الإثنين, مارس 9, 2026
الإثنين, مارس 9, 2026
Home » مهى سلطان: منى السّعودي حفرت أناشيد الرّوح على وجه الحجر… ثمّ رحلت

مهى سلطان: منى السّعودي حفرت أناشيد الرّوح على وجه الحجر… ثمّ رحلت

by admin

آمنت منى السعودي بالفن كمرادف لمعنى وجودها في الحياة، وبأن الإبداع يجلب الفرح، وهو فرح متجدد في كل يوم يولد الى العالم

 بيروت- النهار العربي \ مهى سلطان

قامة إبداعية بلا مثيل وعلامة فارقة بين النساء ورائدة من رواد الحداثة التشكيلية العربية. إنّها الفنانة الأردنية منى السعودي (1945- 2022) التي رحلت عن 77 عاماً في بيروت بعد معاناتها مع مرض السرطان، تاركةً وراءها إرثاً ثميناً من الأعمال الفنية رسماً ونحتاً وشعراً. بل وأيضاً ذكريات كثيرة تقاسمتها مع المثقفين العرب، شعراء وفنانين، في حقبة غير قصيرة من الزمن، شهدت فيها على حوادث سياسية كبرى وتداعيات هزائم وحروب ونجاحات فنية متواصلة، كرّستها واحدة من أبرز المبدعات العربيات.

هي من مواليد عمّان، ظهرت موهبتها في النحت في سن مبكرة، فانتسبت الى المدرسة العليا للفنون الجميلة في باريس ما بين عامي 1964- 1968. في حوار غير منشور أجريته معها في بيتها في الأردن (قرية عبدون) تحدثت فيه عن بداياتها تقول، إن ثمة انقلاباً كبيراً حدث في حياتها مع نشوء الثورة الطلابية في باريس عام 1968، حين مشت في التظاهرات وتفاعلت مع حوادث تلك الحقبة، التي منحتها الوعي السياسي: “أحسستُ بأنني جزء من نسيج هذا العالم ويجب أن أعود الى المنطقة، ويجب أن نخرج في تظاهرات مماثلة ومن دون تعصب، خصوصاً أن هذه الحوادث قد ترافقت مع بداية الثورة الفلسطينية عام 1968، وبما أن الجو الثقافي في الأردن كان محدوداً، لذا استقررت في بيروت عام 1969، ومكثت فيها حتى عام 1982. ومع الاجتياح الإسرائيلي رجعت مؤقتاً الى الأردن”.

لم تمكث هناك طويلاً بالرغم من أن منزلها ومحترفها في الأردن شكلا مساحةً للمتذوقين والقاصدين، كي تعود مجدداً الى بيروت وتمضي فيها حتى رحيلها.

عام 1970 نشرت مؤلفها “شهادة الأطفال في زمن الحرب”، أتبعته بكتاب عبارة عن نصوص من أشعارها ورسوم بعنوان “رؤيا أولى” عام 1972، وفي العام نفسه بدأت أول معارضها في باريس في “صالون أيار – متحف الفن الحديث”، تلته مشاركتها في “المعرض التشكيلي العالمي من أجل فلسطين” الذي أقيم في بيروت عام 1978. ثمّ توالت بعد ذلك مشاركاتها في معارض أقيمت في متاحف عالمية، أبرزها في برلين وطوكيو وموسكو، فضلاً عن معارضها الشخصية التي كان مقرها غالباً في بيروت، كان آخرها المعرض الذي أقيم لها في غاليري صالح بركات عام 2017. دخلت منحوتاتها في مقتنيات متاحف عربية وعالمية عدة، أبرزها منحوتة “هندسة الروح” التي تستقر في باحة معهد العالم العربي في باريس منذ عام 1987.

