر منيف مقابل رواية من المؤكد أن رواية “ميشال ستروغوف” كانت واحدة من أعمال جول فيرن المفضلة لديه، وليس ذلك فقط لأنها درّت عليه من المال (إلى جانب “حول العالم…”) ما مكّنه من شراء قصر منيف عاش فيه بقية أيام حياته مرفهاً، بل أيضاً لأنها كانت العمل الأكثر إنسانية بين أعماله، هو الذي كان اشتراكياً ذا نزعة إنسانية تؤمن بالإرادة البشرية إلى جانب الإيمان بالعلم. ومن هنا، لم يكن غريباً أن يحوّلها عام 1880 إلى مسرحية حققت نجاحاً كبيراً بدورها. وجول فيرن (1828- 1905) يعتبر على العموم ظاهرة من ظواهر الكتابة على مدى التاريخ الأدبي، وكانت أعماله تعتبر ذات حقبة الأكثر رواجاً في العالم بعد الكتب المقدسة. ومن أبرز أعماله التي لا يسهل إحصاؤها “خمسة أسابيع في بالون” و”رحلة إلى القمر” و”رحلة إلى باطن الأرض” و”20 ألف فرسخ تحت الماء” و”ماتياس ساندورف” وغيرها من أعمال غذّت زمنها كما غذّت الأزمان التالية له. المزيد عن: جول فيرن عولمة الأدب نيقولاي غوغول دوستويفسكي أدب الخيال العلمي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post داليا داسا كاي تكتب عن: وهم الشرق الأوسط الجديد You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 مارس، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 مارس، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 مارس، 2026