 

أن يكون العمل الفني حراً

آمنت منى السعودي بالفن كمرادف لمعنى وجودها في الحياة، وبأن الإبداع يجلب الفرح، وهو فرح متجدد في كل يوم يولد الى العالم عمل فني جديد. عاشقة بيروت، التي عاشت فيها دفئاً إنسانياً بلا مثيل، ونضجاً فنياً وثقافياً بين أحبائها وأصدقائها (وأحياناً مشاكسيها) من المثقفين والفنانين والشعراء اللبنانيين والعرب، في ركن بيتها الأرضيّ القديم الطراز (في منطقة كليمنصو) المنعزل والريفيّ بغرابة، بوجود الحديقة المزينة بمنحوتاتها المنصوبة بين أنواع شتول الأزهار والنباتات وشجرة النارينج الفوّاحة، منزل كأنه خارج عالم المدينة وضوضائها، بأثاثه البسيط وذكرياته المعلقة صوراً تذكارية ورسوماً زينت بها قصائد غفيرة لمحمود درويش وأدونيس وغسان كنفاني ومعين بسيسو وسواهم، إنها رسوم حملت أشكالاً مبتكرة من تكاوينها النحتية التي لطالما زاولتها بشغف حاملة أسرار تعبيراتها وإيماءاتها التجريدية.

من يستطيع أن يمحو من ذاكرته طيفها وهي المشرقة الحبور بصورتها الأيقونية الخاصة التي صنعتها لنفسها بمزاجها وطريقة لباسها وتصفيفة شعرها الخاصة، حتى تكاد تخال رأسها كمنحوتة من منحوتات حضارات الشرق القديم.

منى السعودي الصلبة والمتقشفة، الرقيقة والقاسية، المنغمسة سياسياً والمرهفة شعرياً والباطنية التي ظلت حياتها الخاصة مظللة بالغموض، ولكنّها الأنوثة المتجسدة بخط النهر، الذي لطالما رسم ملامحها دوماً حافية القدمين تمشي على الضفة وتترك أثراً لعبورها. هي التي احترفت استنطاق الحجر، كي تخرج من المادة الأصم المنبثقة من الأرض أشكالها وتعبيراتها التي تروي الكثير عن علاقتها بالإنسان والمكان والمرأة والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص، التي تجذرت في كيانها وقاموس مفرداتها البصرية (شكل البندقية)، فضلاً عن مرجعياتها الفكرية الواسعة التي اكتسبتها من الثقافة الغربية في باريس لأعمال نحاتين عالميين، فضلاً عن ثقافتها العميقة المتعلقة بالنحت في الحضارات الشرقية العربية والنبطية، متأثرة بأساطيرها وبطولاتها. تقول منى: “الذاكرة الفنية مهمة، ولكن الأهم هو كيف تمتزج هذه الذاكرة مع الأشياء التي تعبّر عن تجربتي الخاصة، ويكون عملي حراً ومتكاملاً”.

منى السعودي مع منحوتة هندسة الروح في باحة معهد العالم العربي في باريس

 

“أحيا لأنحت وأنحتُ لأحيا”

لم تزعم يوماً أنها تحترف مهنة شاقة، ولم تقتنع يوماً بأنه على المرأة أن تعمل الأشياء السهلة. الواقع أن منى قد جرفها الهوى الى مراس النحت، وعرفت كيف تجسد من خلاله مشاهداتها وذكريات طفولتها ومراهقتها ورؤاها الشعرية، وتوق روحها المتمردة الى الحرية. لذا لم تكن سوى نفسها منذ أول عمل نفّذته على الحجر، وحمل عنوان “أمومة الأرض” عام 1965، “كنتُ ما زلت طالبة في باريس ووجدت أن لدي أشياء خاصة بي، وكأنني أعيش في عصور قديمة، بل كأن الذاكرة القديمة احتوت كل نفسي، أدركت أني على الطريق الصحيح، وكان أن لَفَت هذا العمل انتباه أستاذي الذي نبّهني الى ضرورة أن يعكس عملي حقيقة ما في داخلي”. هكذا تعلمتْ منى السعودي كيف تلتحم بجسدها مع الحجر، كي تبوح بدواخلها وأسرار كينونتها وهي تنكب عليه بإزميلها، تطوّعه وتخلق منه أشكالاً متنوعة من منظومة هندسية بسيطة الحركة، وكذلك بسيطة الإيقاع والتكوين. فظاهر أعمالها هو تجريديّ، ولكنه التجريد النابع من مَعين مفردات تكوّنت على مر السنين والتجارب. إذ إن المثلث الذي ظهر في أعمالها الأولى، سرعان ما أضحى جزءاً من الدائرة التي ترمز الى المركزية الكونية والنبض الداخلي لجسم المنحوتة رأسها أو بطنها، وكثيراً ما ترمي الى العين الرائية الشاهدة على رعب العالم. ومن داخل السيطرة على الحجر وبأسلوبها الاستثنائي أخذت التنويعات التقنية: كالسالب والموجب والغائر والنائ والمصقول والخام الى التآلف، هو التآلف بين الأضداد في لغة الجمال الشكلاني للنحت الحديث.

من معرضها الأخير في غاليري صالح بركات في بيروت

 

عناصر ومفردات

اعتبرت منى السعودي أن المنحوتة هي فكرة تستدعي عناصرها، والتجريد لغة الشكل الذي لا يأتي من العدم بل من اختصارات مفردات الواقع والتيمات التي تطرقت اليها على مدى تجاربها الطويلة. فالخط الحلزوني الذي يرتسم على السطح الخارجي للكتلة، يمثل تعرجات النهر، كما توحي الأشكال المتكورة بملامح الأمومة في شكل يحضن نفسه ويلتف حول نفسه في انحناء داخلي، وكما يتبدى أيضاً في حركة الأصابع التي تقبض على هدب ثوب وتمسك بكتف أو بجسد خوفاً من السقوط، ما خلا سقطة الحب.

فالنحت هو غوص للكشف عن السر الكامن في الجسد والقصيدة والروح، وهو سفر في اللامرئي، إذ كثيراً ما رفعت بالحجارة محيط أحلامها، فتجربتها التي اغتنت من علاقتها بالكتّاب ساهمت في بلورة أفكارها على نحو المنحوتة الكبيرة الحجم التي نفذتها عام 1981، من مقالة لصديقها كمال بلاطة عن الإنسان، فأخرجت الى العيان حرف النون كخط دائري مفتوح في مركزه نقطة، وقد تكونت من بناء عمودي تشكل الماضي والحاضر والمستقبل أسمتها: “تنويعات على حرف النون”.

وإلى جانب الحجر، أحبت منى السعودي خامة الغرانيت التي تحمل على وجهها تعريقات وألواناً، تجعلها بمثابة حديقة تتفتح فيها ورودها وثنائيات قاماتها المتعانقة، كالقطعة التذكارية التي أنجزتها لبنك البتراء في عمان، وهي عبارة عن غرانيت أزرق ذي شكل دائري مناسب للتعبير عن جريان ماء النهر (نهر الأردن) المرفق بجناحين هما الضفتان: فلسطين والأردن.

مرّت منى السعودي بكثير من التجارب والآلام والخيبات، وظلت نحاتة الصراخ الخفي والجرح المكتوم الذي يحكي عن عناق المصير، والأيدي المتكاتفة، وعناق الإنسان والأرض والرجل والمرأة والخصب والحنين والمرأة والطير وشجرة العشاق. ماذا يبقى من العمل الفني إذا كان خالياً من الروح؟ تسأل منى السعودي، وهي التي عاشت من أجل فنها قولها: “أحيا لأنحت وأنحت لأحيا” في سياق سيرتها الذاتية التي نشرت في كتاب يعود الى عام 2006، الفن الذي هو رسالة حب ولغة جماليّة للتواصل مع الآخر، بقوته المعنوية والجمالية وأبعاده الروحية. فالنحت لديها هو تجسيد للشعر وموسيقى الكون والطيران بلا أجنحة، ونسج القداسة بإعادة التكوين والتواصل بالغيب.

منى السعودي مع منحوتة لها تمثل دائرة الزمن

 

المزيد عن : رحيل منى السعودي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

You may also like

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00